العراق: من إرث الماضي الى تحديات المستقبل*

بقاء العراق موحداً رهنٌ برحيل الإحتلال الأميركي!

 

 

 

 

د.عبد الحسين شعبان **



 

 

 

 

 

* الأصل في هذه المادة محاضرة القاها الباحث بتاريخ 3 تشرين الثاني (نوفمبر)2007 بدعوة من مركز القناة للتنمية الاعلامية     

   في بيروت، وقامت وكالة "شرق برس" بنشرها على الانترنت.

** مدير المركز الوثائقي للقانون الدولي الانساني- باحث وأكاديمي عراقي.

توطئة

عندما نتحدث عن التحديات المستقبلية لا يمكن أن نغضّ الطرف عن الماضي أيضاً. فالحاضر بلا أدنى شك هو امتداد للماضي بشكل مختلف، ونحن هنا لا نؤرخ للحظة الراهنة، فهذا هو شغل الإعلاميين على حد تعبير الروائي "البير كامو"؛ الذي اعتبر الصحافي مؤرخ اللحظة، ولكننا نتحدث كباحثين معنيين بتفكيك ومناقشة الأفكار، سواءًا بصورتها الماضوية، إذا جاز لي التعبير، أو بصورتها الراهنة، مستفيدين من تقديم رؤية إستشراقية للمستقبل.

إن أخطر التحديات التي يواجهها العراق هو التحدي الراهن (ما بعد الاحتلال)، ولعل ذلك يشتبك مع سؤال طرحه "إبراهام فولر"، من مؤسسة "راند" Rand الأميركية؛ قبل نيَّف وعقد ونصف من الزمان، يتعلق بـ "هل سيبقى العراق موحداً لغاية العام 2002؟".

كان فاولر قد طرح هذا السؤال المريب، الذي يحمل في جنباته مشروعاً سياسياً أيضا حتى وإن بدى السؤال بريئاً، فهل سيبقى العراق موحداً لغاية عام 2002؟ ولم يكتف بذلك بل قدّم سيناريوهات وتصوّرات مستقبلية. لكن سؤال فولر الذي ظلّ مسكوتاً عنه، تجري الإجابات عليه حالياً بطرائق وبوسائل مختلفة!!

ولعلي أذهب أبعد من ذلك عندما أقول أن مفكراً مثل هنري كسنجر كان قد طرح هذا السؤال قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمان وحتى قبل أن يصبح مستشاراً للأمن القومي ووزيراً للخارجية، عندما عمل في " تروست الأدمغة "، أو "مجمّع العقول"، حيث نظّر الى تفتيت دول المنطقة وليس العراق وحده، وإنما بلدان الشرق الأوسط عبر رؤيته الخاصة، لكي لا تكون هناك أغلبية، ليصبح الكل أقليات في محاولة لاعطاء اسرائيل دوراً متميّزاً فيها، مؤكداً إن الهوية الاحادية لهذه البلدان هي ما ينبغي ان تكون عليه، وبذلك يصبح الاساس التقسيمي عبر دويلات  أو مناطقيات، أو دوقيات، أو كانتونات آحادية الهوية أمراً واقعاً، سواءًا كانت الهوية دينية، أم عرقية، أم مذهبية، أم طائفية، أم هوية ذات بعد مناطقي؛ جيو استراتيجي!!

وإستكمل زبيجينيو بريجنسكي السيناريوهات والاحتمالات التقسيمية، لاسيما في كتابه "أمريكا والعصر التكنوتروني"، الذي صدر عام 1970. وقد أسس كيسنجر وبريجنسكي نظرية الهوية الاحادية للدولة في مناطق الشرق الأوسط بتقسيم الكيانات القائمة الى دويلات مصغّرة ومجزّأة ليسهل السيطرة عليها وعلى ثرواتها " ولحماية أمن اسرائيل" !

