المجتمع المدني العربي!
هل هو قوة ثالثة؟!!
الدكتور عبد الحسين شعبان*
كاتب ومفكر عربي
تبرز أهمية دراسة موضوع المجتمع المدني من زاوية علم الاجتماع السياسي(1) ، خصوصاً وإن تداول المفهوم على المستوى الفكري أو السياسي أو الاجتماعي وفي إطار مقاربة عربية، قد بدأ منذ نحو ثلاثة عقود من الزمان، وبخاصة في بلدان المغرب العربي وفيما بعد في بلدان المشرق العربي ، في محاولة لتناول مستجدات الفكر العالمي الحديث والمعاصر، الأمر الذي يحتاج الى تجاوز بعض العوائق، التي تصاحب عادة نقل وتبيئة المفاهيم وتوطينها من خلال دراسة الـواقع وتطوره في سياقه التاريخي الدولي والـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمحلي.
أما الزاوية الاخرى التي تعطي أهمية جديدة للموضوع، فهي تتعلق بالتحولات الديمقراطية التي شهدها العالم منذ أواخر الثمانينات، وخصوصاً في دول أوروبا الشرقية، وانعكاس ذلك على البلدان النامية ذات الانظمة الشمولية أو المستبّدة أو المنغلقة والمحافظة، ومنها بلداننا العربية. ولعل شيوع فكرة الاصلاح وما رافقه من مشاريع دولية، فضلاً عن حراك سياسي واجتماعي في إطار العديد من البلدان العربية وعلى المستوى العالمي، قد جعل موضوع المجتمع المدني يستحق اهتماماً متزايداً، لإحداث نوع ٍ من الانتقال أو للشروع بشكل من أشكال التغيير، توسيعاً وتعميقاً لدائرة المشاركة وحق تأسيس الجمعيات والإتحادات والمنظمات المدنية، المهنية والنقابية.
الأمر الآخر هو المحاولات التي تبذلها قوى دولية وإقليمية محلية حكومية وغير حكومية للاستحواذ على المجتمع المدني وتوجيهه الوجهة التي تخدم أغراضها السياسية ومشاريعها وبرامجها العقائدية، سواءًا كانت قوى دينية أو مذهبية، ثورية أو محافظة، بالتوافق مع الاجندة الخارجية أو بدونها، من خلال تقديم صورة غير واقعية عن المجتمع المدني سلباً أو ايجاباً، مما يستوجب فصل الخيط الأبيض عن الخيط الأسود برسم لوحة واقعية عن المجتمع المدني، بما له وما عليه وفي إطار النقد والنقد الذاتي، فهو مثل غيره من الفاعليات والانشطة السياسية والمهنية والاجتماعية، يتعرض للتشويه وتجري محاولات حثيثة وأحياناً من جهات متنافرة للنيل منه، فأصحاب المذهب الشمولي في السلطة وخارجها، يناصبونه العداء، ويقللون شأنه كما يحاولون التشكيك بدوره أو حتى يسعون الى طعنه، إما باعتباره تابعاً الى هذه الجهة أو تلك أو جزءًا من مشروع خارجي يتغلّف في إطار مدني وحقوقي، مما إستوجب الوقوف عنده لإجلاء حقيقة ألوانه وفرزها، وبالتالي جعله في مساره التاريخي. ويتساوى في الموقف من المجتمع المدني السلطات المستبدة " الثوروية" والمحافظة ومعارضاتها أحياناً، حتى ليغدو الأمر وكأنهم يرضعون من ثدي واحد.
إن دراسة المجتمع المدني لا يمكن أن تكون بمعزل عن الدولة وتطورها ودستورها وقوانينها، خصوصاً لما تمثلّه من علاقة جدلية مع المجتمع، فكلاهما يرتبط بدرجة التحديث السياسي الاقتصااجتماعي، إذ أن ظهور الدولة ونشأتها، بالمعنى الحديث، وتضخّم أجهزتها الإدارية وتعدد مسؤولياتها وتنوّع بيروقراطيتها، قد ترك تأثيره على المجتمع المدني، ففي العديد من البلدان النامية ومنها البلدان العربية تقلّص دور المجتمع المدني طردياً مع اتساع الأجهزة الأمنية ومع إزدياد مركزية الدولة وعسكريتاريتها، خصوصاً في ظل محاولات الاحتواء أو الإغراء أو الإفساد أو توظيف مؤسسات المجتمع المدني لإغراض سياسية أو حزبية أو دينية أو طائفية ضيّقة(2).
