الشاعر الكردي العراقي شيركو بيكه س :

 

الشعر حلم وأسئلته أبدية

 

 

  عادل كامل

 

     إذا كان الشعر ، مهماً عرّف ، يخفي أسراره فأن الشاعر الكردي شيركو بيكه س  ، هو الأخر ، لا يقول في الشعر ألا الذي يحمل نبض الشعر الخفي  . أنه يحفر عميقاً في ذاكرة الجبل ، والينابيع ، والعشق ، فكردستان قصيدة كونتها الموسيقى والشفافيات والمصائر و .. قصيدة تحاور العالم ، بما تمتلك من أزمنة ، وخيال ، أطياف تجتاز العثرات ..

     بيكه س ، ولد في مدينة السليمانية العراق عام 1940 .. وهو أبن الشاعر الكردي الوطني المعروف ، فائق بيكه س .. 1905- 1948.. كتب الشعر وهو في السابعة عشرة من عمره .. وأصدر أول مجموعاته الشعرية عام 1968 في بغداد بعنوان (( ضياء القصائد )) عام 1968.. ونشر مع عدد من الشعراء والأدباء الكرد في بغداد البيان الأول المعروف باسم بيان (( روانكه )) أي (( بيان المرصد)) .. وكان يتبنى الحداثة الشعرية والأدبية .. نشر أول مسرحية شعرية عام 1971 باسم (( كاوه الحداد )) .. وقد صدرت له أكثر من 18 مجموعة شعرية باللغة الكردية وترجمت له الى اللغة العربية واللغات الأخرى مجاميع ومختارات .. كما ترجم الى الكردية بعض الآثار العالمية ..

     وإذا كان الشاعر يترأس الآن دار سردم للطباعة والنشر التي تأسست عام 1998 وسردم تعني العصر فأنه لا يفرق بين الشعر والمستحيلات .. أنهما ندان ، الشعر يستنطق أسرار العالم ، والمستحيلات تفتح فجوات للسفر في المجهول : كلاهما لا شريك له ألا الموت الذي لا يموت : أنه هذا البوح ، هذا الذي عنده يكون الغائب حاضراً ..

 

 

 

 

 

 

 وكان لنا معه هذا الحوار :

 

 

·   يصعب تعريف الشعر ، خارج الكلمات .. فهل يخترع الشاعر خلاصه في الشعر ، أم يرجعنا الشعر ، في عصر ما بعد الحداثة ، نحو المجهول ؟

 

 

     - الشعر دائماً هو الحلم الذي يسألْ ، ولا نهاية لأسئلته ! فتعريف الشعر هو كتعريف السر المجهول أو صنع إطار لكي نضع فيه الضوء ! لذا فلا إطار لذلك التعريف أبداً ! واللغة هي الأنثى التي نتزوجها عن حب ومن ثم يأتي الإنجاب والحياة والحركة . والتخيل الشعري هو القوة السحرية التي تجعل الكلمة تطير . لا خلاص للشاعر من الشعر لأن الخلاص هنا يعني الموت أو الصمت . واللا خلاص يعني البقاء في رواية الشعر . فما دامت  هناك  النار الأبدية للقلق وعدم القناعة والظمأ الذي في الروح . وهكذا كان  منذ أن وجد الشعر وهو إن سر بقائه يكمن في احتراقه الدائم !

 

 

 

·   الصمت والكلام ، كلاهما يحملان مغزى الوثبات والأمل .. كيف ينظر شيركو بيكه س الى الشعر ، في عصر الأشياء ؟

 

