( الأدب ونماذجه النظريـــــة )

 أ.د.عقيل مهدي يوسف               

 

      تساهم الترجمة بتعريفنا بالجهود النظرية للآخر الحضاري، الذي باتت المصطلحات أداة طيعة لديه، لكنها ما زالت نافرة لدينا هذا الغموض بمعناه الدلالي لن يحل مشكلة الاكتفاء بالمتوفر من التعريفات والمفهومات المتداولة في حقول أدبية وفنية وفلسفية، بل يحتمّ علينا الخوض في الانفتاح عليها في مظانها الاجنبية وان من خلال "الترجمة" وليس الباعث على ذلك الظهور بمظهر "الخواجة " !! بعقده السطحية في تقليد الاخر، بل هو واجب يقتضي منا اليقظة في تتبعه ، مهما كابدنا من أهوال ومشقات للظفر به ، وتقديمه لمجتمعنا ، حتى يتوفر على خطاب العصر ، ويتنور بطروحاته.

التقط المترجم (سمير مسعود) كتابا موسوما بـ (النظرية الادبية الحديثة) وهو من تأليف آن جفرسون وديفيد روبي . ونحسب ان جدية الكتاب ، لن تنتقصها ما سنحاول فيه من الوقوف في محطات دون غيرها ، لغرض التذكير بمعلومات قيمة تخص مقاربات الشكلانيين ، والماركسيين ، وجماعة فرانكفورت ونقاد فرنسا الحداثويين من القرن الماضي في حقول الادب ونظرياته أثارت ( اوبوياز) جمعية دراسة اللغة الشعرية قضايا عدة تتعلق بطبيعة الادب ، وشخصية الاديب ، حاول ( الشكليون) مواصلة هذا المسار ، يبرز اسم ( اوسيب بريك ) كواحد من اولئك المنهمكين بالفرز ما بين النص وكاتبه. فهو يثبت :( سمي الذين يتجاوزون الادب الى شخصية الاديب بـ " المهووسين" لانهم يعتقدون – مثلا- ان رواية بوشكين "ايفجيني اونجين" وثيقة لايمكن في الغالب الاعتماد عليها.)  هنا نلتمس نحن القراء العرب المرارة التي يستشعرها هذا الناقد الروسي لان الرواية المذكورة هي من غرر الروايات الروسية ، قيمتها الحقة في مكونات نصها نفسه ، وليست لانها مجرد ( وثيقة) تشرح لنا شخصية كاتبها " بوشكين" !!

لذلك ينعتهم بالمهوسين " الذين يسعون  بحماس الى الاجابة عن سؤال مثل : هل كان بوشكين مدمنا على التدخين؟" انه – بالتاكيد ينحاز للنص ويبرر وجوده المستقل عن كاتبه . و( النص ) عندهم ينبغي ان يتوفر على( التغريب) ليختلف عن الواقع وكما يقول ( شكلوفسكي ) ان ( الرقصة مشية محسوسة ، وبتعبير أدق مشية نظمت بحيث تصبح محسوسة )  وهنا يجري التمييز مابين فعالية لم نعد نعيها لاننا اعتدناها يوميا ( لكننا عندما نرقص يتجدد احساسنا بحركات المشي المؤداة (اوتوماتيكيا) وحتى حديثنا اليومي عندما ننقله الى " الشعر" يغرّب حين يعطل صنعتها " الالية" الاوتوماتيكية وهنا يحاول ان يحصر " تأثير " الشعر ، في تحريفه للغة سواء بجعلها اكثر صعوبة او اكثر تخفيف او التواء لانها في هذه الحالة تجعل ادراكنا " لاصوات" الكلمات بارزة اكثر مما كنا ندركها من قبل .