إن البحث في مفهوم المجتمع المدني وتاريخه يتطلب دراسة بعض المحددات السياسية والاجتماعية والإقتصادية لنشأته وتطوره في إطار الدولة الحديثة، وذلك بملامسة العام والخاص في الآن ذاته، لفهم السياق التاريخي من جهة ولتدعيم فهم دراسة المجتمع والدولة من جهة أخرى، خصوصاً وأن مفهوم المجتمع المدني يشتبك مع تخصصات عديدة من علم السياسة الى علم الاجتماع الى علم القانون الى علم الفلسفة الى علم الاقتصاد والى علم الادارة...الخ وذلك بالحديث عن وظيفة ودور الدولة والمجتمع وخصائصهما وطبيعتهما.
الصورة الاولى
إذا كانت الصورة الاولى لمفهوم المجتمع المدني قد تبلورت في اطار نظرية العقد الاجتماعي، بهدف التحلّل من الهيمنة الدينية على المجتمع وبالضد من نظرية الحق الالهي، فهي أقرب الى فكرة اتفاق في اطار المجتمع وبين أفراده لتأسيس السلطة، بمعيار دنيوي مدني، أي أرضي وليس إلهي.
إذاً دخلت فكرة المجتمع المدني الى الفلسفة السياسية، كتعبير عن وجود علاقة بين المجتمع والسياسة، وذلك من خلال الصراع بين فكرة " الحق الطبيعي" وبعدها فكرة " العقد الاجتماعي"، وفي اللحظة التي اعتبرت فيه الدولة قائمة على العقد، وان المجتمع سابق عليها وقادر على تنظيم نفسه بمعزل عنها، بل هو يشكل شرعيتها، كانت نهاية لنظرية "الملكية المطلقة".
ثم تعمّق المفهوم ليتخذ بُعداً جديداً في اطار نمو المجتمع الرأسمالي وتطور مؤسساته، انطلاقاً من امكانية ان تلعب مؤسسات المجتمع المدني، التي ينشئها الافراد، إعادة صياغة المجتمع، اي قيام علاقة توسطية لتنظيمات المجتمع المدني غير مباشرة بينها وبين الدولة (3).
يمكن القول انه ساد الفكر الاشتراكي تذبذباً بشأن مفهوم المجتمع المدني، بحيث إعتبر قائما ما دامت الدولة قائمة، ولمّا كان المشروع الماركسي يهدف الى ذوبان الدولة في المجتمع، فإن الأمر سيؤدي الى اندثار المجتمع المدني التوأم السياسي للدولة، ولكن الامر التطبيقي أدّى الى دمج وإلحاق المجتمع المدني بالدولة الاشتراكية الشرق اوروبية والآسيوية، ذات الطبعة الاستبدادية وفرعها دولة التحرر الــوطني.
وعلى الجهة الأخرى جعل الفكر الليبرالي ثلاثية: الدولة، المواطن والسوق متلازمة، فالمواطن والسوق حيّز عام وليس الدولة، وكل ما هو ليس حيّزاً عاماً هو حيّز خاص. والمجتمع المدني خارج الدولة قائم على إقتصاد السوق، ثم أصبح يرتبط بتوسيع حقوق المواطنة خارج الدولة (4).
إذاً لا يمكن تصوّر دولة دون مجتمع، كما لا يمكن تصور مجتمع دون دولة، أي قوانين وأنظمة ومؤسسات لحفظ النظام والامن وحماية ارواح وممتلكات المواطنين.
من خصائص المجتمع المدني هو انه مجتمع متعدد وتعددي، وهو يعني التنوع والاختلاف، بل والصراع أحياناً، رغم قيامه على تضامنات جزئية، ولعل ذلك أحد مصادر نمو السياسة ومبرر وجودها، والتعدد والاختلاف هو مصدر حركة وإغناء وتطوير، وعكسه هو السكون والثبات وعدم التطور.