     - أن الأشياءْ كانت موجودة في كل العصور . ولكن في عصرنا بدأت الأشياءْ تهيمن على الحياة والطبيعة والعلاقات الاجتماعية بسطوة لم يسبق لها مثيل  في كل العصور . وبدأت المساحات الروحية بالتقلص و أنكمش الحب في زوايا الخوف وعدم الثقة وكأنه فقد وجوده . ومن الجانب الأخر تدفق التزييف والتزوير وكأنه هو الأصل . حيث أختلط وجه الله بالوجوه الشيطانية . وعمل الشعر هو أن يحافظ على إشراقة وجه الحقيقة ويمسك بالنور الذي يخرج من الكلمات الطبيعة والجميلة لكي يكتب به . ولكن السؤال الأهمْ هنا : أي شعر نقصده في هذا الزمن ؟! وآنا أقول ، أن يجمع في كينونة ،أو بتعبير آخر أن يذوب فيه الجمال والحقيقة كما نراها ، فالقصيدة هي المرأة التي تبهرنا بجمالها وحقيقة إنسانيتها ووثبات أملها ويأسها أو إن الشعر الذي أقصده . هو الماء الذي لا نرتوي منه أبداً .

 

 

 

 

 

 

·   عشت في المنفى طويلاً : المنفى داخل الوطن ، وفي العالم .. فهل كان الشعر شهادة .. أم .. أحد أشكال استعادة أزمنة النذور ؟

 

     - كلاهما ! . المنفى في العالم كان امتداداً لمنفى الوطن حيث افتقدنا في كليهما ذلك الوهج الذي يشع منه الأمل والمستقبل واللقاءْ . فالغربة هي نوع من الضياع حيث عالمها بلا عنوان وطرق تسلكها لأول مرة وإنك لا تعلم إلى أين  تمتد . . غريب المكان وغريب الزمان هكذا وكأنك في الحلم تمشي ولكن على حافات ضيقة وخطرة ودون أن تسقط في هاوية الموت برغم انك نائم وتمشي ، إلى المنافي الأخرى حيث تكتب عبر الذكريات أمام تلك المرايا التي تكسرت وأحد ة تلو الأخرى .. ولكنك برغم تلك الشظايا ترى نفسك فيها ولكن بأبعاد مختلفة وترى الحزن ، الماضي ، العلاقات التي ذهبت ، بوجوه  متكسرة العيون ليست في مكانها ، والحلم متناثر وغير قابل للعودة مرة أخرى ، والرؤيا كأنها ريش طائر والريح تلعب بها ! نعم الشعر شهادة كأي شهادة أخرى في الحياة . حيث أن اللغة في أصدق خلجانها تتكلم وكذلك تشارك في عملية التغيير المستمر سواءً أكانت في بنية اللغة وجودها وخلقها بصورة مغايرة أخرى ، أم خارج نفسها حين تصير صوتاً بجانب العذابات الإنسانية في كل مكان . الشعر لا يكتمل ألا بإنسانيته . شهادة ليست من أجل الشهادة فقط وإنما بدافع من الحب الإنساني وكأنك مسؤول عن قتل فراشة أو وردة في آخر الدنيا . وكذلك لكل حب نذور ! .

 

·   في سياق تجاربك دخلت فضاء الخطاب الحديث .. هل خرجت من رحم الشعر الكردي الكلاسيكي .. أم كنت تمارس طقوس التحدي ؟

 

 