ومن بين هذه المصطلحات " التصدر " الذي طور مفهومه ناقد شكلاني اخر ( تنيانوف) حين اعتبر النص مكونا من عناصر ذات علاقة تفاعلية متبادلة ، مابين عوامل مهيمنة واخرى متنحية تشغل مكانا ثانويا ازاء العناصر التغريبية او المتصدرة . ويسهم الايقاع عند الشكلانين بدور مهم ، وان اختلفت دلالته عما كان عليه لدى السابقين . ذهب الشكلانيون الى عدم الموافقة على ضرورة ارجاع ادبية " الايقاع الشعري الى " الايقاع " وحده بل ان الادبية هذه غالبا ماتنجم عن ( الاخلال ) بالايقاع !! وهنا يحرص شكلوفسكي على تذكيرنا بان " ثمة " نظام" في الفن ،لكن ما من عمود واحد من اعمدة المعبد الاغريقي ينتصب تماما في ترتيبه " الصحيح " الايقاع الشعري هو بالمثل ايقاع مختل " وفضلا عن ذلك " اذا ماتحول هذا الاخلال بالايقاع الى عرف فانه سيفقد فعاليته كاداة " لتخشين" اللغة" هنا – بالطبع – يحاول التفريق مابين " الاداة و" الوظيفة" لان تفعيل " التغريب " لايعتمد الاداة كاداة ، بل يعتمد على " وظيفتها" في العمل الذي تظهر فيه). هذه الرغبة في الابتعاد عن الواقع ، يحملها " جاكوبسون " في عبارة استعارها من ( مالارميه ) تقول :" الزهرة الشعرية هي تلك التي لاتوجد في أي باقة" وحتى يصنع الشاعر او المبدع مآثرته الابداعية خلافا للطبيعة فانه بحاجة الى تحفيزات يرفض من خلالها " المحاكاة" لان الزهور الواقعية هي مجرد نتاج ثانوي في القصيدة لانها مستترة تحت قشرة من الواقعية تذكرنا بوجودها في الحدائق ، في حين يبقى الامر الحاسم في القصيدة هو تعرية هذه الاداة بتغريب هذه البنية الداخلية للقصيدة ، اراد ( جينت ) تاكيدها بصورة اخرى " لقد اعتبر الادب لامد طويل رسالة مدونة Code   ولذا بات من الضروري اعتبارها لوهلة من الزمن مدونة دون رسالة" .

فالمهم هو" تقنية" القصيدة ، وانتظام عناصرها الداخلية ولو نظرنا الى جانب من جوانب ( البنيوية) فانها لاتنظر الى العلاقة مابين ( الادب ) و( اللغة) على اساس السلب والتعارض ، كما كانت تفعل  الشكلانية انها ترى الى التوازي او التشاكل في هذه العلاقة فالادب – مثلا- منظم- ( كما في منظومات القرابة) كما يصرعلى ذلك كلود ليفي شتواوس وهو عند كل مستوى مشابه للغة ، وان كشف النقاب عن هذا التشابه يمثل جانبا مركزيا من غرض البنيوية ويذهب ( رولان بارت) في نظرية الى( المدونات) Code  الى الاتي: ( التاويلية التي تطرح من خلالها احجية يجري حلها لاحقا في النص والتضمينية التي تقرر الموضوعات . والرمزية التي تبين تعدد المعاني وقابليتها للعكس والحديثة التي تقرر الحدث والسلوك.الثقافية التي توفر المعلومات الاجتماعية والعلمية ) .

هذه المدونات هي الأسس البنيوية للنصوص الأدبية ، وهي مشتركة بين المؤلف والقارئ وهي التي تجعل من النص الاجنبي ، نصا " تحلق هذه المدونات الخمس نوعا من الشبكة ، موضعا يمر النص بكليته من خلاله " ( او بالاحرى يغدو نصا من خلال مروره )  هنا يحاول ( القارئ ) ان يشارك المؤلف في صياغة تجربة النص وربما يقدم ( لاكان) قراءة خاصة اكثر من غيره في هذا المنحنى فيرى ان قصة ( ادغار الان بو ) – ( الرسالة المسروقة) عند كل قراءة لها تكشف عن "خصوصية" و" عمومية" في آن واحد كل يكوّن معنى خاصا به ،  لكنها عملية تنطوي على تجاوز لمعنى كوّنه شخص آخر. وهنا تقوم بنية السرد بلعبة تشرك فيها المؤلف والقارئ والنص سمّي ( دريدا ) ذلك بـ( البعثرة المتواصلة للمعنى) و( اعادة تشكيله)  بسبب عوامل الاختلاف ، وهو يؤكد على اولوية ( المؤلف) بخلاف لاكان الذي يؤكد على اولوية ( القارئ ) لان دريدا معني بالكيفية التي يؤكد بها النص نفسه وكيفية تقويضه له في آن واحد كشكل ( لوغو سنتري ) أي مركزي للقول ويبدو من الجرأة ان يحصر الناقد المرجعيات الماركسية بـ ( نماذج) محددة لكن هذا مايفعله – تماما- ان جفرسون وديفيد روبي ، حين حصرا هذه النماذج بخمسة أنواع:

أولها: الانعكاسي، المرتبط بلينين، حين اعتبر تولستوي مرآة الثورة الروسية ، وقام جورج لوكاش باتنظيره لهذه النظرية الانعكاسية مقراً بان " شكل العمل الادبي ، يعكس شكل العالم الحقيقي" وفي موقف رافض لما يسيمه بالادب البرجوازي – الانحلالي – يصرح لوكاش ان ظهور مارسيل بروست وجيمس جويس والطليعيين الاخرين معهم هو دليل على ( انحلال تام لكل مضمون ، ولكل شكل) النموذج الثاني: هو الانتاجي، الذي يذهب الى ان الكاتب حرفي يستخدم الادوات ، كما عرف به الفرنسي ( بيير ماشريه ) المؤلف ، ليس مبدعا، كما يراه، وانما شخص يشتغل على الاجناس الادبية القائمة ، وكذلك الاعراف ، واللغة ، والايدلوجيا ، ثم يحولها الى ( منتج) نهائي : أي الى نصوص ادبية ، وسيكون كل مايدخل النص عرضه للتحول الى( شيء اخر) اثناء ( كتابة النص) تماماً مثلما يبدل الفولاذ الذي يدخل في صناعة مروحة الطائرة ، مظهره، ووظيفته، بعد قطعه ، ولحمه، وصقله ، وتركيبه، على الطائرة الى جانب الاجزاء الاخرى.

والنموذج التكويني، الذي يبحث في الاصول والاسباب والمقررات ، ويمثله ( لوسيان غولدمان) الذي يحدد الاتي : ( ان المعنى الموضوعي ، لعمل أدبي اوفلسفي " كان في اغلب الاحيان غير واضح  تماماً للمؤلف نفسه" فكلا من هيوم وريكارت ، على سبيل المثال ، كان مؤمنا بالله غير ان كتابتهما الفلسفية كانت على التوالي ، شكية تماما و(عقلانية ) وكأنه ضرب من مغالطة القصد!!

انه يربط النص بالبنية الذهنية للفئة الاجتماعية التي ينحدر المؤلف منها.

والنموذج الرابع هو ( المعرفة السلبية ) وصاحبه ( ثيودور ادورنو) من مدرسة فرانكفورت الذي بيّن سخطه وادانته لـ ( لوكاش ) لانه – كما يقول : (" واقع في فخ النظرة المادية " المبتذلة" للعمل  الادبي بوصفه انعكاسا للواقع ). ان ادورنو يقيم الفن على مسافة بينة من الواقع ، لكي يتمكن من تقويمه ونقده ، فيقول ان الفن والواقع يقفان على مسافة من بعضهما ) وان هذه المسافة تمنح ( العمل الفني موقعا ممتازاً يمكنه من نقد الواقع) ثم يعرج على الحديث عن الاجراءات والتقنيات التي تقوم في الفن الحديث بتفكيك مادة موضوعه ، واعادة ترتيبها. وباعتباره الفن يمثل جوهر الواقع وصورته ، بدلا من اعتباره نسخة فوتوغرافية عنه ، والفنان يستوعب الموضوع داخل ذاته على شكل ( صورة) . ويبقى ( الفن) مجرد معرفة سلبية بالعالم الحقيقي ، لكنه بالمعرفة الكيفية القادرة يقوى على نفي حالة السلب الزائفة هذه. كما كان يفعل ( كافكا) حين اعطانا معرفة سلبية خاصة بالعالم، لكنه كان قادرا على فهم العالم ، بذات المعرفة السلبية هذه وكانت تقنية هذا النفي – مثلا- عند ( بروست) و( جويس ) في استخدامها ( للمونولوج الداخلي ) .

وأخيرا، النموذج الخامس: هو ( الباختيني ) المرتكز على اللغة ، ومع باختين يقف آخرون مثل مدفيدييف ، فولوسينوف ، وهم يرون بان: ( المجتمع نفسه لاينفصل عن اللغة) وبان ( الايدلوجيا تتكون من لغة في شكل علامات لغوية) وبخصوص باختين ، ونزوعه الاجتماعي ، اكدت ( جوليا كرستفا) على اعتبار باختين الادب ، يمثل ممارسة ، وكذلك على المغزى الاجتماعي الذي اضفاه عليه ، غير انها تضيف الى نظرة باختين مفهوما بنيويا عن النص ، وعن دور الذات ( المؤلف) ( داخل اللغة) فالنص ، عبارة عن شكل ولسان ودلالة وبنية ، وهو تعبير عن المكبوت او عن وضع اجتماعي معين، هذه المقاربات ( الماركسية) هي وسواها تطمح للكشف عن لغز النص الادبي ، فالى أي مدى استطاعت ان توصلنا اليه ؟ هذا هو السـؤال .

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

آن جفرسون وديفيد روبي / النظرية الادبية الحديثة – تقديم مكارن. ترجمة سمير مسعود / وزارة الثقافة/ دمشق: 1992 .