إن الهدف من هذه الاستعادة التاريخية هو للإستذكار فقط، خصوصاً بما له علاقة بالحاضر، فالرؤية - الاسرائيلية – الصهيونية معروفة " أصلاً "، لموضوع تقسيم بلدان الشرق الأوسط إلى كيانات صغيرة، بل هي تشكل محور سياسات اسرائيل منذ قيامها عام 1948 وحتى قبل ذلك، لكن الذي أود التركيز عليه حالياً هو ما تتحدث عنه مؤسسات أبحاث كبيرة، ومجمع عقول؛ يوازي المجتمع الصناعي- الحربي أو العسكري، منذ عهد كينيدي، في أوائل الستينات وإلى الآن، حيث يدخل حيّز التنفيذ.

* بين التشطير والتأطير!

 

لعل هذا الأمر سيكون في غاية الخطورة لاسيما بعض نتائجه الحالية، وكأننا الآن أمام حصاد ما تم زرعه، وبخاصة في اوائل السبعينات وعندما احتدم الصراع السياسي- الاجتماعي في المنطقة في مرحلة ما بعد الاستقلالات العربية في الخمسينات والستينات وبخاصة بعد تأميم النفط العراقي عام 1972، لاسيما عندما يأتي جوزيف بايدن ويطرح موضوع تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق سميت بين "قويسات"، فيديراليات؛ ولكنها في واقع الأمر تتجاوز فكرة الفيديرالية وهي نظام معروف في الفقه الدولي وفي الفقه الدستوري.

يبدو أن ادارة الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش ما تزال حائرة بشأن خياراتها اللاحقة وذلك بسبب التخبط الذي وصلت اليه سياساتها خلال السنوات الاربعة ونيّف الماضية في العراق. ولعلها بدأت تستعين بما في خزانتها من مشاريع وخطط كان آخرها هو مشروع جوزيف بايدن السيناتور الديمقراطي بشأن تقسيم العراق الى ثلاث كيانات: شيعية وكردية وسنيّة تحت مظلة حكومة مركزية واحدة، لكنها حكومة يُراد لها أن تكون ضعيفة أو معوّمة!!

وقد أعطت ادارة الرئيس بوش بعض الاشارات " الايجابية" بشأن مشروع بايدن، الذي كان مُهملاً، فساهمت في نفض الغبار عنه، وهو ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز، فذكرت عن لقاءات أجريت بين بايدن وعدد من أعضاء مجلس الامن الدولي للتباحث بشأن المشروع، الذي لقي استجابات جيّدة حسب بايدن، قبل عرضه على الكونغرس الامريكي لإصدار قرار بتأييده، حتى وإن كان في الوقت الحاضر غير ملزم الاّ أن التصويت عليه في الكونغرس قد وضعه بمصاف القانون الذي يحتاج الى مصادقة الرئيس في الحال أو في المستقبل مثلما حصل بالنسبة لقانون تحرير العراق الصادر عام 1998 من جانب الكونغرس الامريكي.

 

لكي لا يُساء الفهم، أريد أن أقول أن الفيدرالية، وأنا حريص على تبيان هذه القضية، هي نظام اداري عصري ومتقدم، وإنني كنت وما أزال، وسأبقى ربما من دعاة تطبيق مبدأ الفيدرالية كمبدأ نظري عام، مع الأخذ بنظر الاعتبار ظروف البلدان، فلكل نموذج حسب شؤونه واختصاصاته، ودرجة تنوع ديموغرافيته ومذاهبه وأديانه وتكويناته.

أقول إن الفيدرالية هي نظام متطوِّر، وهذا النظام العصري يطبق حاليا في 25 بلد في العالم وأن أكثر من 40 في المئة، (ربما 43) في المئة من سكان العالم، هم منضوون تحت إطار النظام الفيدرالي، ولكن الفيدرالية شيء والديمقراطية شيء آخر، وليس بالضرورة كل نظام فيدرالي ديمقراطي، ولكن النظام الديمقراطي يمكن أن يكون نظاماً فيدرالياً ناجحاً. (بعض الانظمة الشمولية في اوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي حيث كانت شكلاً من اشكال الفيدرالية لكنها لم تكن أنظمة ديمقراطية).