     - الخطاب الحديث  ليس في شكله وإنما في جوهره . لا شكلانية حديثة ألا وكانت وراءها تجاوزاً في الرؤيا والعقل المتجاوز ، وهو في  اعتقادي الأهم ، أي ان ما يحدث في تغيير الشكل واللغة هو  نتيجة  في  تغير الفكر . هنالك من يكتبون في الوقت الحاضر بشكلانية حديثة تظاهراً بالحداثة ، ولكن خطابهم تراجع الى ألف سنة .. مثلاً أن ما قام به السياب في الحداثة الشعرية من ابداع ، هو  ليس لأنه خرج عن الشكل التعبيري للشعر العربي ، وإنما لأنه خرج على العقل والفكر التعبيري في الشعر العربي ومن ثم عبر عن هذا الخروج بشكل مغاير وجديد أيضاً ، في بداية هذا العشق ، حين كنتُ أقترب من ناره رويداً رويداً وكأنها فراشة والضوء يسجني أو كأنها في محراب سليب . عندما كنتُ أقرأ القصدية الكلاسيكية الكردية لم أكن متحمساً لها ولا استسيغ لغتها الجافة والصارمة . كانت التعابير تخدش رؤيتي ، وكانت مليئة بالمفردات العربية والفارسية والتركية . فكنت أمام قصائد تختلف لغتها عن اللغة التي أستمع إليها في الأغاني الكردية الفلكلورية ومفرداتها تختلف عن مفردات اللغة التي  تستعملها والدتي في البيت حيث تعلمني تلك الأبيات الكلاسيكية ، متقطعة ، ولا أفهمها حيث تبدو اللغة فيها غريبة نوعاً ما . السبب ان اللغة الكردية تغيرت في زمني وفي المدارس الحديثة كنا ندرس في اللغة التي تطورت وأصبح كثير من  مفرداتها كردية خالصة ، وهنا حينما كنت أقرأ لشعراء معاصرين أمثال (( عبد الله كوران )) (( وأحمد هردي )) قصائدهم الرومانسية والوجدانية . كنت اشعر بنشوة شعرية لا توصف . لقد رجعتُ الى دراسة الشعر الكلاسيكي الكردي في وقت آخر ، وهنا أريد ان أقول أيضاً ان إبداع عبد الله كوران يكمن في أولاً : رؤياه المتجاوزة ..  وثانياً : الكتابة بمفردات اللغة التي كانت في متناول الجميع ولكن بفنية عالية وكذلك الرجوع الى أوزان وإيقاعات الأغاني الكردية الفلكلورية الكردية وترك الكتابة بالعروض العربية نهائياً .

     أذن فأنا لم أخرج من رحم الشعر الكردي الكلاسيكي تحديداً . حيث بدأ الشعر الكردي المعاصر يمارس هو طقوس التحدي وأنا منذ بداياتي كنتُ منبهراً بتلك الطقوس . وخاصة باللغة الشعرية الجديدة عند عبد الله كوران وأحمد هردي ، اللغة التي تتكون من الكلمات التي نمارسها يومياً ، كلمات بسيطة ومفهومة ، وفي صور مكثفة ومؤثرة. حيث كان الإبداع في تجلياته الجديدة .

 

 

·   في شعرك ، لا يغيب المكان ، ولا تغيب الحواس ، ولا يغيب الأمل .. هل ثمة إضاءة للروحي في تحديد أبعاد تجربتك الشعرية ؟

 

 

     - نعم المكان . فهو  فسحة وجودنا ومماتنا أيضاً . وما المهد واللحد ألا مكانين . لا شيء خارج المكان وما الزمان بدون المكان ألا خواء كما أعتقد . المكان يعني ما نتحرك فيه ونفكر فيه ونعمل فيه حيث يؤشر لوجودنا بكل ما فيه من أصغر خلية ،ولنقل غرفة، إلى كوكبنا ، هو المكان  وهو  الحضور الدائم في قصائدي . هوفي قصائدي التكوين والاستذكار والهوية . حيث أنني لا أستطيع أن أتصور الحياة بدون الأمكنة . بدون الحركة فيه وبدون الإنسان فيه . ان الرجوع الدائم الى الأماكن يعني ما يتضمن مني ومن ذاتي ومن العقل الإنساني العلاقات التي مزجتهن بمحيطي سواءً عن طريق الذهن أو الفعل . ان عدم غياب المكان في شعري هو عدم غياب الذاكرة أيضاً . أي عدم النسيان الذي هو الموت بحد ذاته . أن قصائدي تحفر في أرض الذاكرة لاستعادة ما نسيناه من الينابيع ولاستعادة مياهها الجوفية لكي تتدفق مرة أخرى . الحواس اختصاراً تعني الإنسان ، تعني التواصل الدائم مع الطبيعة والآخرين . وما الروحي ألا   شم  الأسرار ولون الحُلم والشعر معاً . فإذا فرغنا الحب من الحواس ماذا يبقى فيه غير الفراغ المرعب . أبعاد التجربة الشعرية هي أبعاد للرؤيا وهو نضوج اللغة وثمارها كما وتعني الممارسة في سر تكوين سحر اللغة وآفاقها المتنوعة .

