في هذه الحلقة سأحاول مناقشة موضوع العولمة والموقف منها في ضوء الملاحظات المكثفة الواردة في الحلقة الثانية من الحوار الجاري بين الأستاذ سيّار الجميل وبيني بما يشير إلى الكثير من نقاط الاتفاق وبعض نقاط الاختلاف. ويهمني جداً أن أطرح بوضوح رأيي بطبيعة العولمة ومفهومها ومضمونها واتجاهات تطورها.
في حوزتي كتاب الأستاذ الدكتور سيّار الجميل الموسوم "العولمة الجديدة والمجال الحيوي للشرق الأوسط – مفاهيم عصر قادم". والكتاب صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق ببيروت في العام 1997 وقرأته بعناية , كما صدر لي كتاب بجزئين بعنوان "العولمة من منظور مختلف" , عن وزارة الثقافة العراقية ببغداد في العام 2005 , ونشرت عدة مقالات عن ذات الموضوع في مجلات عربية وأجنبية منذ العام 1995 , وهناك العشرات من الكتب التي صدرت خلال الأعوام العشرة المنصرمة بالغغة العربية والإنجليزية والألمانية , ومنها كتابات الأستاذ الدكتور سمير أمين , وكتاب فخ العولمة لكاتبين ألمانيين الذي قام الأخ الدكتور فالح عبد الجبار بترجمته ترجمة ممتازة, وهي كلها كتب ودراسات مهمة للغاية ومتباينة في رؤيتها وموقفها من العولمة , وهو أمر اعتيادي ويساعد على فهم الكثير من جوانب هذه المقولة المعبرة عن قضية أساسية في تطور الرأسمالية.
ابتداءً لا بد من التمييز بين مسألتين : الأولى تمثل واقع التطور التاريخي للرأسمالية على الصعيد العالمي من حيث مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية , إذ أن هذا التطور خاضع لفعل قوانين اقتصادية موضوعية بغض النظر عن إرادتنا ورغباتنا الذاتية , وسواء قبلنا بذلك أم رفضناه , وسواء كرهنا الرأسمالية وناضلنا ضدها أم رضينا بها وارتضيناها لمجتمعاتنا. وليست هذه العملية الموضوعية بنت اليوم بل هي نتاج تطور اجتماعي تاريخي , ها نحن نعيش مرحلة متقدمة منها. أما الثانية فتجسد السياسات الرأسمالية العولمية التي تمارسها الدول الصناعية المتقدمة بمراكزها الثلاثة , وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.
تعتبر العولمة من الناحية الموضوعية مرحلة جديدة متقدمة من مراحل تطور الرأسمالية على الصعيد العالمي , إذ أن لها امتدادها في تاريخ الرأسمالية منذ نشوئها وتطورها والتحولات التي شهدتها في القرن التاسع عشر , وبشكل خاص في النصف الثاني منه وأوائل القرن العشرين. وهي نتاج الثورات الصناعية المتتالية والتحولات البنيوية العميقة التي كانت تجري في رحم الرأسمالية المالية , منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى بداية العقد السابع من القرن العشرين, والتي اتخذت مسارا أكثر وضوحا وتميزا مع انهيار نظام الحكم الاستعماري القديم والبدء بممارسة أشكال جديدة للهيمنة والاستغلال الرأسماليين على اقتصاديات وشعوب بلدان القارات الثلاث , آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وبعض دول أوروبا الأقل تطوراً والذي أطلق عليه صواباً بـ "الاستعمار الجديد" تمييزاً له عن الأساليب القديمة التي مورست في الهيمنة الاستعمارية. ثم تسارعت هذه العملية في أعقاب انهيار بلدان "المنظومة الاشتراكية" وتفكك الاتحاد السوفييتي وحل مجلس التعاضد الاقتصادي واختفاء ما كان يطلق عليه بـ "السوق الاشتراكية" , إذ أن العوائق التي كانت تحد من حركة الرأسمال العالمي ونشاط الاحتكارات الرأسمالية المتعدية الجنسية قد غابت , ولم يعد هناك سوى نضال شعوب البلدان المامية!