يقصر البعض تعريف المجتمع المدني على التنظيمات والتجمّعات المتنوعة للفاعليات والانشطة المهنية، مثل: (النقابات، المؤسسات الثقافية، الجمعيات المهنية، منظمات حقوق الانسان، المرأة، الطفل، البيئة، الصحة...الخ)، والبعض الآخر يمدّه ليصل الى الاحزاب السياسية وتنظيماتها، في حين ان بعضاً آخر يعتبر هذه الاحزاب تستهدف الوصول الى السلطة، وتالياً كيف ستكون أحزاباً حاكمة ضمن إطار المجتمع المدني؟
ولهذا فهو يستبعدها، وذلك لأن وظيفة المجتمع المدني رقابية، رصدية، اقتراحية، اجتماعية، وليست الوصول الى السلطة في حين يحاول البعض الآخر التوفيق بين قبول ورفض الاحزاب، فهو يستبعدها من دائرة المجتمع المدني، فيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــما اذا
وصلت الى السلطة، ويقبلها حين تكون خارج السلطة، ولعل في ذلك عودة للفكرة التي تحدث عنها فلاسفة القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، بخصوص التمييز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي.
إن سبب التمييز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، أن الاخير يسعى للهيمنة على المجتمع المدني سواءًا لعناصره الفردية أو الجماعية، محاولاً التأثير على واقعه ومستقبله أكانت سلطات حاكمة أو احزاباً معارضة، ولهذا السبب فإن غالبية دعاة المجتمع المدني، لا يعتبرون المفهوم يشمل الأحزاب السياسية، لأنهم معنّيون بالأهالي، في حين أن الاحزاب معنية بالسلطة.
ومثلما يميّز البعض بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، يميّز أيضاً بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، فالاخير مصطلح سبق انتشار مصطلح المجتمع المدني، وهو حسب المطران غريغور حداد " كان ولا يزال يشتمل على الأسر والعائلات والعشائر والقبائل والاعراف، التي تستند اليها أو تنبع منها، وكان غالباً ما تستوحيها في المذاهب الدينية وعاداتها ... أما المجتمع المدني فيشتمل على المؤسسات الطوعية التي تعبّر عن إرادة الناس ومصالحهم ..." (5)
المجتمع المدني إذاً هو تعبير طوعي عن إرادة الناس الحرة ( قطاعات متعددة)، أما المجتمع الاهلي فهو عفوي وطبيعي وتلقائي بحكم الانتماء العائلي أو العشائري أو القبلي أو الجهوي أو غيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر ذلك.
ومثلما هناك فروق بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي والمجتمع الاهلي، فهناك فروق بينه وبين المجتمع الديني، فالاول هو جهد طوعي في الفضاء العام من جانب مجموعة متفاعلة لديها مصالح مشتركة، أما المجتمع الديني ففيه تراتبية سلطوية أبعد من حدود الاختيار أحياناً.
مراحل تطور المجتمع المدني
يمكن القول أن المجتمع المدني مرّ بأربع مراحل:
الاولى – وتبدأ من القرن الثامن عشر والتاسع عشر: أي مرحلة التأسيس والانطلاق، وهي مرحلة ازدهار الفكر الليبرالي وبدايات انطلاقة الفكر الاشتراكي.
الثانية- ويمكن وصفها بمرحلة الذبول، وشملت نهايات القرن التاسع عشر والقرن العشرين، حتى الثلث الأخير منه، مع مرحلة وسيطة ما بين الحربين العالميتين، حيث شهدت انقسام العالم الى معسكرين: راسمالي إشتراكي مع تراجع دور المجتمع لصالح دور الدولة.
الثالثة- وهي تشمل مرحلة أواسط القرن العشرين وبخاصة بعد تطويرات وإضاءات غرامشي: وتمثّل هذه الفترة مرحلة الانتعاش والعودة الجديدة، خصوصاً بإتساع وتعمق المفهوم، والدور الذي لعبته الامم المتحدة على صعيد تشجيع مؤسسات المجتمع المدني منذ تأسيسها عام 1945 في مؤتمر سان فرانسيسكو.