 

 

 

 

·       مع تجارب عربية في الشعر الحديث .. أين تلتقي وأين تفترق .. وهل كنت تستعين بمرجعيات أخرى ؟

 

     - مرجعيتي الأولى ، بعد اللغة الكردية هي مرجعية اللغة العربية . ومن خلال تلك اللغة تعرفتُ على الآداب والثقافة العالمية . أي من خلال مكتبتها ، فتحت أمامي كثير من النوافذ الشعرية والأدبية غربياً وعالمياً . لقد دخلتُ الى هذا العالم من خلال ممرات مضيئة للإبداع ، أتذكر ان أول ما قرأته وبصعوبة ، في الشعر العربي ، مستعيناً بالأصدقاء والقواميس كان نتاجات شعراء المهجر وأولهم كان ( جبران خليل جبران ) وبعدها بسنوات كان للسياب حضوره الدائم في خطا حياتي الشعرية . وأود أن أقول هنا . برغم مرور كل تلك السنوات بعد رحيل هذا الشاعر المهم . ما زالت حرارته الشعرية ونبض قلبه ولغته الشفافة وصدق عذابه ، أكثر تأثيراً على مشاعري مقارنة بكثير من القصائد التي تنشر في هذا الأيام . ان خارطة الشعر العربي الحديث هي خارطة كبيرة وجغرافيتها الشعرية واسعة ومتشعبة الفروع والأنماط والأساليب والتكوين . سوف أقول وباختصار شديد : ان للحداثة الشعرية العربية وغيرها ، عيوبها ، وأبرزها هي في  لغتها المقفلة في كثير من نماذجها وكذلك لذهنيتها المغرقة في التجريد اللفظي . وكأنها تلعب بالكلمات عبثاً وكيفما كان . أو كأنها مترجمة من لغة أخرى ترجمة باهتة لا روح فيها . لا معنى ولا إيقاع ولا انبهار ولا ضوء ولا استعارات مهمة . وما هو الشعر ؟! ، أي أن لم يعد الشعر ديوان العرب ، فغياب الوضوح كوضوح بحيرة عميقة وغياب الإيقاع والرنة وظلال الكلمات ، ومروره في ذهن القارئ مروراً بارداً دون أن يترك أي أثر حسي فيه . فكثير من النتاجات الشعرية في الوقت الحاضر غير مقروءة  حتى من قبل النخبة المثقفة ، لأنها لا تمس لا شغاف القلب ولا الفكر . ويبدو ان (( تقديس الحداثة )) اضرت كثيراً بالشعر الحديث . لأن كل تقديس ولآى شيء ، يغلق في النهاية الطريق أمام الإبداع الجديد . وتنفي الأسئلة . وهكذا يكون التقديس في نهاية المطاف ضد الانفتاح والتنوع في الرؤيا .

     أنني دائماً ألتقي بالقصائد التي هي  كالماء ولكن  في اسراره  . أقصد الشعر الذي يخترقك قلبياً وعقلاً ودون أي تنظير مسبق . وستبقى في اعتقادي قصائد (( السهل الممتنع )) من أجمل القصائد وأخلدها في كل اللغات دائماً . وهذه لا علاقة لها لا بالزمن ولا بالقديم والحديث وما بعد الحداثة . أنها لكل الأزمنة ، مثل الحب و الطير والشجر والهواء .. فهي تختلف  عن القصائد المغرورة وثقيلة الدم وثقيلة اللغة على القلب والأحاسيس حيث لا يتم التواصل معها أبدأً !

 

 

 

 

 

·   الحداثة وما بعدها مفاهيم مازالت تستكمل معمارها .. كيف تنظر أليها في عصر التصادمات والتحولات .. أي : ما دور الشاعر في عصر العولمة ؟

 

