التشكيل في كردستان العراق

عناصر التجربة وخصائص الخطاب التشكيلي

 

 

عادل كامل

 

 

 

     يذكر الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا ، في كتابه [ الحرية والطوفان ] ان  ضابطا ً يدعى عثمان بك كان يرسم النساء اللواتي جئن لزيارة موتاهن ، وقد أحاطت بهن خضرة الربيع وزهوره .  كان ذلك في أوائل القرن الماضي . وكان ، كزملاء له في الموصل وبغداد ، ضابطا ً يهوى الرسم . وقد أثار مشهده وهو يرسم من الفضول والعجب ما جعل ذكره باقياً لفترة غير قصيرة . بيد ان الخزاف قادر ميرخان ، في حوار  جرى لي معه في السليمانية عام 2000 ، ذكر لي انه عثر على أسماء عديدة   تحمل الاسم نفسه  ، وليس بينهم عثمان بك الرسام  تحديدا ً .

     لكن إشارة الأستاذ جبرا ، سترجعنا الى ماض ٍ لم يغب ؛ فالإشارات الواردة في ملاحم سومر ،  منذ عصر تأسيس الكتابة ، تنفي وجود فجوات . فالجغرافية ـ ويلحق بها التاريخ ـ لا تنفصل ، في تشكلها الحضاري ، عن الماء . ان عثمان بك ، وبملاحظة الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا ، جمع :

ـ النسوة

ـ والموت

ـ والطبيعة

ـ والفن / الرسم .

     وبتداخل هذه المكونات ، مع ما اشتغلت عليه الأساطير المبكرة ، في التشكيل العراقي عامة ، أصبحت  فعالة  بالحفر في الذاكرة ، الى جانب عمل الأساليب الحديثة في صياغة النصوص .

     إننا نجهل الكثير الذي يوحد التشكيل في كردستان ، باتساع الجغرافية ، وتنوعها ،  وبندرة وجود دراسات شاملة للأساليب والخصائص .. ولكننا ، بتجارب الرواد الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الثانية ، في بغداد ، وبظهور أسماء ولدت بعد عام 1930 ،في كردستان العراق ، نسترجع أثر المكان ، والطبيعة ، وتأثيرات الفنون المعاصرة ، في بناء النصوص ، وتشكيل خصائص الأساليب وترميزاتها ، وتقنياتها كعلامات تجاور المنجز الثقافي ، والجمالي معا ً .

     ان تسارع الزمن ، في كردستان ، كان له أثره في تحديث معالم  التجربة . ومع انه ، كما  في مناطق العراق الأخرى ، كان لا  يجد  توازنه مع اشتغال  المخيلة ، لا بدافع سيناريوهات ما بعد الحرب العالمية الأولى ، والثانية ، ودخول نهاية القرن الماضي في عصر التصادمات ، وإشكاليات نفوذ العولمة  فحسب  ،وإنما في حل معضلات حداثات العصر ذاته . فإذا كان د . وريا محمد علي قد دوّن في مقدمة رسالته حول التقويم الكردي ، إشارة حول تحول العالم الى قرية كبيرة ، فان مكونات تجربة الفنان في كردستان ، ستحدد خصائصها الأسلوبية ، لا بالانغلاق ، ولا بفقدان الهوية ، بل بإجراء توازنات  تحقق روح العصر ( كما لخص غوته سمة الحداثة الأوربية ) مع اشتغال تشفيرات الهندسة  الوراثية ، ومرموزاتها ، وآليات عملها في مقاومة الانخلاع ، والتهجير .

     ولن نغض النظر عن كوارث كبرى ، وكيف سيعاد استيعاب دروسها . لأن الحرب التي شهدها العراق ، منذ أوائل القرن العشرين وحتى اليوم ( 2005 ) والاضطرابات المتواصلة ، لم تثمر إلا في تجميد التنمية ، وتدمير المخيال ، وترك تقنيات عصر  الزراعة تعمل في عصر ما بعد الثورة الصناعية . ان اثر الحروب الداخلية ، وأيا ً كانت أهدافها وأسبابها ، فإنها وجدت سكنها واقعيا ً ورمزيا ً داخل النصوص التشكيلية ، كعلامات مجاورة للواقع  : إنها ، في التشكيل الكردي ، سمحت بـ :

ــ إعادة صياغة المكان ، بعناصره : النبع / الغابة / الجبل / بأساليب متنوعة .