الرابعة- هي المرحلة التي بدأت قبيل نهاية الحرب الباردة وخصوصاً في فترة الوفاق الدولي في اواخر السبعينات وبداية الثمانينات، والتي توّجت في أواسط الثمانينات وما بعدها وبخاصة في التسعينات، وذلك بعد انتهاء نظام القطبية الثنائية وتحوّل الصراع الآيديولوجي العالمي من شكل الى شكل آخر، مع بروز قوة دولية مؤثرة ومهيمنة على العلاقات الدولية، ومؤشر صعود فكرة المجتمع المدني هو تمرد نقابة تضامن البولونية وبعض الانشطة والتحركات ضد وحدانية الحزب والدولة البيروقراطية الاشتراكية.
كانت العودة الجديدة لفكرة المجتمع المدني قد تبلورت بعد تمرده ضد الدولة الاشتراكية، وبخاصة " حركة تضامن" العمالية في بولونيا (عمال ومثقفون) في نهاية السبعينات، ثم أحداث أوروبا الشرقية وإنهيار جدار برلين 1989، أي تمرد المجتمع ضد وحدانية الحزب والدولة!(6)
في سياق الحرب الباردة والاستقطاب الثنائي العالمي وسباق التسلح، غالت الدول بأهمية الأمن القومي، وازدادت سلطاتها وإتّسع مجالها على حساب المجتمع المدني، سواءًا في الشرق أو في الغرب، اضافة الى البلدان النامية أو ما يطلق عليه " العالم الثالث". وقد برز خطاب المجتمع المدني في مطلع الثمانينات وبخاصة في دول أمريكا اللاتينية وفي أوروبا الشرقية فيما بعد، حيث شهدت بعض المؤسسات نمواً كبيراً، وبدأ خطاب المجتمع المدني في العالم العربي حذراً ومتردداً بل تم النظر اليه بإرتياب أحياناً.
الأصول الفلسفية
يمكن القول أن مفهوم المجتمع المدني يستمد أصوله من فلسفتين مختلفتين هما: الليبرالية والماركسية، لكن هناك مشتركات للمنظورين، فكلاهما يعتقد بوجود تمايز بين الدولة والمجتمع، فالليبرالية تعتقد انه ينبغي على الدولة أن تبقى حيادية، إزاء الجماعات الاجتماعية المختلفة، وهي تتجاوب مع الارادة العامة من خلال الانتخابات، وبالتالي فهي حَكَمٌ يفصل بين المصالح المتضاربة والمتنافسة للجماعات الـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمختلفة.
مثل هذا المفهوم لقي رفضاً في البلدان النامية، ومنها عالمنا العربي، وبخاصة خلال " مرحلة التحرر الوطني" في الستينات، تأثراً بالنموذج الاشتراكي "الماركسي"، لكنه عاد كخيار للتحول من مجتمع تقليدي استبدادي أو " اشتراكي" شمولي، الى مجتمع يتجه نحو الديمقراطية والتعددية في اطار إقتصاد السوق، خصوصاً في البلدان التي حاولت تقليد النموذج " الاصل" بنماذج " فرعية" ترافقت فيها القسوة والتسلط مع التخلّف.
إن الاقتراب أو الابتعاد من الحرية، هو الذي يعطي صفة الحركية أو الركود للمجتمع، فحيث تتمتع المجتمعات بالحرية، نجد منظمات مدنية طوعية حرة، نقابية او حزبية ضاغطة، والعكس صحيح فالابتعاد عن الحرية يجعل المجتمعات المدنية سكونية أو راكدة، وتعتبر الحرية من القيم الأساسية بالنسبة للمجتمع المدني مثلما هي استقلاليته عن السلطات، والأكثر من ذلك، فهي ضمانة لفاعليته. وتبقى العلاقة جدلية بين المجتمع المدني والحكومة، فكلّما كان المجتمع المدني قوياً ومؤثراً ازدادت امكانيته للاحتجاج والاقتراح والدعوة للاصلاح والتغيير، والمسألة طردية أي أن استجابة الحكومة ستكون أكبر والعكس صحيح! وحسب روسو، فالحرية هي تأمين الامكانية لكل انسان في أن يحصل على سعادته بطريقته الخاصة، وبحماية من الارادة العامة وقوانينها.