     - في كل العصور . هناك شعر أو لا شعر . أي ان الإبداع لا زمن له فباستطاعة قصيدة جميلة أن تجري مثل نهر خالد عبر الأزمان كلها . فمثلاً قصائد عمر الخيام أو حافظ شيرازي أو نالي أو المتنبي أو أبو نؤاس تعيش في دواخلنا  الى حد الآن وهنالك قصائد تولد اليوم وتموت  في اليوم نفسه  أيضاً ! . في عصر العولمة ، عصر التصادمات ، والتحولات ، كما تقول . على كلمات الشاعر أن تزهر فوق العالم الصلد كي تؤشر برغم الحروب والأحقاد والضغينة على بقاء الحب والتداخل مع الأتي الجميل . الشعر يعني بقاء الأغنية برغم قسوة الطلقات وهدير المدافع . أنه الطفل والينبوع في زمن تسحق فيه  وبدون رحمة الأزهار والطيور . النص هو الوعاء دائماً ولا يعزل عن ما فيه فكيف نستطيع ان نعزل مثلا مزهرية عن ما  فيها . أو قلباً على ما يختلج فيه ، المعنى في الشعر كالضوء في القنديل . وهي اللغة حين تحلق في صورها الشعرية وهذه تكمن في قوة الرؤيا والتخيل عند الشاعر ، والمعنى بهذا التعبير حساسية بالدرجة الأولى وغير عقلانية كما في النصوص المعرفية . وبالمناسبة أقرأ كثيراً من النصوص الشعرية وكأنها مقالات معرفية وهي بعيدة عن الخيال والفضاء الشعري . أي ان النص لا قلب له ولا حُلم . والشعر دائماً يتكلم الحلم . لهذا فأن المعنى هنا له منطقه المجازي والصوري والتساؤلي . وبهذا المفهوم فأن المعنى له فضاءات أوسع بكثير كما تحتويه المفردة أو الكلمة في قاموسها الأولي . في الشعر ، كما تعلم ، لا أجوبة  نهائية ولا قناعات  مطلقة . لذا فأن الإمساك بمعنى محدد وتفسير محدد صعب المنال . ولكن القصيدة تتكا مل بكل ما فيها من الصدر والإيقاع والمعنى ولا تحلق إلا من خلال الإلقاء الجيد ، إن الشعر والإلقاء الجميل كالطير والأجنحة . والشعر سمعي أكثر منه تبصري !  .

 

 

·       الجمال أو السر أو اللغز .. لا تنعزل عن مشكلات النص .. فكيف يتحقق المعنى داخل الشعر .. ؟

 

 

     - إنك تعلم ، إنني أكتب باللغة الكردية فقط . يعني بلغة الأم . وآنا أعتقد ، مهما تضلعت في لغة أخرى فأنت لا تعرف كل أسرارها بدقة كما في لغتك الأصلية والتي تكبر معها من البذرة الى اكتمال شجرتك الحياتية ، نعم كردستان هي الوجود التام والتي كانت على مر العصور قد تحولت على يد الغزاة والبرابرة الى محرقة دائمة لنا . وكنا على مر العصور غرباء في عقر دارنا . لم يكن لنا أصدقاء سوى جبال بلادنا . لقد اقتطعت كردستان الى أوصال وتمت بيعها في سوق المساومات الدولية وتمت تقسيمها بين العراق وتركيا وإيران وسوريا . إذن فأنا شاعر لغة وأرض وتاريخ قد تلطخت كلها بالدماء . لقد كبرتُ مع هذا الألم . ودخلت تلك العذابات الى مسامات جسدي خلية فخلية . فكانت الحرية الهاجس الأول والأخير لنا . وانا شاعر فماذا أفعل ؟! والفعل هنا بالنسبة ألي هو: الكتابة . ولكن المعضلة هنا . كيف نكتب شعراً للحرية أو القضية ولا نساوم على خطابها الفني ؟! لقد سقطت كثير من القصائد إلى هاوية النسيان أو تلاشت كما تعلم ، لأن لغتها أصبحت خارج الفضاء الشعري وتحولت إلى لغة ساذجة ومباشرة . أي لغة غير شعرية . أنا أعتقد بأن (موضوع أو فكرة القصيدة ) لا تختلف القصيدة المبدعة لوحدها ، وإنما الجوهري هو كيفية استخدام اللغة هنا ! كما ونحن نعلم هنالك كتابات شعرية كثيرة في اللغة العربية مثلاً (( قصائد في التصوف )) ولكن قليل منها بقيت في النهاية حيث ان معظمها خالية من أي إشراق أو انبهار ! . ونفس الشيء في المساحات الشعرية الأخرى( في الوطنية و وقصائد الحب والغزل والغربة .. الخ .. ومن خلال تجربتي توصلتُ إلى أيجاد (( مساحة وسطية )) وهو أن الشعر : إذا فتحت جميع أبوابه الكل يخسر الشعر ، وإذا أغلقت جميع جميع أبوابه يخسر قراءه . أن معظم القصائد المنشورة في الوقت الحاضر هي  من النوع الثاني في الحداثة الشعرية . ولكن هنالك المساحة الوسطية . ومن الجهة الأخرى هنالك قراء الشعر ، حيث لا نستطيع      