النظام الفيدرالي؛ بالمفهوم الذي أؤمن به أنا، لا علاقة له بمشروع جوزيف بايدن أو بمشاريع التقسيم التي تنتظر العراق، فهذا شيء وهذا شيء. وأريد أن أقول أن مشروع النظام الفيدرالي لا علاقة له بالدستور العراقي الحالي، أي الدستور الدائم الذي تم الاستفتاء عليه يوم 15 تشرين الأول (أكتوبر) عام 2005، والذي أجريت الانتخابات على أساسه في 15 كانون الاول (ديسمبر) عام 2005 وجاءت حكومة نوري المالكي طبقاً للقواعد الدستورية التي جرى تكريسها في الدستور.

لماذا الدستور لا علاقة له بالفيدرالية؟ هناك ضوابط وقواعد "rules" عامة، للنظام الفيدرالي، وهذه القواعد لا تنطبق على الدستور العراقي، فالدستور العراقي ينحو منحىًً بعيداً عن هذه القواعد التي هي تذهب بعيداً عن النظام الكونفيدرالي، وليس النظام الفيدرالي، بل هي في واقع الأمر نظام تقسيمي أو يمهد لعملية التقسيم، ويضع لمساتها وخطوطها العريضة، وإذا ما تراكمت بعض "الحقوق" والامتيازات خصوصاً لأمراء الطوائف في العراق، فالأمر، لا محالة، سيؤدي إلى التقسيم، خصوصاً إذا ما تكرست المصالح والامتيازات التي يريدها أمراء الطوائف والتي يمكن أن تؤدي إلى شيء آخر غير وجود الدولة العراقية الحالية.

إن دعاة التقسيم يقولون إن الدولة المركزية ونموذجها (نظام صدام حسين) ستؤدي إلى الديكتاتورية والاستبداد لا محالة، وبالتالي لا بد من تفكيك الدولة المركزية، ويضيفون الآن سواءًا جوزيف بايدن، أو بعض أمراء الطوائف، لكي نطبق الفيدرالية (التقسيم) ونقضي على الإرهاب، لا بد من تفكيك الدولة المركزية وجعلها لا مركزية وهم يقصدون بذلك الفيدرالية كما سوّقوها بالمعنى الدارج والمبتذل أحياناً، أي نظام أقرب الى كانتونات، أو طوائفيات أو دوقيات أو مناطقيات أو سمِّها ما شئت، إلاّ أنك لا تستطيع القول أنها نظاماً فيدرالياً بالصيغة التي عرضتها.

ومثلما كانوا يقولون في السابق، القضاء على الديكتاتورية يتطلب تفكيك الدولة المركزية، أي تحويل بعض صلاحيات الدولة المركزية إلى الأقاليم، فإنهم يقولون اليوم إن القضاء على موجة العنف الطائفي والارهاب يتطلب تفكيك الدولة المركزية وتوزيع صلاحياتها على الاقاليم، ولعل هذا ما تم بالفعل دستورياً وعملياً حيث تم تعويم الدولة العراقية وإضعافها ونزع صلاحياتها تلك التي يقرّها النظام الفيدرالي نفسه مثل وحدانية الجيش ووحدانية التصرف بالثروات الطبيعية والامور المالية ووحدانية التمثيل الخارجي والعلاقات الدبلوماسية، لصالح نظام آخر لا علاقة له بالنظام الفيدرالي بل انه في واقع الحال سيؤدي الى تقسيم البلاد.

 

الصلاحيات وفق النظام الفيديرالي

ما هي الوظائف الرئيسة للنظام الفيدرالي؟ المسألة الأولى لأي نظام فيدرالي في العالم سواءًا كانت الصلاحيات واسعة أو ضيقة، تتعلق بإخضاع  القوات المسلحة بالكامل لصلاحيات الدولة الاتحادية أي للدولة المركزية.

أما في النظام الفيدرالي العراقي، فلا يمكن للدولة الإتحادية أن تحرك جندياً واحداً في الأقاليم إلا بموافقة إدارات الأقاليم، وإذا لم توافق إدارات الأقاليم فليس من حق الدولة الاتحادية أن تتصرف عكس ذلك ولا بدّ لها من اخضاع قرارتها لمصالح الاقاليم واداراتها وليس العكس، وإذا ما عرفنا ان الدستور الراهن ينحاز الى الأقاليم فيما إذا حصل أي نوع من التعارض بين الدستور الاتحادي، ودساتير الأقاليم، فالدستور الاتحادي أو القانون الاتحادي " المركزي" سيخضع للدستور أو للقانون الإقليمي، أي المحلي، أي لقوانين الأقاليم طبقاً للدستور النافذ، فما بالك لو تعارضت قوانين الاقاليم ذاتها، فان فوضى قانونية عارمة ستسود ويصبح عندها تمترس كل طرف بمنطقته واقليمه، وتضيع امكانية وجود نظام اتحادي حقيقي لحساب امتيازات الاقاليم ومصالحها الانانية أحياناً التي يتحكم بها المتنفذون على حساب المصلحة الوطنية العراقية العليا.