ــ وجعل الإنسان، فعالا ً ، ومركزا ً داخل النص .

ــ دراسة المرئيات ، وتحويرها ،واعتماد النسج في صياغة النص التشكيلي ، حيث ظهر التنصيص امتدادا ً لمسطحات ومفروشات وجدران المكان المكون من الصخور والنبات والماء والكائنات الحية . حتى ان التجريد غدا جزءا ً من العمل الزخرفي الشعبي بما يمتلكه من اختزالات وحذف وكثافة .

ــ استعادة أنظمة الأساطير الضاربة بالقدم ، وأساطير القرون المتأخرة  كـ : مم و زين وبطولة الكرد في ملحمة قلعة دمدم .. في مواجهة تحولات بالغة التعقيد والتداخل .

ــ أثر الحداثات الغربية ، والشرقية ، وفنون الدول المجاورة  ، ضمن مؤثرات متعددة أوربية وشرقية ، ستجد لها معالجات في إطار الخصوصية ، وطرق تحديث الخطاب .. الخ

     ان متابعة هذا المسار يسمح بدراسة التجربة التشكيلية الكردستانية، بعواملها المشتركة ( الذاتية والموضوعية ) مع بواكير الريادات الزمنية والفنية التي ظهرت في بغداد ( بصفتها مدينة تدخل عصر التحديث ، وليس عصر الانتداب والاستقلال المحدود ، أو بصفتها تحمل ذاكرة ماضيها العباسي التليد ) في نهاية أربعينيات القرن الماضي ، وخمسينياته ، والدور المباشر لمعهد الفنون الجميلة في بغداد ( 1936 ) في المجال الفني والتربوي ، فضلا ً عن عاملي الوفرة الاقتصادية والاستقرار الأمني النسبيين . إذ ْ تتوحد مصادر التجربة وروافدها ، حد التماثل ، ولكن هذا لا يلغي التفرد وطرق المعالجة ورمزيتها بأثر البيئة ومكوناتها الطبيعية والتاريخية ، فكما أثمرت الحضارات المبكرة ، منذ  دور ( جرمو ) و دور ( الصوان ) ودور ( حسونة ) ودور ( سامراء ) ودور ( حلف ) واريدو العبيد والوركاء وجمدة نصر .. فان الأساليب والمعالجات المتنوعة لفنون سومر وأكد وبابل وأشور والعصر العباسي الإسلامي ( والأخير لم تتبلور جمالياته إلا بغناه وتنوع مصادره وتفاعلها مع الحضارات المختلفة النائية والمجاورة ) الى جوار تنوع وغزارة المصادر في التجربة الحديثة أفضى الى ضرب من التجريب منح الفن تنويعات تبدو غير متجانسة أو متماسكة بتباين الأهداف والوسائل والنتائج الفنية ، ولكن رؤية هذا الاختلاف ( في المدارس والأساليب والتقنيات ) وجد  مقتربات تلملم أو توحد أو تجمع التناقضات ، في حدود إطار الخصائص المشتركة موضوعيا ً وذاتيا ً .فبعد ان ظهرت جماعة الرواد ( 1950 ) كعودة مباشرة لدراسة الواقع العراقي ، وجماعة بغداد للفن الحديث ( 1951 ) كتوازن بين استعادة الموروث  والتجارب المعاصرة ، وجماعة الانطباعيين العراقيين ( 1953 ) باستعادة العين والنظر بعيدا ً عن أقنعة الانطباعية الفرنسية ومؤثراتها .. الخ فان التجربة الكردستانية ، هي  الأخرى  ، اشتغلت بأهداف لم تغب عنها المؤثرات البيئية الاجتماعية ، والموروثات الشعبية ، والمرموزات التاريخية ، ودراما  الواقع ، وجماليات الطبيعة الغنية بثرائها اللوني والمكاني السحري .. الخ