 المساومة عليها لخاطر القراء . مهما كان الموضوع مقدساً أيضاً .

لأضرب مثلاً بسيطاً . فأنا أقول في إحدى قصائدي القصيرة :

داخل المضيق الجبلي

كل المصابيح كانت مطفأة

ما عدا واحداً

هو قنديل شاعر سهران

فوق جُرح قصيدة ساهرة .. مثله !

هل هذا شعر ؟! وهو السؤال الأهم في نظري . فإذا كان شعراً ، هل هو مغلق تماماً ؟! وكذلك هل هو مفتوح تماماً وتحولت بساطتها الى سذاجة شعرية . أترك الجواب للآخرين ! .

أعود الى السؤال . ان حجم الكوارث عندنا هائل ومرعب ففي سنة 1988 لوحدها وفي حملات الأنفال سيئة الصيت وفي قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية . في الأولى اختفى عن الوجود 182 ألف كردي على يد الديناصور البعثي وفي الثانية خمسة آلاف في ثواني معدودة . فماذا يفعل الشعر أمام هذه الكوارث ؟! هل نصمت ؟! أنا أعتقد أن موت الفنان والأديب في صمته ! ولكن كيف نكتب ؟! أن سلسلة الكوارث هذه حولتني إلى شاعر ينحاز إلى  كتابة الملاحم . في هذا العصر الغير ملحمي . ولماذا لا ؟! وهكذا كتبت " مضيق الفراشات " و "سفر الروائح " والتي ترجمها الى اللغة العربية الأديب آزاد البرزنجي . وكذلك (( الصليب والثعبان ويوميات شاعر )) والتي ترجمها الى العربية المترجم والباحث " دانا أحمد " في الآونة الأخيرة وسوف تطبع قريباً . وأخيراً (( أناء الألوان )) والذي  ترجمه المترجم والكاتب " شاهو سعيد " قبل عامين حيث تمت طباعته في مطابع دار الآداب في بيروت قبل عام . نعم تلك هي المحركات وأنا شاعر الذاكرة الكردية حيث أحفرها بالشعر على الدوام !

 

 

·   كردستان .. ليست المكان أو حتى الزمن .. أنها الوجود التام .. فهل كانت ، في شعرك ، أحد المحركات .. ما الذي يضاء في هذا المجال لقراء يجهلون قضايا الكرد ؟

 

     - لا أدري لماذا كثير من النتاجات الشعرية والأدبية الجميلة في العالم خرجت من رحم العذابات ؟! عذاب الشعر كعذاب زهرة تنبتُ فوق الصخر تماماً ! . عذبني الشعر لكي أنمو شعرياً . أنه كعذاب السنبلة في مخاضها الأرضي ولكن في النهاية تعلم أنها تدخل في تكوين خبز ويسعد الآخرين ! . نعم صار الشعر حياتي . والشعر عهد أيضاً حيث قررتُ أن لا أخونه أبداً حتى بكلمة واحدة طوال 35 عاماً . وبسبب حبه حملته في قلبي والتحقنا سوية بالجبال وبصوت المقاومة . وبسببه أبعدتُ الى منطقة ( هيت )ومن ثم للمرة الثانية والثالثة كنا في الكهوف الجبلية . وأخيراً طالت المسافات وشقائها . القصيدة هي الحياة وللحياة أبعاد كثيرة خارج دلالاته المتداولة أيضاً من الدلالات اليومية إلى الدلالات الوجودية . إنها تتحول إلى كل شيء . لقد تحولت القصيدة إلى تجربة شعرية ، إلى (( بندقية )) ومنها إلى بسمة امرأة والى بكاء طفل وحنجرة حمامة والى اللون والرائحة وتحولت إلى فراشات في مضيق الغربة والى دمعة صوفي في خلوته أيضاً ..الشعر هنا وجود يجد مكانه ابتداءً من قطرة  الماء الى أخر كوكب في الكون ! .