والعولمة الرأسمالية الراهنة عملية مستمرة , وهي لا تزال في بداية مراحل تطورها وأمامها طريق طويل , وتشمل جميع مراحل عملية إعادة الإنتاج [الإنتاج, التوزيع, التبادل والاستهلاك] , أي العملية الاقتصادية بمجمل مراحلها , كما أنها نتاج متقدم للمجتمعات البرجوازية الرأسمالية والمدنية المتقدمة , ولكن دورها وفعلها وتأثيرها ونتائجها أو عواقبها لا تقتصر على تلك المجتمعات المتقدمة فحسب, بل تمتد بفعلها وتأثيرها , سلبا أو إيجابا , إلى بقية بلدان وشعوب العالم , ومنها البلدان النامية والعالم العربي كجزءٍ منها , فنحن نعيش في عالم واحد رغم انقسامه إلى عالمين : عالم التقدم وعالم التخلف , علم الغنى وعالم الفقر , عالم الإنتاج وعالم الاستهلاك. ويمكن فيما يلي تشخيص عدد من أبرز الخصائص التي تميز هذه العملية والمحيط الذي تنشأ وتتطور فيه:
1. تأخذ العولمة مضمونها واتجاهات تطورها من طبيعة النظام الرأسمالي بطبيعته ومضمونه الاستغلالية ومن القوانين الاقتصادية الموضوعية الفاعلة في الرأسمالية على الصعيدين الدولي والمحلي , ومنها قانون القيمة وقانون فائض القيمة وقانون التطور غير المتكافئ في ما بين اقتصادات الدول , وكذلك في ما بين الفروع والقطاعات الاقتصادية والمجتمعات , إضافة إلى قانون اقتصادية أخرى منها مثلاً قوانين التطور المطرد للقوى المنتجة وإنتاجية العمل وقانون العرض والطلب والعلاقة بينهما.. الخ. ويمكننا أن نتابع هذا التطور المتباين في واقع التقسيم الدولي للعمل بين الدول المتقدمة والدول النامية أو المتخلفة.
2. تتطور عملية العولمة الرأسمالية في عالم واحد ولكن بشكل غير متكافئ ولا متساويٍ, كما أن هذا العالم الواحد منقسم على نفسه إلى عالمين, عالم التقدم والتطور والثورة العلمية والتقنية, عالم الإنفوميديا بما يصدره لنا من معلومات صحيحة ومزيفة أو مشوهة وما ينتشر فيه من غنى فاحش حتى التخمة من جهة , وعالم التخلف والفقر والحرمان والتشرد والمرض والجوع حتى الموت من جهة أخرى , عالم المراكز الرأسمالية الثلاثة الأكثر تقدماً (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان) , وعالم المحيطات (الأطراف) ذات المستويات المتباينة في التطور التي تدور في فلك تلك المراكز على مدارات مختلفة في بعدها أو قربها من تلك المراكز وهي تعاني من أبشع استغلال وأكثره شدة. وبعض تلك الدول التي تدور في المحيطات تقف على حافة الانتقال إلى مواقع المراكز أو الاقتراب منها. والإشكالية هنا ليست في الغنى والفقر المالي أو في مستوى معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي السنوي حسب , بل وبالأساس في كون هذه المراكز الثلاث بشكل خاص هي المواقع المنتجة والمصنعة والمصدرة للسلع والعلوم والتقنيات الحديثة وبراءات الاختراع , في حين لا تزال دول المحيط عموماً هي المستقبلة والمستهلكة لها , والتي تجد تعبيرها في تنامي التباين والفجوة في مستوى تطور الأبحاث والاقتصادات والمجتمعات والإنتاج وإنتاجية العمل ونوعية الإنتاج , وكذلك في مستوى حياة ومعيشة الأفراد ومداخيل وظروف عمل سكان البلدان المختلفة بشكل ملموس.