     إنها أرضية لا يمكن تجاهلها ، أو إزاحتها ، أو خلعها حتى بوجود مؤثرات الإزاحة والاستبدال بما يمتلكه من محركات وغايات وأشكال ناضجة البناء بخطابها الحداثوي . فالأرضية ( كخلفية مرنة تندمج فيها مكوناتها ووسائلها العملية بصياغة النص الفني )    استجابت ، في إطار الاختلاف والتحدي ـ بحسب المؤرخ الانكليزي توينبي ـ لضرب من التوليف والتركيب والبنائية ؛ الأقرب الى نظام ترتيب مكونات الأثر العراقي القديم . ومفهوم البنائية ، تحديدا ً ( النسج ، الحياكة ، الرصف ، والتوليف ) له مثال رمزي خاص بأقدم دفن حدث في كردستان العراق ، حيث أسجي الراحل بوضع منتظم ، والى جواره فخاريات وزهور وطعام وقلائد . إننا نستعيد :

ــ الطبيعة : الأرض وزهورها .

ــ الدفن : الدلالة المهذبة لعادة ترجع الى مائة ألف سنة خلت .

      وإذ ْ لا امتلك إلا إعادة  تخيل ما حدث ، فان المشهد التوليفي هذا ـ كنص طقوسي بما تضمنه من معتقدات وعادات اجتماعية وسحرية ـ يمتلك تشفيراته عندما كان السيد عثمان بك يرسم النسوة اللاتي كن  يزرن موتاهن في الربيع حيث كان ، رمزيا ً ، يستعيد مشهدا ً قديما ً سيتكرر بما يمتلك من علاقات بين الإنسان والأرض ـ الأرضية ، التي ستشكل مؤثرا ً لا شعوريا ً في البنائية وفي الأداء الفني .

     ان هذه البنائية ، الراسخة في اللاشعور ، وجدت قدرة سريعة ببلورة تجارب لا تنتمي الى مدرسة أو الى تيار واحد ، ولكنها تشترك برسم حدود العلاقة مع البيئة ومكونات الذاكرة ، وفي مغزى الاستجابة للمتغيرات البصرية على صعيد الحداثة وما تركته من آثار تستجيب لها ذائقة الفنان في كردستان .