وحسب الانظمة الفيدرالية المعروفة فإن العلاقات الخارجية والدبلوماسية والدولية، تكون بيد الدولة الاتحادية، أما في الدستور الدائم الحالي فإنه يعطي الحق لكل إقليم  في فتح فروع له في السفارات والممثليات الدبلوماسية العراقية لمتابعة القضايا الإنمائية والثقافية والاجتماعية، ومثل هذا الأمر لا علاقة له بطبيعة النظام الفيدرالي، الاّ إذا افترضنا انها سفارة  داخل سفارة او مجمّع سفارات في السفارة الواحدة وهذه مسألة غريبة ثانية.

أما المالية، والخطط المركزية والعملة وكل ما له علاقة بالواردات الرئيسية فهي من صلاحيات السلطة الاتحادية في النظام الفيدرالي، أما  في نظامنا العراقي الراهن، فالدستور يقول "النفط والغاز ملك الشعب"، وهذا صحيح لكنه يستدرك بتخصيصها على الحقول المستخرجة، وإذا ما عرفنا أن معظم الحقول في العراق غير مستخرجة، فستكون هذه الصلاحيات حصرياً بيد سلطات الأقاليم، وسلطات الأقاليم ستباشر بالتنفيذ لما تريد، وفعلياً، باشرت سلطات الأقاليم، خصوصاً سلطة إقليم كردستان (الاقليم الوحيد الموجود) بعقد أربع عقود نفط، انطلاقاً من صلاحياتها في الدستور، وستكرّ المسبحة لاحقاً لأشياء غير منظورة.

دعوني أذكر مثلاً مهماً وربما صورة كومودرامية ولكنها " فنتازية" أو حتى سريالية لمشهد يدعي أن له علاقة بالفيدرالية، لنفترض أن السماوة أصبحت إقليماً، ولهذا الإقليم دستور خاص بها، وأن الحلة إقليم آخر، وأن الديوانية إقليم ثالث وأن بغداد إقليم بالطبع أو أكثر من إقليم وأن الرمادي إقليم أيضاً، أو جزء من الرمادي اقليم اي مدينة من مدن الرمادي...، وأردنا أن نأتي ببضاعة من الشام لنقل إلى إقليم السماوة.

فما الذي سيحصل؟ وهنا أتحدث عن القاعدة القانونية المجردة والعامة فمثل هذا الافتراض يضع عدداً من التصورات، فهل ستنقل البضائع عن طريق الجو أو عن طريق البر، أو إذا كان هناك سكك حديدية؟ فمن حق اقليم الحلة أن يرفض لأي سبب كان مرور بضائع تعود الى اقليم السماوة عبر أراضي إقليمها الاّ بشروط قد تكون مجحفة، وهكذا ستخسر السماوة مرور البضائع عبر اقليم الحلة وقد تلجأ الى وسائل أخرى، بسبب ان قانون اقليم الحلة او دستورها أو الديوانية أو الرمادي أو بغداد يعطيها مثل هذا " الحق"، والأمر ينطبق على المرور الجوي فالبضاعة لا تمرّ بالطائرات فوق السماء الإقليمية للفيدراليات المقررة في الدستور!

ولا نريد أن نقول أن العراق كله صغير، فما بالك بشركات مصغرة تكاد تكون مجهرية إزاء الكارتيلات والاحتكارات العالمية الكبرى، التي تتفاوض حول استخراج النفط وحول مستقبل الثروة المعدنية وغيرها لأقاليمنا المصغرة التجزيئية التقسيمية، أن الدستور الحالي يجعل الفضاء الجوي " المسكوت عنه" من اختصاص الأقاليم فعلياً.

