البصرة: هل هو ثمن الحرية؟!
المستقبل - الثلاثاء 25 كانون الأول 2007 - العدد 2830 -
عبد الحسين شعبان(*)
تسلمت القوات العراقية المسؤوليات الأمنية في محافظة البصرة من القوات البريطانية التي انسحبت إلى خارج المدينة واستقرت قرب المطار، وأعلنت القوات البريطانية أنها ستقلّص عدد أفرادها من 4700 جندي إلى 2500 في فصل الربيع القادم 2008.
جدير بالذكر
ان البصرة
كانت من حصة
القوات البريطانية
بعد احتلال
العراق في 9
نيسان عام 2003، حيث
سيطر عليها ما
يقارب 7000 جندي
بريطاني، لكن الحكومة
البريطانية
اضطرت لاحقاً
إلى سحب عدد
منهم بعد
مطالبات من
جانب الرأي
العام البريطاني.
منذ اليوم
الأول
للاحتلال
دخلت البصرة
في صراع
اقليمي
وداخلي مخيف،
ناهيكم عن
تنامي المقاومة
السلمية
والمسلحة،
وأصبحت إحدى
أكثر البؤر
السياسية
الساخنة في
العراق
وحقلاً خصباً
يعجّ بكل
المتناقضات
التي تغذي
التناحر
السياسي بين
كيانات
مختلفة
تتنافس للهيمنة
عليها،
وخصوصاً بعد
تراجع
وانكفاء
القوات
البريطانية.
وتكلّفت
القوات
البريطانية
منذ احتلال
العراق 174
قتيلاً
والآلاف من
الجرحى
والمرضى نفسياً،
ولم تستطع رغم
محاولاتها
الظهور بمظهر معرفة
الشؤون
العراقية
تاريخياً قياساً
للقوات
الاميركية،
ضبط الأمن
وحفظ النظام
وحماية أرواح
وممتلكات
المواطنين،
ناهيكم عن عدم
قدرتها في
حماية الحدود
ومنع التسلل
والتدخل
بالشؤون
العراقية في
المناطق التي
تقع ضمن
سيطرتها،
الأمر الذي
عاظم من كراهية
العراقيين
والجنوبيين
بمن فيهم
البصريين تحديداً
للوجود
العسكري
البريطاني في
العراق، مذكّراً
إياهم
بالاحتلال
البريطاني 1914 ـ
1918 وبشروط الانتداب
1920 ومن ثم
اندلاع ثورة
العشرين في 30
حزيران 1920 وما
بعد
بالاتفاقيات
العسكرية
والاقتصادية
والسياسية
البريطانية ـ
العراقية.
أما على
الصعيد
البريطاني
فقد كان فشل
السياسة
البريطانية
في العراق
سبباً في انحسار
شعبية حزب
العمال
البريطاني
الأمر الذي
أدى إلى إطاحة
رئيس الوزراء
السابق توني بلير،
واضطرار لندن
إلى سحب عدد
من قواتها المسلحة
من العراق في
شباط 2007.
تعتبر البصرة
التي كانت
تدعى ثغر
العراق الباسم
من أكثر المدن
العراقية
انفتاحاً
وتنوّعاً
وتسامحاً ومدنية
الاّ أنها منذ
أكثر من ربع
قرن أصبحت من
أكثر المدن
المنكوبة،
فضلاً عن أن
محاولات جارية
منذ الاحتلال
ولحد اليوم
لتطهيرها دينياً
ومذهبياً
ونشر ثقافة
العنف
والقسوة والإرهاب
والتجهيل
والإكراه.
وتعرّضت
البصرة
للتدمير طيلة
ثماني سنوات
حيث كانت
هدفاً للقصف
الإيراني
خلال الحرب
العراقية ـ
الإيرانية 1980 ـ
1988 وفي فترة غزو
الكويت 1990 وما
بعدها حرب
قوات التحالف
واضطرار
القوات
العراقية
للانسحاب، وقسوة
لا نظير لها،
وخلال فترة
الحصار عاشت
ظروفاً لا تقل
قسوة عن فترة
الحرب العراقية
ـ الإيرانية،
تلك التي
ازدادت قتامة
وبؤساً أيام
الاحتلال حيث
هاجمتها
القوات المحتلة
وشهدت معارك
كبرى في ميناء
أم قصر ذكّرت
بمعارك الفاو.