     ثمة ، ومنذ خمسينيات القرن الماضي ، وستيناته، تبلورت  تجارب فردية ، كونتها عواملها الموضوعية ـ الذاتية ،استمدت فاعليتها بمنح الفن مكانة تتجاوز التعبير المحض ، والإعلان الذاتي ، نحو مكانة الخطاب الحديث . فالتشكيل ، كالشعر ، لم يتم بمحاكاة الواقع ( حتى عندما أصبح أرضية له ) ولا بالقطيعة معه ، وإنما  بجعله علامة متحركة ، والارتقاء به الى الخطاب المعاصر . إن الذاكرة مشحونة بالكنوز ، مثل المضامين البطولية ، وباثات الطبيعة وسحرها الذي حافظ على انبثاقاته بعيدا عن التكرار والذبول . أسماء تركت مجموعات فنية لم تجد بعد من يرتبها ضمن مراحلها التاريخية . وهذه  ظاهرة عامة تنسحب على التشكيل العراقي برمته ، باستثناء من التحق ببلدان أخرى . بيد ان هذه الظاهرة ، بحد ذاتها ، تكرر لغز السؤال : ما الذي يكمن وراء الفن ، وكأنه ـ على خلاف فلسفات موت الإنسان وموت الفلسفة وموت الفن في أوربا ـ يحمل انبثاقه بقوة حياة تستكمل مقدماتها : موروثات النبع ، والقمم ، والغابات . هذه  التجارب الفردية مازالت تمتلك أثرها وتأثيراتها في الأجيال التالية ، منذ السبعينيات ، خاصة بعد ان تأسست معاهد وكليات للفنون في السليمانية واربيل . اذكر من هذه الأسماء التي غادرت محيطها الخاص: عزيز سليم بصفته تسجيليا ً ، وبدائيا ً ، اخذ يتنقل بإعماله في مختلف العواصم الأوربية .. ومحمد عارف ، بواقعيته المتنوعة وغزارة أعماله وما رافقها من ترجمات وكتابات رائدة في الفن الكردي .. أزاد شوقي بانطباعيته ورهافتها وحنينها المشبع بجماليات الطبيعة .. علي جولا بسحر واقعيته وتنوع موضوعاتها .. وفي تجارب  أنور مصطفى برواري تتداخل عناصر الطبيعة ، بجسد الإنسان . انه لا يرى في نصوصه إلا مشهدا ً دراميا ً متواصلا ً .. وأيا ً كانت الموضوعات المختارة ، للبطولة والشهادة والصمت ، فانه لم يغادر طبيعة المتضادات ، والصراع . فالنص يريد ان يتكلم ، كباث بما يمتلك من معنى ، وتوقد ، وصخب . بينما يختار محمد هاشم مجالا ً شعريا ً مشحونا ً برموز متنوعة : الأسماك والطيور والبشر ، كي يتداخل عالمه الخيالي بالواقعي ، بلا حدود وفواصل . وعند دارا محمد تتنوع التجربة ، بين الرسم والكتابة .. فهو مشغول بعالم المرئيات والأصوات بصورة متداخلة ، حتى تبدو أعماله وثيقة لتنوع الواقع ، وصخبه ، في الوقت نفسه ، لا يغادر عشقه لعالم الطفولة ، حيث ، مرة بعد مرة ، يتوحد الزمن داخل النص بمجموعة من الدلالات والعلامات والرموز . وثمة أسماء : إسماعيل خياط وقدرته المتواصلة على سبر أغوار النص التشكيلي ، وجعله ملغزا ً ومشفرا ً بالرموز والشعر والموسيقى .. هيمت محمد علي ومغامرته في تحويرات المشهد البصري حد جعله كثيفا ً ومكتفيا ً بذاته .. داره حمه سعيد واستاذيته في صياغة كلاسيكية نحتية شكلت قاعدة رصينة للنحت في كردستان يندر ان تتكرر .. نامق علي قادر ومزاوجته بين البدائي والحديث بتعبيرية تناسب دراما الصراع ومغزاه على صعيد الخطاب الجمالي المعاصر .. وثمة جيل سيستثمر تدريبات أساتذته ، وخبرته ، لاستكمال خارطة التشكيل .. وإذ يصعب ذكر جميع الأسماء ( كما كلفت بكتابة كتاب ثان ، بعد ان نشرت وزارة الثقافة في السليمانية كتابي : خمسة تشكيليين من كردستان العراق ـ  وقد وجدت الصعوبة قائمة  ، كما هي في بغداد ، بندرة المصادر ) فاذكر ، على سبيل المثال تجارب : مريوان جلال وهو يركب نصوصه ، بين الرسم والفخار والنحت ، كبنية لا تكتفي بأحد العناصر ، وإنما بدمجها ، ومنح وظائف العلامات ، أهداف الإشارة والرموز . بينما تنقل رستم اغاله ، من الواقعية الى الرمزية ، بتعبيرية لا تخلو من رصد للبيئة ، وتحولاتها ؛ ماضيها القصي ومجالها الشعري . ويعبر النحات بيان ماني بأسلوب مرير : ان كائناته تبدو أكثر واقعية بعد تحويرها ، وجعلها مرئية من الداخل .. انه امتداد لداره حمه سعيد ، ولكن ببناء شخصية لا تغادر نقد الظاهرة المعالجة ، وفضح أقنعة الخارج . وينجز قادر ميرخان خزفياته باستعادة هوية عصور ما قبل التاريخ : فخاريات يجمع الزمن داخلها ، ويوحدها في لغتها المعاصرة . انه يذكرنا بأسطورة قديمة تحكي كيف وهبت الآلهة الإنسان النفس ، فقد كان الإناء أقدم علامة للمقدس .. والخزاف ، في هذا المجال ، يمنح فنه بعدا ً جماليا ً يخلو من البذخ  ، كما يخلو من الوظيفة التقليدية للفخار .