إن هذه قضية ذات بُعد خطير فيما يتعلق بمستقبل الدولة العراقية ولذلك فإن الحديث الذي يجري أحياناً عن التقسيم، لم يَعُدْ موضوع تقديس أو تدنيس، فتقسيم العراق قد يأخذ طريقه الى التنفيذ، والموضوع لم يعد بين التشطير والتأطير وقد تجاوزنا هذه المرحلة وانتقلنا من التنظير إلى التطبيق.

انجوزيف بايدن أو بعض دعاة التقسيم المعلن أو المستتر يراهنون على الوقت للشروع بوضع اللمسات الأخيرة له، ( ولعل تصويت الكونغرس على مشروع قرار بهذا الشأن يعني إن الأمر اكتسب جدية أكبر والمطلوب من الادارة الامريكية سواءًا الحالية أو القادمة المصادقة على القرار ليكتسب طابعاً إلزامياً).

هناك دعوة، أقرها البرلمان العراقي لإقامة أقاليم الجنوب، وحظيت الدعوة بأغلبية في البرلمان، ولكن بسبب الظروف وبسبب معارضة شعبية أيضاً فقد تم تأجيل التنفيذ الى 18 شهراً ستنتهي قريباً وسيفتح ملف الاقاليم مجدداً لمسألة مختلف عليها في الدستور وما بعده وفي لجنة الصياغة التي لم تنتهِ من عملها حتى الآن، رغم أن القرار الذي صدر عشية الانتخابات بموافقة " جبهة التوافق" على التصويت لصالح الدستور يقضي بإنجاز التعديلات خلال أربعة أشهر (ولكنه مرّت حتى الآن سنة ونيّف ولم تنجز التعديلات، وقد طلبت اللجنة الدستورية التي تنظر في التعديلات تمديد مهمتها الى عام آخر لاستكمال عملها واقتراح التعديلات الضرورية).

وإذا كانت الكتل السياسية المذهبية والأثنية في البرلمان قد حصلت على غالبية المقاعد البرلمانية في الانتخابات السابقة (15 كانون الاول/ديسمبر 2005) فإن هذه الانتخابات وإن أجريت طبقاً لقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والقرار 1546 الصادر عن مجلس الامن الدولي في 8 حزيران (يونيو) 2004، فإن الأمر تشوبه الكثير من الطعون القانونية ناهيكم عن الشرعية، خصوصاً وان الانتخابات أجريت في ظروف ملتبسة ومعقدة وبوجود الاحتلال وفي إطار قانون انتخابي عليه الكثير من الانتقادات الجوهرية والمآخذ الكبيرة وبخاصة نظام " القائمة المغلقة"!

لا شك ان النتائج ستكون معروفة سلفاً في مثل هذه الشروط والاحوال وبعد 35 عاماً من الاستبداد والديكتاتورية، والقمع الفكري والسياسي والبوليسي المنفلت من عقاله، وليس عبثاً أن ينتقل الناس إلى النقيض أحياناً، ولكن في لحظة من لحظات تزييف الوعي، وفي ظرف استثنائي عصيب حيث استغلت فيه أسماء كثيرة، ابتداءًا من المرجعية، إضافة الى وسائل الترغيب والترهيب، الى الدعم الخارجي بما فيه الإقليمي حيث كان لإيران دور فيه، إلى وسائل أخرى ونقائص وثغرات وعيوب احتواها القانون الانتخابي نفسه.

 

 

 

دور المرجعية الشيعية!

تتحمل المرجعية مسؤولية كبيرة، فيما وصلت إليه البلاد، فموقفها كان عائماً، أو أصبح عائماً بعد أن كان " منحازاً "، ولنتحدث بصراحة ووضوح، فالوطن فوق الجميع، وإذا كان للمرجعية دور وتستطيع أن تؤثر إيجاباً، (يُقال أن لها دور وتستطيع)، لماذا إذاً لا توقف حمامات الدم أو لم تتمكن من الحد منها حتى الآن، فما هو دورها إذاً ؟ أو أين هي مسؤوليتها أيضاً ان كانت قادرة؟

وإذا انحازت المرجعية لهذا الفريق أو ذاك فيعني أنها تتدخل في السياسة وبهذا المعنى فهي تتخلى عن كونها مرجعية، أو عليها الابتعاد عن السياسة وعندئذ تبقى مرجعية وتترك السياسة للسياسيين.

