|
محاكمة منتظر الزيدي ولحظة الحسم |
|
|
|
عبدالحسين شعبان |
|
2009-02-16
وبعيداً عن الانحياز المسبق أو لغة التمجيد والتأييد أو التنديد والتفنيد، دعونا نفحص الحدث بمقاربة مختلفة، ثم ندقق في كل الأطروحات المنحازة أو المناوئة. ولا
بد هنا من
التمييز بين
الرأي
الشخصي والرأي
المهني وبين
الرأي
السياسي
والرأي الحقوقي،
فثمة من يقول
إن ما قام به
الزيدي كان
الطريقة
الوحيدة
التي
يمتلكها
للتعبير عما يجيش
في قلوب
غالبية
العراقيين
والعرب إزاء السياسة
الأميركية،
لا سيما بعد
كل الآلام والمآسي
التي حلّت
ببلدهم،
وبالطبع لا
أحد يريد أن
يقارن ماذا
كان سيحل
بالصحافي
الزيدي لو تجرأ
وخاطب رئيس
النظام
السابق
باللغة
ذاتها أو حتى
بأقل منها!؟ يضاف إلى ذلك أن شاباً يسارياً حالماً ومجروحاً على المستويين الشخصي والعام، أراد أن يصنع أسطورته بعد إجهاض أسطورة التغيير الذي ظل منتظر ينتظره، وهكذا ضاع حلمه وتبدد الأمل من بين أصابعه، وهنا امتزج العام بالخاص، فأنتج ردة فعل أرادها على طريقته الخاصة، باستقبال ضيف ثقيل لم يحترم أصول الضيافة، وهنا اعتملت في نفسه ازدواجية مشاعر الوطني والمهني، فحاول أن يؤرخ اللحظة حسب ألبير كامو!! ولكن بطريقة سياسية، لكنها غير مهنية! لقد استمر الوعي العراقي في حالة من الشحن ومحاولات التزييف، لا سيما في ظل حشود مليونية مسخّرة، وانتخابات استقطابية حاشدة، وانقسامات تمزيقية حادة، وغياب الدولة وهيبتها، وشعور عام باليأس والهزيمة، وضعف الشعور بالمواطنة، لدرجة أن فعلاً غير متوقع كالذي حصل أعاد صدم المشاعر سلباً أو إيجاباً من جانب جميع الأطراف!! لا يطيح الحذاء بالاحتلال ولن يعيد الكرامة، ولا رمي الحذاء دليل عمل جبان أو عدم احترام للضيف أو تعبيراً عن عدم التحضر. فالتحضّر بالمدنية واحترام المرأة ومساواتها مع الرجل واحترام حقوق الأقليات والسير في درب الحداثة وتحقيق التحرر الوطني والاجتماعي وبالتخلص من الاحتلال والهيمنة! لعل هناك من جرحت كرامته حين طار الحذاء السريالي بغض النظر عن مقاصده ونواياه ومهنيته، وهناك من تجرح كرامتهم مهنياً ووطنياً كل دقيقة عندما يشاهدون الجنود الأميركان وهم يذلّون العراقيين ويرسلون الجثث المقطوعة الرؤوس المجهولة الهوية إلى المقبرة، ويمارسون الاغتصاب والتعذيب ضد النساء والرجال على حد سواء. جاء الرئيس بوش بزيارة غير رسمية إلى العراق، خارج ما تقتضيه الأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية، فهو لم يتلق دعوة من الحكومة العراقية، كما لم يطلب هو بدء زيارة علنية محددة بزمن، بل جاء بزيارة مفاجئة دون أن يبلغ أحداً، ليؤكد أن الأمن مستتب وأن مشروعه الإمبراطوري نجح في العراق بتوقيع المعاهدة الأمنية العراقية- الأميركية، ولكن من جهة أخرى فإنه قام بخرق السيادة العراقية المزعومة، تلك التي يتم التشبث بها صباح مساء، حيث كانت زيارته أقرب إلى التسلل وللقاء القوات الأميركية الموجودة في العراق بما يتعارض مع اتفاقية فيينا حول العلاقات الدبلوماسية العام 1963، وعندما وصل إلى العراق طلب من رئيس وزراء العراق مقابلته ليحتفلا بالمنجزات المتحققة. إذا كان خيار الزيدي سياسياً وليس إعلامياً أو مهنياً برمي الرئيس بوش بفردتي حذائه، فهل كان تصرف الحماية الخاصة وعدد من زملائه مهنياً؟ كان يمكن إخراجه من القاعة واتباع الإجراءات الأصولية بحقه، على افتراض أنه قام بعمل يخالف قواعد القانون، الأمر يقتضي مساءلة، لكن الهمجية التي استخدمت ضده وألحقت أضراراً بدنية ومعنوية به، بما فيها كسر إحدى أسنانه والتقرحات في عينه والضرب المبرح والكدمات التي لا تزال على وجهه وأطرافه كما أفاد فريق المحامين الذي زاره واطلع على تقارير الطبيب، تضع أكثر من علامة استفهام على هذا التصرف اللاحضاري من جانب جهات رسمية تمتلك سلطة القانون التي يمكنها أن تكون فيصلاً في إدانة أو تبرئة المتهم الزيدي، وإذا كان رجال السلطة يتصرفون هكذا، فمن سيحمي المواطن من التجاوز إذا كان من يعمل على إنفاذ القانون يتعامل معه بهذه الطريقة؟ لعل
هذه الصورة
ستبقى راسخة
في الأذهان
مثل صورة رمي
الحذاء،
والصورة
خبر، وبهذا
المعنى تُغني
عن أدلة
وأسانيد
وشهود
ودوافع
وقرائن طالما
شاهد العالم
أجمع أن اعتداء
سافراً
وصارخاً حدث
لمنتظر
الزيدي، وهو الأمر
الذي يخرج
قضية رمية
الحذاء على
الرئيس بوش
من نطاقها
السياسي إلى
إطارها
القانوني. وإذا
أحلنا
المسألة
للمعيار
القانوني العراقي،
فيمكن
الرجوع إلى
قانون
العقوبات البغدادي،
رقم 111، لعام 1969،
وهو القانون
الذي جمّد
الكثير من
نصوصه بول
بريمر
الحاكم
المدني الأميركي
للعراق (مايو
2003- يونيو 2004)
وظلّت دون تعديل،
ولا سيما
المواد من 156
وإلى 225، حيث
اعتبرت معطلة،
وإذا
استبعدنا المادة
223 الخاصة
بالقتل أو
الاعتداء
السافر الذي
لا يصل إلى
درجة القتل
أو الشروع
فيه بخصوص
رئيس دولة
أجنبية
أثناء وجوده
في العراق، وهي
تقرر
أحكاماً
غليظة لكنها
لا تنطبق على
حالة
الزيدي، فإن
المادة 227 تقضي
بعقوبة لا
تزيد عن
سنتين
وبغرامة لا
تزيد عن 200 دينار،
على كل من
أهان بإحدى
طرق
العلانية
دولة أجنبية
أو منظمة
دولية لها
مقر في
العراق أو
أهان رئيسها
أو ممثلها أو
علمها أو
شعارها
الوطني. نقل السيد رئيس الوزراء نوري المالكي إلى عدد من الصحافيين الذين التقاهم بعد أقل من أسبوع على الحادث أن الزيدي اعترف بأن هناك من دفعه للقيام بمثل هذا الفعل، ورددت بعض الأوساط أخباراً عن اعتذاره، لكن أخباراً وردت عن طريق محاميه أشارت إلى أنه يرفض الاعتذار ويريد الحصول على حقوقه إزاء الأضرار التي تعرض لها بالاعتداء عليه. وعلى افتراض حصول الاعتراف، فإذا كان تحت الإكراه والتعذيب فسيكون باطلاً ولا يعتد به، ولا بد من حضور محاميه أمام قاضي التحقيق، ومن المحتمل أن يكون قد تعرض للتعذيب النفسي أو الجسدي، والمهم الآن بغض النظر عن تهمة «ارتكاب» رمي الحذاء، تأمين الحقوق القانونية والحماية الكاملة للزيدي وحقه في محاكمة عادلة واحترام حقوقه كإنسان في إطار اللوائح والمواثيق الدولية، ناهيكم عن حقوقه في مقاضاة من قاموا بالاعتداء عليه وتعويضه تعويضاً مادياً ومعنوياً. جدير بالذكر أن الدستور العراقي النافذ لا يتضمن إشارة إلى ما يفيد النظر في قضية مثل قضية الزيدي، مع أنه أكد على استقلال القضاء، وهذا يعني عدم جواز تدخل السلطة التنفيذية (الحكومة) بمساره، كما لا يحق لها إطلاق التصريحات، وربما الإشاعات التي قد تؤثر عليه، وحسب شروط المحاكمة العدالة، لا يحق للقضاء تسريب معلومات للسلطة التنفيذية، أو للإعلام أو لأي جهة من شأنها تشويه موقف المتهم، أو خلق رأي عام ضده، وفي حالة منتظر الزيدي، خلق رأي عام مضاد للرأي العام المؤيد له، لأن مثل هذه الأمور قد تؤدي إلى تشويه صورته، وفي ذلك مقاربة غير سياسية، ولكنها تستمد كينونتها من الحيثيات القانونية!! |
|
|
|
|
|
صحيفة العرب القطرية العدد 7554 الإثنين 16 فبراير 2009 م ـ الموافق 21 صفر 1430 هـ |