 

 

·   ما الذي يخسره الشاعر ، وما الذي يكسبه ، في نهاية المطاف .. في رحلة تشبه دخول عتمة بحثاً عن هدف غير مرئي أو لا وجود له ؟

 

 

     - الشاعر الحقيقي كالعاشق تماماً . لا يلتفتُ الى الخسارة والربح أبداً . وإنما الى احتراقه المتواصل دون أن ينتظر شيئاً ما . أنه الجدول الذي يجري في العتمة وتحت الشمس والمهم ان لا يتوقف ولا يصمت . ليقل كلمته ويرحل . وفي النهاية حين يجئ الموت  لا يأتي إلا كحقيقة مطلقة . فالذي يبقى بعد الشاعر هو فقط ثمة قصائد قليلة تصمد أمام الزمن وبإصبعها تؤشر الى الحقيقة والجمال .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

·   هل كان الشعر ، عندك ، مثل الذهاب الى المستحيلات .. أم كان الشعر ، محض علامة لوجود يتمم غموضه المتواصل ؟

 

     - الشعر هو الخوض في الأسرار . أو الولوج الى سويداء اللغة . أنه البحث عن الضوء في العتمة أو محاولة كشف مستمر داخل المجاهيل  التي لا نهاية لها . أنه قدر كقدر سيزيف مثلاً . الشعر عندي مثل الذهاب الى وسط بحر متلاطم الأمواج ، أو الدخول الى  حَلم يخيفك قبل أن تطأ إقدامك فيه . وما القَلَق إلا الطريق المؤدي الى الشعر . لا طمأنينة في هذا السفر الدائم . فكل مرة حين أكتب شعراً يراودني الخطر ولا تراودني السلامة ! . وفي كل مرة تتغير الطرق والمسافات والمجاهيل هنالك اللحظات الشعرية التي تسبق الكتابة وكأنك أمام نار وأنت تفكر بتجاوزها ولكن من أين ؟! أنها البداية التي توقفني دائماً قبل الدخول الى عالمه . إنه علامة أيضاً ولكن ليست لها محطة ثابتة ، علامات تشير الى علامات   متلاحقة . لا ارتواء لي ولا قناعة بما أنجزه . فأنا أحب أخر ما أكتبه وبعد ذلك أعود الى حالة من الخواء وكأنني لم أكتب أي شعر على الإطلاق . هنالك فترات أكتب خلالها قصائد  مثل المطر تنزل مدرارا   . وهنالك فترات ربما تمتد الى شهور وأنا لا أكتب فيها أي شيء ، كأني نسيت الكتابة أصلاً  .. سماء وسحابة ولا قطرة ! ، وفي الحالات هذه أقترب من حافة الجنون واليأس ! . إن كتابة الشعر هي كتابة القلق الذي لا حدود له وكلما توغلتُ فيه تجد أمامك عوالم متغيرة على الدوام . حيث للغة متاهاتها وألغازها وسحرها  .. أسفار في البحار وثمة سراب يظهر على شكل ضفاف وكلما اقتربت منها يختفي السراب وكأنك في بداية الأسفار ولم تتقدم خطوة كأنه لا يوجد ( الأمامْ ) . هل هو الضياع ؟! لا أدري . ولكنني متأكد من أن شيا واحدا  وهو أنني مازلت  أكتب حتى  هذه اللحظة ولم يجئ الموت ..                                                                                الحقيقة الوحيدة التي باستطاعتها أن يجبرني على الصمت !       

Ak47882@yahoo.com