واعتقد ان دور رجال الدين ارشادي ووعظي، إذ أن مكانهم، وأقولها هنا علناً وصراحةً، الجوامع والمساجد والحسينيات والكنائس ودور العبادة، أما أن يتدخلوا في الرياضة والسياحة والسفر والتجارة والأدب والفن والملبس والمأكل والانحياز إلى هذا التجمع أو ذاك، فهذا ليس شأنهم، وبهذا المعنى سيكون رجال الدين طرفاً وسيتخلون عن مرجعيتهم، وعند ذاك عندما يكونون طرفاً سيخضعون للخطأ والصواب إذاً، وسيكونون مسؤولين بهذا المعنى!!

ولذلك أنا أعتقد أن المرجع الديني آية الله العظمى السيد علي السيستاني في النجف نأى بنفسه وإن كان بوقتٍ متأخر عن الانخراط في العمل اليومي الدائر، وكان في البداية قد طرح السيد السيستاني أربع قضايا صحيحة: ان الاحتلال لا بد أن ينتهي، ولا بدّ أن يكتب العراقيون الدستور، وأن العراق لا بد أن يقوم على أساس وحدة وطنية وتعايش وعدم التشجيع على العنف واجراء انتخابات لاختيار الشعب لممثليه، لكن تأييده لقائمة الائتلاف العراقي الموحد (الشيعية) جعله "مسؤولاً " وطرفاً وبالتالي فإن ما يجري في العراق لم يكن بمعزل عن دوره، والاّ لماذا اتخذ مثل هذا الموقف ان لم يكن منحازاً!

ان بعض الاطروحات الصحيحة التي تبنّاها السيستاني في البداية تم تجاوزها بتأييده قائمة الائتلاف العراقي الموحد (الشيعية) بما اعتبره البعض انحيازاً ودخولاً في حلبة الصراع، بل ان البعض حمّله المسؤولية في تأييد بعض القوى المتعاونة مع الاحتلال، فضلاً عن فشل الحكومات التي "باركها" لا سيما بتدهور الوضع الأمني وانفلات العنف الطائفي، ولا أريد أن أقول أن موقفه بعدم الاصرار على إنهاء الاحتلال وانسحاب القوات المحتلة من العراق، قد استغله البعض للمساومة مع الاحتلال أو لتبرير تعاونه مع المحتل بحجة عدم القدرة في مقاومته وعدم توفر شروط فتوى بالجهاد أو التدرج في الحصول على السيادة تحت باب الواقعية السياسية.

 

الدستور العراقي وواقع الحال

 

يمكن القول ان الدستور العراقي الحالي يعتبر من أحسن الدساتير العربية في ميدان الحقوق والحريات وكذا الحال في ميادين استقلال القضاء، ومنع التعذيب وتأكيد مبادئ المساواة وفي الموقف من المرأة وخصوصاً الكوتا الايجابية 25% وفي قضايا حقوق الإنسان وحقوق المواطنة، وهو تأكيد عصري لهذه المبادئ الحديثة، لكن المبادئ الدستورية الايجابية التي تم تقديمها بيد قد تم سحبها باليد الأخرى، حيث جاءت بعض النصوص متناقضة وغير منسجمة مع هذه المبادئ لاسيما تلك التي تستخدم " التعاليم الاسلامية" بالضد من مبادئ الدولة العصرية بحجة تطبيق " الشريعة الاسلامية" أو عدم سن قانون يتعارض معها، وتلك أهم قيود الدستور التي تنزع روحه أحياناً وتفقده هويته، بحيث تجد الشيء وضده!!

