بالعرق والدموع ازدهرت فنون الخمسينات

قصة المسرح العراقي بشهادة بدري حسون فريد

 

 

 

سجاد الغازي

 

     صدر عن دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة كتاب (قصتي مع المسرح- المجلد الأول والثاني) للفنان الكبير بدري حسون فريد يروي فيه مشواره الطويل مع المسرح أو كما وصفه (سجل حياتي المسرحية)..

وقد عرفت الأخ الفنان بدري عن قرب عندما كان ينحت في الصخر ليقيم كياناً اثبت وجوده بعناصر شابة مضحية فتولى تنمية مواهبها لتنبثق فرقته الفتية (شباب الطليعة)، وواكبت مسيرته منذ قدومه إلى بغداد من كربلاء ودخوله معهد الفنون الجميلة ومشاركته ممثلاً في العديد من المسرحيات ونجماً سينمائياً تولى بطولة فلم (ارحموني)، كما تولى البطولة الثانية في أول فلم عراقي ملون (نبوخذ نصر)، وتعاون معنا في الكتابة من حين لآخر في الصفحات الفنية الأسبوعية التي كنت أصدرها في الجرائد السياسية التي عملت فيها والتي وثقت الحركة الفنية عبر ربع قرن من1950-1976 وتابعته دارساً في أمريكا في أرقى معهد مسرحي وكان يرفد صفحتنا الفنية برسائله المتوالية. كما تابعته أستاذا للمسرح تتلمذ على يديه أكثر من ألف طالب.. كما تابعته نجماً للشاشة الصغيرة، وهل هنالك من لا يذكر دوره الرائع إسماعيل جلبي في مسلسل الذئب وعيون المدينة والنسر وعيون المدينة..

وهكذا فقد عرفت الأخ بدري حسون فريد مناضلاً وعاشقاً، تلميذاًَ باراً ووفياً، وممثلاً ومخرجاً وكاتباً مسرحياً موهوباً ونجماً سينمائياً لامعاً وباحثاً موضوعياً ومؤلفاً ومدرساً ومحاضراً كفوءاً.

ولا عجب إذا استعرت العديد من فقرات كتابه لإحساسي وكأنني أنا الذي أكتب، فقد عايشت الكثير من الظروف الصعبة التي واجهته في جهاده الفني بعد قدومه إلى بغداد في الخمسينيات لأكون شاهد صدق على ما يقول وبخاصة انجازه الرائع في تكوينه (فرقة شباب الطليعة للتمثيل) التي كانت نموذجاً حديثاً لجهاد الرواد الأوائل الذين ارسوا الأسس المتينة للحركة المسرحية والفنية منذ الفرقة الوطنية التي شكلها عميد المسرح العراقي الرائد الراحل حقي الشبلي.

وضمت فرقة شباب الطليعة في خيمتها33 شاباً من الموظفين والطلاب والعمال بينهم5 فتيات من بنات العائلات الكريمة قدموا أكثر من10 مسرحيات وتمثيليات في4 أعوام متصلة دون توقف!

وتقدمت الصفوف رغم التعويقات وواصلت الإنتاج بانتظام وإيمان دون اللجوء الى رفع شعارات ولافتات سياسية وحزبية ولكن بمضمون اجتماعي وطني هادف وبمستوى فني رفيع وبالادارة التربوية الاخلاقية الحازمة لبدري حسون فريد.

لقد كتب بدري حسون فريد سطور كتابه بتلقائية وعفوية وصدق دون زركشة او حذلقة بيانية مقصودة وابتعد عن اسلوب المنهج الأكاديمي الصارم، انه ليس كتاباً منهجياً بالمعنى المفهوم، وانما هو تجارب وحكايات ومعالجات وشؤون وشجون ودروس وعبر وذكريات ووقائع مثبتة بالتواريخ والوثائق والمناهج والصور التاريخية طوال خمسين عاماً منذ أعماله الأولى وهو صبي حتى عمره اليوم الذي بلغ الثمانين من العمر المديد في تموز من عام 2007.

انه كتاب تصدى للإرهاصات الفكرية والاجتماعية طوال نصف قرن من الزمن.. انه بانوراما للمسرح العراقي من خلال تجربته الشخصية وهو يقدمها بكل حب واخلاص من أجل المسرح العراقي محباً ثم هاوياً ثم تلميذا دؤوباً ومن ثم فناناً طموحاً ورائداً بارزاً في المسرح العراقي.