لا بد من الاشارة هنا الى أن فكرة المجتمع المدني، ولدت ومعها مشكلتها، خصوصاً علاقته بالسياسة، ولعل أهمية ذلك تكمن في أن حل التناقضات بين الجماعات يأتي من خلال الضغط السلمي، التراكمي، التدرجي، وليس بالسعي للاستحواذ على السلطة وقهر الآخر، مثلما هي وظيفة كل حزب سياسي يسعى للوصول الى السلطة.
إن شرعية وجود المجتمع المدني مهمة من حيث وظيفتها الاعتراضية السلمية، ذلك أن توسّع فكرة المجتمع المدني، فتح باباً لدخول شركاء جدد في الحياة العامة لا يشكّلون خطراً على الأنظمة القائمة، لكنهم يرصدون ويراقبون ويحتجون ويعترضون ويقترحون بدائل عما هو قائم، لدرجة ان بعض أطراف الحكومات أو أقطابها أحياناً تراه يصفق لهم بحرارة في فنادق الدرجة الاولى، لأن الأمر بتراكمه أنشأ فهماً مشتركاً وإن لم يتبلور بعد، من أن المجتمع المدني هو موّجه في إطار ما هو قائم، ولا يريد التدخل بالسياسة أو إحداث تغييرات بالقوة، لكنه لا يلين بالدعوة الى الاصلاح والتغيير، ويعتقد البعض إن دوره أقرب الى دور الهيئات الأهلية في المجالات التطوعية، من أعمال خيرية وتربوية ومهنية ونقابية وغير ذلك (7).
مسار كوني!
أما بخصوص فكرة وجود مجتمع مدني عربي، فهناك من يشكّك بوجوده، وإن وجِدَ فهو غير قادر على فرض ارادته او رغباته او تأثيراته على قرارات الدولة، كما هي حالة اوروبا الغربية والشرقية، او حالة بعض اقطار شرق آسيا أو امريكا اللاتينية، بمعنى آخر حسب قول الدكتور باقر النجار " من الصعب ان تجد مجتمعاً مدنياً في المنطقة العربية مستقلاً عن الدولة وقادراً بالتأثير عليها "، ولكنه يقبل بفكرة وجود منظمات غير حكومية أهلية مستقلة عن الدولة في بعض البلدان العربية مثل: مصر، المغرب، لبنان، الكويت والبحرين، في حين إن الأقطار الاخرى لا تبدو فيها هذه المنظمات موجودة وإن كان الامر بدرجات متفاوتة(8).
إن الهدف من مناقشة مفهوم المجتمع المدني هو إخراج المصطلح من التأييد والرضى واليقينية حد التقديس عند البعض، ومن السخط والتنديد والاتهام حد التدنيس عند البعض الآخر، وتحويله الى أمر تاريخي- اجتماعي ديناميكي ومتحرك، يمثل الطاقة الكامنة لدى فئات اجتماعية ومهنية واسعة للاسهام في صنع المستقبل السياسي والمشاركة في رسم السياسات من خلال نقد الخطاب السائد بين السلطة والمعارضة أحياناً، عبر حقل ثالث، يمثل خياراً مجتمعياً لتفعيل المشاركة وضمان الحقوق الانسانية وتأمين الحريات العامة والخاصة.
إن الاصوات العربية التي نددت بأطروحة المجتمع المدني الجديدة، لم تنطلق جميعها من رؤية واحدة، فالبعض اعتبرها تقليعة مستوردة أو مشبوهة خصوصاً من جانب الحكومات أو الجماعات التقليدية والمحافظة، ونظر اليها البعض الآخر من زاوية اقترابها او ابتعادها من الصراع مع القوى المهيمنة على المستوى الدولي خصوصاً استغلال بعض التوجهات الانحيازية أو هكذا يتم تفسيرها أحياناً لبعض النشطاء في المجتمع الى الغرب أو تبنّي بعض أطروحاته، استرضاءًا له كما يعتقد أصحاب هذا الاتجاه، أو للحصول على التمويل أو مكاسب سياسية!!