3. وفي ظل هذا الواقع لا تقود العولمة إلى إضعاف التناقضات الاجتماعية على الصعيدين المحلي والعالمي , بل تساهم في تفاقمها واتخاذها أبعاداً جديدة واتجاهات جديدة تتجلى في صراعات ونزاعات من نوع جديد أيضاً وأكثر شراسة , يفترض أن تؤخذ بنظر الاعتبار , إذ أن الدول والشركات الرأسمالية الصناعية المتقدمة تحاول بشتى السبل الاستفادة القصوى من اتجاهات تطور العولمة الرأسمالية لصالحها وزيادة أرباح الشركات الاحتكارية العملاقة المتعددة الجنسية على حساب شعوب وبلدان العالم الثالث من ناحية , وعلى حساب الفئات الكادحة والفقيرة من شعوب الدول الرأسمالية المتقدمة من ناحية أخرى. وإذا كانت الحرب الباردة بين المعسكرين السابقين قد انتهت , فأن التناقض والصراع بين بلدان الشمال الرأسمالية المتقدمة والبلدان النامية المتخلفة في الجنوب لم ينتهيا , بل أنهما في تفاقم , وهي نتيجة منطقية للسياسات الاستغلالية التي تمارسها بلدان الشمال الصناعية المتقدمة , وخاصة الدول الصناعية السبع الكبار ومؤسساتها المالية الدولية. والظاهرة البارزة التي يمكن تشخيصها خلال العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين تشير إلى محاولات جادة من جانب القطب الأوحد في العالم , أي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى إلى فرض هيمنتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية وسياساتها في البيئة على العالم كله وتحقيق مصالحها واعتبار العالم كله منطقة نفوذ لها ولـ "مصالحها الحيوية" وترفض المساومة على ذلك. ويحمل هذا الأمر في ثناياه مخاطرة كبيرة على الأمن والسلام في العالم كله. ونجد تجلياته المباشرة في منطقة الشرق الأوسط.
4. والعولمة , كظاهرة موضوعية , تعني ثورة مستمرة في مستوى تطور القوى المنتجة في الجزء الأكثر تقدما من العالم الرأسمالي وبتعاظم الطابع الاجتماعي للقوى المنتجة , ومنها العلوم طبعاً , واستمرار امتلاك الرأسمالية القدرة على توفير التناغم النسبي المطلوب بينها وبين علاقات الإنتاج الرأسمالية , إذ أنها تعمد إلى المزيد من الخصخصة ونقل المزيد من مهمات الدولة إلى القطاع الخاص , وهو الذي يساهم في تعميق الفجوة بين الطبيعة الاجتماعية المتنامية للقوى المنتجة والطبيعة الخاصة لملكية وسائل الإنتاج. ورغم ذلك يسمح التوافق النسبي بينهما والمنافسة القائمة في ظل الرأسمالية , رغم تنامي الاحتكارات المتعددة الجنسية , إلى تثوير عملية التطور والتقدم في القوى المنتجة المادية والبشرية وتغيير بنية الإنتاج والخدمات وإنتاجية العمل والإدارة الاقتصادية , ويفتح لها المزيد من الدروب لاستخدامٍ أوسع للمنجزات الأكثر حداثة في جميع مجالات السياسة والحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية والتعليمية والإعلامية والبيئية , وكذلك في مجالات البحث العلمي في مختلف الفروع وفي الشئون العسكرية والإنتاج الحربي , وفي المواصلات والاتصالات المعلوماتية الدولية , إضافة إلى غزو الفضاء الكوني والبحث فيه وتقريب آجال استثماره الفعلي من جانب تلك الدول ولأغراضها الخاصة ومشاريعها الدولية , وكذلك في البنيات الإنتاجية وأشكال التنظيم والإدارة العلمية الجديدة لمختلف مراحل عملية إعادة الإنتاج الاجتماعية وتنامي دور ومكانة ووظائف الشركات المتعددة الجنسية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافياً وبيئياً وعسكرياً. ولا شك في أن مثل هذا التطور يساهم في معالجة الأزمات الدورية التي تعاني منها الرأسمالية ليجد لها حلولاً , ولكن لا يعني أن لا تنشا لها أزمات جديدة. والعالم يعيش باستمرار المزيد من الأزمات وفي مجالات اقتصادية مختلفة تجد تعبيرها في واقع وظروف عمل وحياة الأفراد في المجتمعات ذاتها وتسحق في حركتها المزيد من الكادحين والفقراء والمعوزين. وهو ما نعيشه اليوم في الولايات المتحدة والذي سينعكس دون أدنى ريب على مجمل الاقتصاد العالمي واقتصاديات جميع البلدان وبنسب متفاوتة.