ان قصة بدري حسون فريد مع المسرح هي قصة شاب كافح وكابد وتعب وبذل الجهد الجهيد والتضحيات الكبيرة من أجل ان يخدم المسرح العراقي الذي اعتمده مدرسة فكرية اجتماعية وجمالية للشعب وهو الأساس والمرجع والمحرك لكفاحه وصبره ومعاناته طوال السنين التي مرت وهي بالتأكيد افرزت النواحي الفنية الإبداعية المختلفة بحسب تقييم النقاد لانتاجاته المختلفة والتكريم الرسمي والشعبي الذي حصل عليه عدة مرات في مناسبات عديدة ومختلفة..

ان قصة بدري حسون فريد مع المسرح هي جزء لا يتجزأ من مسيرة المسرح العراقي .. وقد اشتمل المجلد الأول من كتابه على(14) مبحثاً مع ملحق للصور ضم(56) صورة تاريخية نادرة لنشاطاته المسرحية ولشخصيات فنية وصحفية وأدبية.

-تضمن المبحث الأول مرحلة الهواية والتلمذة وبواكير الانتاجات المسرحية ومشاهداته في مدينة كربلاء.

-وتناول المبحث الثاني بواكير عمله ممثلاً في مدينته كربلاء.

-وركز المبحث الثالث على بواكير عمله كممثل في بغداد قبل واثناء دراسته في فرع التمثيل بمعهد الفنون الجميلة.

-أما المبحث الرابع فقد تطرق إلى بواكير عمله ممثلاً  ومخرجاً بعد تخرجه من فرع التمثيل بمعهد الفنون الجميلة في تموز1955.

-وتناول المبحث الخامس مسرحية (المورد المسموم) أول عمل إخراجي له في الفرقة الشعبية للتمثيل عام1956.

-وركز المبحث السادس على الإنتاج الأول لشباب الطليعة عام1957.

-وتناول المبحث السابع الإنتاج الثاني لمجموعة (شباب الطليعة للتمثيل) عام1957.

-وفي المبحث الثامن تحدث عن الإنتاج الثالث لمجموعة شباب الطليعة للتمثيل عام1957 ايضا.

-أما المبحث التاسع فقد تناول الإنتاج المشترك بين الفرقة الشعبية وشباب الطليعة بعد قيام العهد الجمهوري عام1958.

-وتناول المبحث العاشر الإنتاج الأول لشباب الطليعة في العهد الجمهوري مسرحية (موعد مع الفجر) على المسرح و(موعد مع الشمس) على شاشة التلفزيون1959.

-وركز المبحث الحادي عشر على الإنتاج الثاني لشباب الطليعة في العهد الجمهوري وهي (نجاح) و(عندي ذراع واشتغل).

-وفي المبحث الثاني عشر تحدث عن الإنتاج الثالث لفرقة شباب الطليعة في العهد الجمهوري (عائلة ابو مهيدي) و(الشاعر روبنيول).

-وتطرق المبحث الثالث عشر إلى الإنتاج الرابع لفرقة شباب الطليعة في العهد الجمهوري مسرحية (سختجي)، فضلاً عن التمثيليات التلفزيونية التي كانت تقدم منتصف كل شهر، والأعمال الإذاعية، ومسرحية (عندي ذراع واشتغل)1960.

-وتضمن المبحث الرابع عشر تقييماً لانتاجات مجموعة وفرقة شباب الطليعة للتمثيل من بداية تشكيلها ولحد سفر بدري حسون فريد للدراسة في أمريكا في1962.

المجلد الثاني

اما المجلد الثاني من الكتاب فقد ضم تفاصيل دراسته الفنية في أمريكا(1961-1965) والنتاجات التي قدمها هناك ممثلاً ومخرجاً وحصوله على ثلاثة شهادات بامتياز ثم عودته للوطن ومواصلة عطائه وذلك  من خلال34 مبحثاً استغرقت308 صفحات مدعومة بـ55 صورة نادرة.

وتضمن الكتاب في طوايا المجلدين وصفاً دقيقاً للفرق المسرحية العراقية التي كانت تزور المحافظات وطريقة عمل تلك الفرق واماكن التقديم والأساليب التي اتبعت في الإخراج والتمثيل. وتصويراً دقيقاً بريشة انسان يحترم العلم والضمير لشخصيات فنية مسرحية معروفة..