     وعند فيصل عثمان ، تستعيد الانطباعية انبثاقها : إن الطبيعة ليست مسرحا ً للدراما ، والخراب .. وإنما ، على الضد ، تمتلك سر ديمومتها ، وامتدادها . فالعداء التعبيري يختفي ، كي يحول نصوصه الى احتفال ، ويجعل من معنى الفن ، معنى للحياة ، ولكن  ليس وسيلة إلا بصفتها غاية . فالجمال في الفن ، لا يكف يعيد صياغة الخارج ، مثلما يسهم برحلات في  فضاء الطبيعة ، وألغازها .  وعند شوان رباتي ، يغدو النحت ذكرى أزمنة قديمة ؛ ذكرى المغارات وعصور ما قبل اكتشاف النار ، والأقنعة الحديثة . إنها منحوتات تطل علينا لتراقبنا ، ولا تختفي . فالنحات لا يفلسف منحوتاته ، بل يجعلها سلاسل تطبقات لفنان ترك أصابعه تفكر ، بموازاة ذكرى متتالية في أحلامها .. وهو ما دفع عبد الحسن عبد الله ، الى فضاء الشعر . انه يبني أعماله بوحدات الطبيعة ، وقسوتها . فالتعبيرية  لها وظائفها غير الرمزية : إنها تتحدث عن أجساد تكوى ، وتروض . فالتعبيرية مازالت ترافق ، مثل العنف ، قبل ان تغدو رمزية الدافع ، واقعية في منطقها . بيد ان محمد فتاح يختار الحذف ، والاختزال ، في صياغة لوحاته : ألوان وأشكال هندسية  لا تكف عن بناء معمارها المعاصر : مدن  أحلام ، لكنها ، لا تغادر جذورها  البيئية . فهو لا يقوض شيئا ً ، كما في تجارب كثيرة ، بل يبني عناصره مقتربا ً من الفنون البصرية ، والوحدات الزخرفية .. فهو ينسج ، ويبني ، جاعلا ً من النص البصري مقتربا ً لروح الموسيقى ، والشعر . انه مولع بالاحتفال ، جاعلا ً من المرئيات علامات تكتفي بنظامها الجمالي ، بعيدا ً  عن التأويل وضروراته الفلسفية أو الأدبية .

     هذه الأسماء تكونّت بتدريبات متواصلة استندت الى مؤثرات ـ أسس ، في مقدمتها : الطبيعة .. بصفتها ـ حقا ً ـ المعلم الأول . لقد كتب الناقد الكردي كمال غمبار ، كيف امتزجت جماليات الطبيعة بدراما الداخل ، في التجربة الكردستانية . وكرس الفنان د . محمد عارف رسالته لنيل شهادة الدكتوراه حول الموضوع ذاته . ذلك لأن المنجز الفني الحديث ، وجد حضوره كاملا ً ، ليشكل صدمة بصرية وثقافية دفعت بالرعيل هذا لاختيارات مناسبة ، فكانت الطبيعة هي الأرضية ، لبناء ارتفاعات ـ عمودية وأفقية ـ فوقها . فظهرت تأثيرات الحداثة بتحويرات لمختلف الأساليب : التعبيرية ـ والتعبيرية التجريدية ، والرمزية ، تضمنت التجارب ، مع تعديلات تناسب شخصية الفنان . إننا لا نهمل مفهوم الواقعية واثر الفلسفة الاشتراكية ، بجذورها ، كعدالة ، ترجع الى احمد خاني ، ومغزى الوحدة بين العشق والبطولة والفداء . وقد ظهرت تأثيرات الواقعية الاشتراكية ، هنا وهناك ، كواقعية استمدت نسغها من مفهوم العدالة ، كغاية لا تقبل الدحض ، حتى بعد ان شكلت ما بعد الحداثة ـ والعولمة ـ أثرا ً له تنوعه المختلف في المعالجات والنتائج . لكن الواقعية في التشكيل الكردي ن لم تكتف بالمحاكاة ، والانطباع ، والتعبير ، بل اشتغلت بجعل المعنى أكثر تفاعلا ً مع موضوعات الاغتراب ، والقهر . وهي ظاهرة عالمية مكثت تنتج خطابها في مواجهة تحولات الفن الى علامات مستقلة ، أو أكثر صلة بعولمة نهاية التاريخ ـ صلة بالأثر الذي يكتم ما يريد ان يقول . فالانتماء الذاتي للفنان ، بما يتمتع به من حساسية ورهافة شعرية ، وصدق لم يصدع بأقنعة واغواءات التحديث ، وضع حلولا ً للتعامل مع الفنون ( المنجزة ) والعمل على إعادة تفكيكها ، ومعالجتها بما يناسب الأرضية وحدود الهوية ، ومقاومة الانخلاع ، وفقدان الشخصية . إن هذه البدائية السحرية ـ الأقرب الى شعر كوران وشركو بيكه س ، لا تنغلق ، ولكنها  ستمتلك بحثا ً في رصد أوراق أعالي الشجرة بعمق جذورها الغائرة في مسافات الصخور الداخلية . وهي موازنة منحت التجربة البصرية جدلية ( الظاهراتية ) بمحركاتها . فقد استلم الفنان في كردستان علامات الحداثة ، وما بعدها ، ببداهة الحلول الواقعية ، وبغريزة مهذبة بلورها عبر علاقة الفن بدراما الواقع وسحره وعبر مجاله الشعري الشفاف .