5. وتقترن العولمة بثورة في المكونات الثلاثة لما يسمى بالتقارب التكنولوجي Convergence , أي بين الحوسبة الحديثة (الكومبيوتر) والاتصالات والوسائط المعلوماتية (الالكترونيات) الأكثر حداثة التي تشكل مجتمعة المسار الجديد في البنية الصناعية الحديثة التي تتطلب المزيد من التوظيفات الرأسمالية , والتي تخصصت بها ومركزتها لديها المراكز الصناعية الثلاثة فعلا حتى العقدين القادمين على أقل تقدير.
6. وستظهر التغيرات العميقة لهذين الاتجاهين في العولمة على نمط تفكير وأساليب وأدوات عمل وحياة ونشاط الإنسان في مختلف المجالات , بما فيها الثقافة والبيئة والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية المحلية والدولية. وهي تمارس دورها منذ الآن في تغيير الكثير من قيم وأخلاقيات وتقاليد وعادات وسلوك الفرد والمجتمع لا على صعيد العالم الرأسمالي المتقدم فحسب , بل ستمتد لتشمل بلدان وشعوب العالم الأخرى تدريجاً. وستواجه كثرة من الأفكار القديمة الراسخة , وخاصة بين القوى الإسلامية السياسية والقومية , مثل إشكاليات الهوية والأصولية والعنصرية والطائفية والأحكام المسبقة إزاء الآخر والحنين للماضي في الحاضر , اهتزازا شديدا ورفضا واسعا باعتبارها جزءاً من ماض لا يمكن أن يعود ولن يعود , رغم كل الجهود الخائبة التي تبذلها كل القوى السلفية والأصولية الدينية والطائفية وغير الدينية. ومن الجدير بالإشارة إلى أن العالم سوف لن تكون له في القريب المنظور ثقافة عالمية واحدة , ولكن ستساهم التقنيات الحديثة في المزيد من التقارب والتفاعل والتلاقح بين الثقافات , وفي هذا انتصار للبشرية وليس في ذلك أي خطر على أي من الثقافات , إذ ستبقى لكل ثقافة خصوصيتها الملموسة على أرض الواقع. ولكن مثل هذه الاتجاهات تهدد بالانغلاق الثقافي والأثني أو العنصري أو الديني على خلاف ما كانت عليه من تفتح نسبي في السابق. وهذا ما يخيف البعض من القوى المشدودة بحنين مشوه وسلفي إلى الماضي ويخشى من أي تبادل وتفاعل وتلاقح بين الثقافات , في حين كان العالم كله وما يزال يشهد عدم وجود ثقافة نقية خالصة دون تأثير من وعلى الثقافات الأخرى في مختلف أرجاء المعمورة , فهي عملية أخذ وعطاء وتفاعل إنساني وحضاري مستمر. إلا أن التفتح والتفاعل والتلاقح الثقافي لا يعني بأي حال إقصاء الثقافات الوطنية والقومية أو تهميشها أو تشويهها أو محاولة قبرها , إذ أنها تشكل جزءاً عضوياً من تراث هذا الشعب أو ذاك ومن تكوينه الإنساني الحضاري ومن ذاكرته الجمعية. ويحق لكل ثقافات الشعوب , صغيرها وكبيرها , أن تنتعش وتتطور وتغتني وتمارس دورها في حياة الشعب المعني , بل حتى أكثر من ثقافة واحدة في شعب متعدد القوميات , إذ لا يفترض أن تفرض ثقافة معينة , بحجة كونها لشعب أكبر وثقافة رئيسة وطليعية , نفسها على الثقافات الأخرى بحجة كونها لشعوب أقل حجماً وأقل تطوراً. والمثل الذي يورده الأستاذ الدكتور سيّار الجميل في كتابه الموسوم "العولمة الجديدة" عن الشجرة والقارب في الميثولوجيا الميلانيزية نابت تماماً بالنسبة لثقافة الشعوب على نحو خاص. العلاقة الرمزية الجميلة التي تعبر عنها أسطورة القارب والشجرة هي أن راكبها يحمل معه ثقافة الوطن الأم , ولكنه يتنقل بها بواسطة هذا القارب ويرسي قاربه في موانئ وشواطئ الكثير من البلدان , فيغتني بثقافات الآخرين وينقل ثقافته في الوقت نفسه إلى الآخرين فيحصل التعارف والتفاعل والتلاقح والتطور في آن.