-وبالإضافة الى ذلك فانه كتاب مذكرات وخواطر ومكابدات فنان مسرحي مجاهد، اخرج للمسرح اكثر من ثلاثين مسرحية عالمية وعربية ومحلية، ومثّل في عشرات المسرحيات في العراق وامريكا وكتب واعد أكثر من عشرين مسرحية طوال خمس وأربعين سنة.

-ولذلك يقول المؤلف ان ما (أكتبه هو تاريخ للحركة المسرحية العراقية وتاريخ للرواد المسرحيين العراقيين، وينبغي ان لا يزوّر التاريخ أبداً لان في ذلك خيانة ضمير وخيانة شعب وأمة..)

-وبالفعل فقد القى الكتاب الأضواء على الكثير مما هو مخبوء في مسيرة الحركة المسرحية وعناصرها وكشف مكنوناتها، مؤكداً على المعايير والقيم الأخلاقية وعلاقات الوفاء والالتزام التي كان المؤلف حريصاً عليها، لأن الفن لديه هو قيم الخير والحق والجمال، والوفاء جوهرها وهو الخصيصة التي جبل عليها شعبنا في بساطته ونقائه.. فكان لابد من إسقاط الأقنعة النرجسية الزائفة التي تبرقع بها العديدون ممن كان دأبهم احتكار الساحة وركوب كل الموجات السياسية التي مرت بها الأنظمة والعهود في محاولة الاستفراد بالساحة واحتكار التاريخ بأنانية بتزييف الحقائق على طريقة الأنظمة الشمولية التي تحاول ان توحي بان التاريخ بدأ بها..!!

-فان الحركة المسرحية والحركة السينمائية لم يتيسر لهما ما تيسر للحركة التشكيلية من مؤرخين أمناء وثقوها بموضوعية كالمنظر والناقد التشكيلي الراحل شاكر حسن آل سعيد والدكتور نزار سليم والرسام والناقد التشكيلي الأخ نوري الراوي والأخ عادل كامل وجبرا ابراهيم جبرا وغيرهم..

وكذلك ما تيسر للحركة الموسيقية من مؤرخين امناء وثقوها بتسجيل الواقع الذي عاشوه كالحاج هاشم الرجب وجلال الحنفي وعبد الكريم العلاف وعبد الوهاب بلال وثامر العامري وحمودي الوردي.

-اما الحركة السينمائية والحركة المسرحية فقد كتبت عن جوانب منها مقالات صحفية طغت عليها النرجسية الشخصية الى حد لوي الحقائق ان لم يكن تزييفها أو التعتيم عليها عدا الفصل الخاص عن السينما العراقية في كتاب جورج سادول عن السينما في العالم من اصدار اليونيسكو، وكان مقدراً ان توثق الحركة السينمائية بأمانة وموضوعية من قبل عبد المنعم الجادر ووحيد ألشاهري لولا أن الموت عاجلهما.. أما الحركة المسرحية، فربما كان كتاب بدري حسون فريد أول محاولة موضوعية تناولت احداث الحركة المسرحية بصدق في جانب من عمرها وتاريخها.

-اما الارشيف الذي اعد في دائرة السينما والمسرح في العهد السابق فهو مليء بالاخطاء التاريخية اضافة الى انتقاء مواده بمزاجية متحيزة.

-اما صدور بعض الكراريس فلا يعتد بها لضحالتها وكذلك بعض البرامج التلفزيونية التي انطوت على تحليلات أكاديمية وأحكام نظرية بعيدة عن الواقع والمعايشة الميدانية.

وبعد.. فان قصة بدري حسون فريد مع المسرح تستحق القراءة المتأنية والتفحص والتأمل وبخاصة من قبل الجيل المسرحي الجديد والاستفادة منها كوثيقة وبانوراما لفترة مهمة من تاريخ المسرح العراقي...