    إن صخب الجبل وصمته ، أثر عميقا ً ببلورة بداهة تفحص المرئيات ، وإعادة نسجها ، كرقعة  كونتها إيقاعات لم تفارق تراتيل العلاقة بين القلب ونبضات ما هو أكثر اتساعا ً وجلالا ً .. وهو الأثر الخفي للعزف الصوفي المختزل المصنوع من الصبر والتجلد ، حيث الطبيعة مكثت تمتلك بصرا ً كوّن بصيرة  الباثات الداخلية للفنان . وهنا تكمن تقاطعات ، لا يصعب رصدها ، بين المصّنع الذي شكل مجد الحداثة ، وما بعدها ، وبين الذي وجد نموه من الداخل ، وهو يحافظ على نظامه في البنائية ، والنسج ، والحياكة ، والتشكيل بمعناه المعاصر . فقد كان للتنصيص والتحوير والتوليف والتركيب علاقة ، سبق ان درسها الفنان ، واستمدها ، من  طبقات ما تحت الأرض ، وحفرها عميقا ً في مخفيات ذاكرته الجمعية . فلم يكن الفنان في كردستان اقل إدراكا ًمن فنون تضافرت فيها حداثات سبقت الحداثة الغربية بآلاف السنين ؛ فقد أظهرت حفريات الآثار ذلك ، وكشفت عن أنظمة حضارية ولدت النصوص البنائية في موروثاته التي اشرنا إليها .  

     ثمة اثر آخر ، انضج التجربة ، وجعلها أكثر دينامية . فالدراسة في معهد الفنون الجميلة ـ وأكاديمية  الفنون ـ في بغداد ، لحقت بها دراسات في أوربا ، الغربية والشرقية ، أسهمت بمنح التجريب علاقة لا تنفصل عن الأرضية ، والعمل بـ [ إنبات ] علامات ورموز ـ عبر التشفيرات التشكيلية ـ داخل بنية النصوص في انفتاحها . فالتوليد ، الذي ترجع أصوله الى ما تحت الوعي ـ منذ كانت الصورة تؤدي دور الحروف ا اخذ سلطته كإضافة ، وحذف ، وإنشاء . فلم يشكل الاستنساخ ، أو محاكاة ما هو ناجز ، ومتكامل ، إلا وثبة لبناء لغة  تشترك فيها محركاتها ، لتشكل نصوص دينامية تستمد قدرتها من أصول دينامية الذاكرة ـ المخيلة . كما أسهمت المشاركات في المعارض الخارجية ، خلال العقد الأخير من القرن العشرين ، بمنح هذا الخطاب أفاق تتجاوز التداول المحلي . وهنا ، لا يمكن للانغلاق ، وللمحلية ( في إطار الهوية ) إلا ان يتداخل باتساع جغرافية الخطاب ، حيث غدت الخصوصية امتيازا ً ، أمام التيارات الكبرى . فالدخول في طبقات اللاوعي ، والحفر في المناطق غير المكتشفة ، منح الفنان لغته البصرية المقترنة بمحركاتها .