وفي فترة
الاحتلال
عانت البصرة
المتعايشة تاريخياً
من عمليات
تطهير ضد
المسيحيين
لإلغاء
التنوّع
والتعددية
التي كانت
إحدى مزاياها وامتيازاتها
في محاولة
للتسيّد وفرض
الهيمنة، بل
إنها عرفت
موجة دينية
متزمتة
ومنفلتة من
عقالها لبست
ثوباً
طائفياً
ونفوذاً خارجياً
"إيرانياً"
لمساعدة قوى
طائفية
عراقية، حيث
عانت المرأة
مرارة التسلط
بعد محنة الترمل
والتيتّم
والتثكّل
بسبب محاولات
تغيير العادات
والسعي
لتغيير معالم
المدينة
التسامحية بالقوة
والإكراه، في
سعي لفرض نوع
من التعصب الطائفي
والغلو
المذهبي
والتطرف
الاجتماعي،
الأمر الذي
أدى إلى قتل
وتهجير
الآلاف من المواطنين
العراقيين.
وخلال الاشهر
الثلاثة
الفائتة قتلت
48 امرأة بعضهن
قتلن مع
عوائلهن
(أطفال وشيوخ)
والسبب
المعلن هو عدم
التقيّد
"بشروط الدين"
حسب هوى
الجماعات
المتعصبة
والمتطرفة كالملبس
والسلوك أو
غير ذلك.
وتشهد
المدينة
حالياً
صراعاً
طائفياً "شيعياً
ـ شيعياً" بين
ثلاثة أجنحة
وجماعات: جماعة
السيد مقتدى
الصدر وجماعة
المجلس
الاسلامي
الأعلى
بقيادة السيد
عبدالعزيز
الحكيم وجناح
حزب الفضيلة الاسلامي
الذي تأسس بعد
الاحتلال،
كما تعرّضت
لأكبر عمليات
نصب واحتيال
تاريخيين منذ
ما يزيد عن
أربع سنوات
لسرقة النفط
العراقي، حيث
يحصل
السارقون
شهرياً على ما
يزيد عن 400 ألف برميل،
تباع بأسعار
باهظة في
السوق
السوداء في الخليج
العربي أو في
الداخل
العراقي،
ناهيكم عن أن
النفط ظلّ
يباع طيلة
أربعة أعوام
بدون عدادات.
ليس النساء
وحدهن عرضة
للقتل أو
التنكيل بما فيها
إجبار
المسيحيات
على ارتداء
الحجاب، بل إن
بعض المهن جرى
تحريمها حتى
وإن كان
يتعاطاها
المسيحيون
وتعرّض
العديد من الحلاقين
إلى القتل
فضلاً عن بيع
أشرطة الأغاني
والفيديو،
واعتُدي على
عدد من الطلاب
والطالبات
بسبب
الاختلاط،
والأكثر من
ذلك أن المليشيات
المتسيّدة
عرّضت
الاقلية
السنية والمسيحية
والتكوينات
الأخرى للقتل
ولم يستطع
البريطانيون
السيطرة على
مقاليد
الأمور وضبط
الأمن، وتجري
اليوم
استقطابات
حادة للفرق
المتصارعة
لإخضاع
المدينة وفرض
نفوذها،
خصوصاً باستغلال
مواقعها
الرسمية.
خلال الحرب
العالمية
الأولى قيل:
من يسيطر على
النفط يحكم
العالم،
فبواسطته
تسيّر العربات
والمركبات،
وتمخر البواخر
والغواصات
عباب البحر
وتحلّق
الطائرات في
السماوات،
ولم تكن آنذاك
الحاجة للنفط
ملحّة وحيوية
وأساسية كما
هي عليه
اليوم، لكنّ استشرافاً
مستقبلياً هو
الذي حكم ذلك
المشهد وتلك
الرؤية،
ولهذا قد يصحّ
القول: إن من
يضع يده على
البصرة يضع
يده على
النفط، ومن
يستحوذ على
النفط يضع يده
على البصرة
مفتاح الخليج!
(*) كاتب وحقوقي
عراقي