وهناك اتجاهاً نقدياً للمجتمع المدني من داخله أحياناً من زاوية ديمقراطية وتنويرية وليس بهدف الاساءة أو التشهير، وهذا الاتجاه يرى أن المجتمع المدني ضرورة لا غنى عنها وحاجة ماسّة، لا يمكن إحداث التحول والاصلاح الديمقراطي بدونها، بما يستوجب دعم مؤسساته والترخيص لها قانونياً، الاّ أنه ينتقد بعض ممارساتها وتوجّهاتها وتشبّث بعض قياداتها بمواقعها وضعف المأسسة والفردانية أحياناً، ناهيكم عن بعض أساليبها البيروقراطية واللاديمقراطية.
يمكنني القول أن المجتمع المدني العربي ما زال ناشئاً وهو حديث التكوين، وفي بعض البلدان جنينياً أو أن هناك انقطاعاً قسرياً قد حدث فيه وعطّل من دوره كما هي التجربة العراقية، سواءًا قبل الاحتلال او بعده، وهناك تداخلات كثيرة عليه، بل وإتهامات جاهزة ضده، لكنه أخذ تدريجياً يتطور ويؤثر، خصوصاً وأن طائفة من الاحتجاجات حتى في البلدان المغلقة والمحافظة أخذت طريقها الى التبلور، ولقيت إهتماماً دولياً حتى وإن كان ذلك له علاقة بأجندة بعض القوى الكبرى الخاصة، لكن الأمر ينمّ عن إرهاصات بدأت تتأسس وتترك تأثيراتها، وإنْ كانت محدودة على مسار نقد الدولة والممارسات الحكومية، ومطالباتها بالاصلاح الدستوري والقانوني والاجتماعي وحق المشاركة وتأسيس الجمعيات والنقابات والاحزاب وحقوق المرأة وغير ذلك.
ولعلّ هذا الامر هو جزء من مسار كوني ومن تطور أممي لا يمكن للبلدان العربية أن تعزل نفسها عنه، وكأنها جزر نائية غير معنية بالتطور الدولي، الأمر الذي يفرض على الحكومات مواكبة هذا التطور والسماح لمؤسسات المجتمع المدني، من العمل، وإن كان الأمر قد حصل في بعض البلدان العربية مثل المغرب والاردن ولبنان واليمن والبحرين والكويت ومصر والجزائر وقطر(بدايات محدودة) والعراق وفلسطين (رغم ظروف الاحتلال والارهاب) وغيرها، وذلك في سياق قراءة تستجيب لبعض متطلبات التطور الدولي!!
إن الوقوف بوجه التيار، يعني أن رياح التغيير ستكون عاصفة وربما مدمّرة وستصيب الجميع، ولن يقف أمامها التشبث بالسيادة أو عدم التدخل بالشؤون الداخلية، تلك الحجج التي تتذرع بها الحكومات للاستفراد بشعوبها، في حين أن ضرورات التطور تقتضي إطلاق الحريات وإجراء إصلاحات واحترام حقوق الانسان، كضمانات لحماية السيادة ومنع التدخلات الاجنبية والحيلولة دون تعرض بلداننا وشعوبنا للاحتلال والعدوان والانتهاكات الخارجية.
لقد وقفت غالبية الدول العربية ضد تطور المجتمع المدني، وذلك بسّن وتشريع قوانين واتخاذ إجراءات إدارية تحول دون اتساع الظاهرة أو تسعى للحد منها ومن حصول المنظمات المدنية على حق وحرية العمل الشرعي، ولا شك ان هذه الظاهرة نمت وانتشرت في نهاية عهد الحرب الباردة وانتهاء سياسة الوفاق الدولي، وقد أخضعت هذه المنظمات لإجراءات تسجيل معقدة ومكلفة أحياناً، وفي الكثير من المرّات كانت اجراءات التسويف والمماحكة تنتهي بالرفض أو عدم الترخيص، ناهيكم عن أن سيف سحب الاعتراف يبقى مسلّطاً عليها، واعتمدت بعض الحكومات سياسة الجرعات المسكّنة لإحتواء الإحتقانات الناجمة عن الرغبة في انطلاقة مؤسسات المجتمع المدني.
وللأسف فإن الكثير من الحكومات والقوى السياسية العربية خارجها، ومن معارضتها أحياناً، ما تزال لا تدرك أهمية وحيوية المجتمع المدني وضرورته، باعتباره أحد أهم روافد الاصلاح والتغيير وتعزيز وتمكين الديمقراطية التي تنشدها، لكونه يمثل القوة الثالثة، التي لا غنى عنها لضمان السلم المجتمعي، فضلاً عن أن وجوده يمثل هو الآخر إنتماءًا الى العالم المعاصر، عالم الحداثة والتقدم، ولعل التنكر له أو تهميش دوره أو محاولة إحتوائه، انما هو تشبث بالماضي وهروب من المستقبل.