     فلم يكن الفنان ينتظر الكثير خارج التوازن بين الذاكرة والعصر ، مع ان أساليب الحداثة ، لم تنبت ، بل وفدت بأشكالها ، وأساليبها المختلفة ، ووجدت مستقرا ً كباقي ( العلامات ) ، خارج أرضيتها ، ولكن ، ضمن عصر ( الاستهلاك )  . إن الفنان الكردي ، طوال نصف القرن الأخير ، بمكونات تجربته ، وخبرته ، لم يكن خارج إشكالية ( الإنبات ) ومأزق الاصالة ـ الحداثة . فالمتحول الخارجي ، البصري ، مع المتغيرات الكبرى اليومية ، في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، له أثره في تحولات المعالجات : الاستبدال ، والشروع ببناء عادات فنية تجاور طبيعة الصراع ، والمتحولات .

     وهنا ، في امتداد الرقعة الكردستانية ، وفي حدود مأزقها التاريخي ، ليس لديها الكثير الذي تفعله : شحة المصادر ، وندرة الخامات ، وموسمية الفن ، وغياب الوسط الفني ـ الثقافي المناسب ( مقارنة بما تنقله الفضائيات عما يجري في العالم ) وانعدام المتابعة ( فكم دراسة صدرت طوال الخمسين سنة ؟ ) حد الصفر ، وغياب الاحتكاك .. الخ دفعت بالمسافة ، بين الفنان ، ووسطه ، الى الاتساع .. إنها ظاهرة أسيوية ، ستجد ، بالتكيف ، ديمومتها بالاستحالة الى خطاب يقاوم عوامله السلبية . فظهور عشرات الأسماء الجديدة ، خلال العقد الأخير ، مثال يكرر عناد الوردة التي لا تحفر جذورها  إلا في أكثر الصخور صلابة !  فقد شاهدت ، ضمن نشاط قامت به جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين عام 2000 ـ المركز العام ، وتحت عنوان اخترته أنا ( خطاب الأمل ) وكتبت مقدمته بإشارة وجدتها تضعنا ، في اربيل والسليمانية ، أمام مفاجآت لا تسمح للمتابع إلا ان يذهب عميقا ً في استيعاب دروس ( دينامية ) التوليد وعناده . فثمة ، الى جوار المواهب ، اهتمامات ببناء محترفات ، وقاعات ، ومعاهد ، وإغراء متواصل بجذب أساتذة للعمل في كردستان ، وإقامة فعاليات مشتركة .. الخ انها دينامية لم تحمها البيئة ،و ( الطبيعة الخلابة ) ، ولا مكونات الشخصية بما تمتلكه من مثابرة بفهم اشتغال عصرنا وتحولاته فحسب ، وإنما الارتقاء بالفن ، لا كسطح تجمع فوقه السطوح ، ولا كمسافة تزدحم داخلها الحروف والإشارات والتحويرات والرموز ، بل باستيعاب دروس ( المعنى ) الكامن في المعنى الفني غير المنغلق . وقد لا تشذ تجارب الفنان في كردستان ، عن سواها ، في التكرار ، وفي استعادة أنظمة تتوازن مع الذائقة ، وتجارب أخرى تقليدية ، ولكنها ، بتنوعها ، مكثت تتبع نظام ( الينبوع ) ووردة الجبل . فالنص يقاوم اغترابه ، مع انه لا يغفل المجال الانطلوجي ، كما لا يغفل إجراء المقارنات مع تجارب الماضي ، أو التجارب المعاصرة . فهناك ذلك الاشتغال بجعل الفن أكثر صلة بالنسج ، والبناء . فالفنان يعمل بخلق وحدة اتصالية بين الذات ومكوناتها من جهة ، وذاتيته الفنية داخل النص الفني من جهة ثانية . فالعلاقة تقارن بالوجود المحيطي ، لا بأوهام الحداثات ،مع ان الأخيرة ، لا تكف تؤدي دورها ، وأثرها . فالمبدعون لا يحتفلون بإقامة أنصابهم للذكرى ، بل بالضد من القطيعة ، بجعل الذاكرة تتعاقب ، وهي تعمل عمل إرادتها : المخيلة بما يضبطها من انفتاح ، وأمل ، وبما تمتلكه من وثبات فعالة ، تؤسس ريادتها ولا ترتد أو تبقى خارج الحدود .  

Ak47882@yahoo.com