ان ما كتب في مقدمة الدستور، كان تعبيراً عن نزعة طائفية تسيء تماماً إلى العراق والعراقيين وإلى الطائفة الشيعية التي يدعي البعض النطق بإسمها. وقلت وأقول، بصريح العبارة، أن رجل الدولة هو غير رجل الحسينية، أنا أعرف قراء منابر حسينية، بعضهم أكابر وعلماء وأفاضل وأعرف علماء ورجال دين أفاضل، ولكن الدستور كُتِبَ بلغة سياسية متدنية، وما أقوله ليس من باب التجريح بأحد، أقوله من موقعي كباحث وعراقي موجوع ومهموم ويختزن سنوات العمر كلها، في الدفاع عن الحريات والحقوق، وفي نفس الوقت أيضاً، معني بالتفاصيل اليومية والآنية، وحريص على أن يكون المستقبل غير هذا الذي نشاهده. الحاضر هو جزء من  الكارثة القائمة، والمقدمات ستقود إلى الكارثة لا محال!

العراق يعاني من الطائفية السياسية التي كُرِّست بصيغة بول بريمر "السحرية"، عندما قسَّمت المجتمع إلى شيعة وسنة وأكراد وكذا كذا الخ...، وأعطت 13 مقعداً للشيعة و5 مقاعد للسنة و5 مقاعد للاكراد ومقعد واحد للتركمان وآخر للكلدوآشوريين، بطريقة بدائية سمجة وللأسف أن الطيف السياسي الذي جاء مع الأميركيين وافق على أطروحاتهم، وقبل بهذه الصيغة واعتمدها، من الوزير إلى الخفير، حتى وإن تنكّر لها لاحقاً بعد فشلها الذريع وتأثيراتها المدمرة.

الطائفيون سيلحقون ضرراً بليغاً بالطائفة سواءًا كانوا من هذه الطائفة أو من تلك، ولا يمكن بأي شكلٍ من الاشكال أن يكون المرء طائفياً ووطنياً، أو طائفياً ولديه مشروع وطني، إذا كان طائفياً فلديه مشروع طائفي، أما أن يكون وطنياً فهو إذاً نقيض الطائفية، وهذه قضية مفهومة على صعيد الواقع العملي والممارسات اليومية وعلى الصعيد الفكري والمستقبلي حيث ستطرح تأثيراتها لاحقاً.

أما بخصوص الدستور العراقي فرغم بعض الاحكام والمواد الايجابية الاّ أنه بشكل عام احتوى على الكثير من الألغام والقنابل غير الموقوتة التي يمكن أن تنفجر في اية لحظة، فضلاً عن ان الدستور استند على قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية (2004) التي طارت اشاعة تقول ان الذي قدم الصياغة الأولية هو نوح فيلدمان اليهودي الامريكي الصهيوني التوّجه، مما دفع السيد السيستاني للقول لا بدّ للعراقيين من كتابة دستورهم.

أستذكر هنا الباحث الاجتماعي الكبير العلاّمة علي الوردي، فمنذ أكثر من نصف قرن من الزمان قال "هؤلاء الطائفيون بلا دين" لأن المؤمن الصحيح لا يمكن أن يكون طائفياً، فالمسلم الحقيقي ضد الطائفية والمتدين السليم لا يمكنه أن ينخرط في إطار مشروع طائفي وقد يجرّه أحياناً ضد الوطن، ولذلك فإن تركة (بول) بريمر ستكون خطيرة بفعل التشظي وامتيازات أمراء الطوائف، من الذين تعاونوا معه أو من الذين تمترسوا في مواجهة طائفية لاسيما وان الاحتقان وصل إلى حد الحرب الأهلية.

نحن نعيش في العراق في حرب أهلية، أما الذين يقولون إننّا ما زلنا بخير، فإمّا يريدون أن يجمدون الميت الذي هو في غرفة الانعاش ولكنه يدخل في غيبوبة منذ فترة غير قصيرة، لأنه لم يمت بعد، أي لم يحصل التقسيم حتى الآن، ولكنه واقع فعلاً  انهم لا يريدون أن يقولوا  اننا فشلنا. نحن في حرب أهلية ليست نمطية، أي ليست بين الشيعة والسنة إطلاقاً، أو بين العرب والكرد إطلاقاً، أو بين الكرد والتركمان بتاتاً. هي حرب الجميع ضد الجميع، حرب يحركها الاحتلال أولاً، المسؤول عن كل الذي حصل في العراق، وثانياً أمراء الطوائف المستفيدون من الوضع العراقي الحالي، والطامعون في الحصول &