ولهذا فان البلدان العربية تغدو أكثر حاجة من غيرها الى تنمية وتعزيز دور المجتمع المدني وتمكينه من القيام بواجباته من خلال كيانات مستقلة غير حكومية، غير ربحية، حرة وغير إرثية وقائمة على الانتماء الطوعي والتعددي وتتعامل مع منتسبيها على نحو شفاف وديمقراطي، وذلك لحاقاً بالتطور الدولي .
يكفي أن نشير الى ان المنظمة العربية لحقوق الانسان وهي المنظمة الأم كما يشار اليها، ظل البعض ينظر إليها بارتياب لفترة غير قصيرة، رغم أنها كانت تعمل في مصر بصورة واقعية De Facto ولكنها لم تحصل على الترخيص القانوني والتسهيلات كمنظمة أقليمية DE Jure، الاّ بعد مرور أكثر من 15 عاماً (أي في العام 2000)، حيث وقّّعت على مذكرة تفاهم واتفاقية مقر مع وزارة الخارجية المصرية، في حين تأسست المنظمة في قبرص (ليماسول) نهاية العام 1983، واتخذت من القاهرة مقراً لها بعد ذلك، واستمرت في إصدار تقاريرها منذ العام 1985 (9).
للأسف الشديد لم تستطع السلطات في بلادنا العربية، التعامل الصحيح مع منظمات المجتمع المدني، سواءًا كانت نظماً " ثورية" أو " محافظة"، ولربما كانت الاخيرة أكثر رحمة من غيرها، فقد كان الارتياب هو السائد حيث تضعها في خانة المعارضات السياسية، ويتم التعامل معها باعتبارها خصماً أو عدواً، مستغلة أن بعض هذه المنظمات يتجاوز حدوده سواءًا في تساوقه مع بعض الأجندات الخارجية أو اندغامه مع بعض المعارضات السياسية أحياناً.
لقد جوبهت، دعوات منظمات المجتمع المدني للاقرار بالتعددية واشاعة الحريات واحترام حقوق المرأة وإجراء انتخابات وتأكيد مبادئ المواطنة والمساواة الكاملة واحترام حقوق الانسان، كلها بالرفض والتشكيك، بل إن قياداتها تعرضت للملاحقة والسجن والتشويه، كما أن بعض الاحزاب السياسية بما فيها "المعارضة" اتسمت علاقاتها بالمجتمع المدني، بالتوجّس والالتباس، خصوصاً وأن هناك من بين مؤسسات المجتمع المدني من كان يعتقد، وهو على خطأ، أن بإمكانه أن يكون بديلاً عن هذه الاحزاب، التي استنفذ البعض أغراضه وأن مرحلة صلاحيته وقياداته قد انقضت وانتهت بالفشل المتكرر والذريع، لكن هذا شيء، وأن تعتقد بعض منظمات المجتمع المدني أنها بديل عن الاحزاب، شيء آخر.
ووقفت بعض الاحزاب "القومية" و"اليسارية" و"الاسلامية" فيما بعد موقفاً فيه نوع من العدائية أو الخصومة مع مؤسسات المجتمع المدني، واعتبرت أن توّسعها وعضويتها قد إنحسرتا بسبب توّجه بعض قياداتها السابقة وعدد من النشطاء، وبخاصة من وسط المثقفين الى مؤسسات المجتمع المدني بدلاً من التوجه اليها، وأن كثيرين من قيادات الاحزاب فضلت العمل في مؤسسات المجتمع المدني، فشروطه تختلف عن العمل الحزبي، من حيث التوجه والاداء من وجهة نظره، حتى يصبح تياراً واسعاً يمكن لمؤسسات المجتمع المدني أن تتعاون معه(10).
في الختام يمكننا القول إن ما نقصده بالمجتمع المدني، هو: الافراد والمجموعات الناشطون في الحقل العام، المنخرطون في عمل الجمع