وبالإضافة إلى ذلك فان الكتاب لا يخلو من متعة السياحة وبخاصة في مجلده الثاني الذي تضمن صفحات من أدب الرحلات ومعاناة الغربة وصرامة الدراسة.. وفي طوايا حديثه عن تفاصيل العمل سواء أثناء الدراسة أو الاحتراف تطلع على حرفية العمل المسرحي لتشكل هذه المباحث بالتالي محاضرات عملية قيمة مصاغة بلغة سلسة وعرض مشوق يشدك الى مواصلة قراءة الكتاب ولا يسعك ترك هذه المتعة بشغف وتلذذ.. اذ لم يكن (بدري) مجرد دارس متفوق وممثل بارع، ولكنه كان مراقباً وفاحصاً لكل شاردة وواردة لكي يستفيد ويفيد في تسجيل ونقل الخبرات والتجارب المتطورة خارج القطر، كما استعان بكامرته في تسجيل الكثير مما عاشه وشهده. كما سجل نبذاً عن كل من التقى بهم في أمريكا سواء بالعمل أو الحياة، لذلك فانك عندما تقرأ هذه التفاصيل تحس وكأنك في فصل دراسي تطبيقي لفنون المسرح، وقد اقترب فيه من المنهج الوصفي للبحث العلمي مقترناً من جانب آخر بالمنهج التاريخي التحليلي. كما تخللت مباحث فصول هذا المجلد الكثير من اللمسات الوطنية والإنسانية والمواقف المبدئية والقيم الأخلاقية التربوية.

إن كتاب بدري حسون فريد وثق في مجلديه ربع قرن من الحركة المسرحية1950-1975 وهي ذروة ازدهارها ومعظم نتاجاتها قامت على جهود ذاتية وفردية ولغرق أهلية من دون الدعم الحكومي الذي اعتمدت عليه الحركة المسرحية منذ الثمانينيات والتسعينيات ولكنها لم تحقق الابداع والازدهار الذي حققته أعمال الفرق الأهلية وبجهودها الذاتية والفردية منذ الثلاثينيات ولو بصورة متقطعة وبلغت ذروتها في الخمسينيات بما تضمنته من صفحات جهادية للتغلب على العقبات المادية وبخاصة التي واجهها بدري حسون فريد في فرقته وفي احترافه وفي دراسته لنيل الماجستير.

وبعد ان انهى دراسته في البعثة التي أرسلته الدولة لنيل الدبلوم في أربعة أعوام، إلا انه استطاع ان ينجز الحصول على الدبلوم والبكالوريوس والماجستير بامتياز في نفس المدة رغم كل العقبات ومنها محاولة قطع راتبه كطالب بعثة.

ونظراً للنجاح الذي حققه خلال دراسته (ممثلاً ومخرجاً)، فقد تلقى عروضاً مغربة عديدة للبقاء في امريكا للعمل في المسرح والسينما، الا انه أصر على العودة إلى الوطن الذي واجه فيه فور عودته سلسلة من المتاعب بدءاً من معوقات معادلة شهادته للتعيين إلى سوقه للخدمة العسكرية وللمحاكمة ايضاً بدعوى انه كان متخلفاً رغم انه كان في بعثة دراسية وقد تجاوز عمره سن الخدمة! ولكنه تغلب بأ يمانه وصبره على جميع تلك المعوقات والمتاعب وواصل نتاجاته المبدعة في المعهد وخارجه وعلى المسرح وفي التلفزيون.

 

لنا كلمة الى وزارة الثقافة والمؤلف

وبعد هذه الجولة السريعة مع بدري حسون فريد في قصته مع المسرح عبر مجلدين لنا كلمة موجهة إلى:

أولا: وزارة الثقافة لتكريم هذا الفنان الرائد المبدع بمناسبة صدور كتابه الذي تولت الوزارة مشكورة إصداره وهو يدخل عامه الثمانين من عمره المديد.

ثانياً: الجيل الجديد من الفنانين وطلاب معهد وأكاديمية وكلية الفنون لدراسة هذا الكتاب بتمعن، للإلمام بالتاريخ الصادق للحركة المسرحية والاستفادة من الدروس والعبر والمعلومات التي تضمنها.

ثالثاً وأخيرا - الأخ الرائد المعطاء الأستاذ بدري حسون فريد.. للتهنئة بتوفيقه في كتابه وليواصل تقديم مجلداته اللاحقة لتوثيق بقية المسيرة وما يتصل بعمله في السينما والتلفزيون والكتابة والتأليف وبنفس الأسلوب النقدي والتوثيقي والتربوي الصادق الذي اعتمده في كتابه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