7. وسيساهم عصر العولمة, عصر ثورة الإنفوميديا, في فتح أبواب جديدة أمام شعوب وبلدان العالم الثالث لاستقبال رياح التغيير الحضارية الجديدة , ولكن مقدار الاستفادة منها سيكون متفاوتاً بالارتباط مع مدى قدرة تلك الدول في مستويات تطورها الراهنة على تقبل الجديد القادم ومدى انفتاحها عليه , ومدى سماح الدول الرأسمالية المتقدمة بذلك أيضاً , أو مدى استخدامها لهذه الثورة التي لا تزال ملك يديها في الهيمنة على شعوب العالم الثالث , إضافة إلى تشويه المعلومات التي تصل إلى هذا العالم والإساءة إلى قضايا شعوب البلدان النامية , ومنها شعوب منطقة الشرق الأوسط والشعوب العربية. ومن هنا يمكن أن تتقلص فجوة التطور بين بعض البلدان أو تتسع بالنسبة لعدد آخر منها وبين الدول الرأسمالية المتقدمة في مراكزها الثلاثة. إن الثورة العلمية العولمية المعاصرة يمكن أن تجد طريقها إلى جميع الدول في سائر أرجاء العالم, ويمكن أن تصل إلى كل الناس دون قيود أو حدود, ولكنها تبقى مقيدة حتى في بعض أهم جوانبها بسياسات وسلوك الدول الرأسمالية المتقدمة. وإذا كانت قوة العولمة وحيويتها تكمن في جانبها الأول , رغم طبيعتها الرأسمالية الاستغلالية , فأن ضعفها وسلبيتها يكمنان في جانبها الثاني. وعلينا أن نلاحظ أن جمهرة من حكام الدول النامية , ومنها الدول العربية , لديهم مخاوف غير قليلة من العولمة بسبب اقترانها بجوانب الحضارة الغربية المشرقة والموضوعية , إذ يسعون إلى منع وصولها إلى شعوبهم بكل السبل المتوفرة لديهم. وكان العراق في فترة حكم الدكتاتور صدام حسين نموذجاً صارخاً لمثل هذا التطرف في منع استخدام منجزات العلوم والتقنيات الحديثة من جانب أفراد المجتمع ومنع التفاعل والتلاقح مع ثقافات الشعوب الأخرى , بل سعى إلى قتل الثقافة الوطنية المتعددة القوميات , ولكنه استخدم تلك المنجزات لإرهاب وقتل الشعب وملاحقته وخنق أنفاسه وشن الحروب ضد دول الجوار.
8. وفي الوقت الذي تعني العولمة مزيداً من التقارب بين قوميات أو شعوب العالم, صغيرها وكبيرها, بسبب سرعة الاتصال وتقارب العالم وكأن الجميع يعيشون في بيوت متلاصقة في مدينة صغيرة واحدة , باتجاه التعاون والتفاعل والتأثير المتبادل , فأنها ستسمح في الوقت نفسه من الناحية الموضوعية بازدهار القوميات وتفتحها وتعجيل وتائر تطورها ومشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية الدولية. كما أنها تعني إمكانية انتشار قيم الحرية والديمقراطية والمساواة بين البشر وممارسة حقوق الإنسان وحقوق الجماعات القومية وفي مقدمتها حقها في تقرير مصيرها على نطاق واسع , واعتبار ذلك من القيم الأساسية ذات الطبيعة الدولية العامة والشاملة. ومن هنا أتفق مع إشارة الأخ الدكتور الجميل إلى أن هذا العصر لم يعد عصر الدكتاتوريات والاستفراد بالسلطة أو "الحزب الواحد القائد والرائد" ...الخ. إلا أن هذه الإمكانية غالباً ما تصطدم بسياسات الدول الكبرى ذات المصالح الإقليمية الضيقة وبمصالح النظم الاستبدادية والشوفينية أو العنصرية أو الدينية السلفية والطائفية المتزمتة التي ترفض الاستجابة لمطالب وحقوق الشعوب وحقوق القوميات مما يجعل من النضال في سبيل ذلك مهمة ضرورية , ولكنها صعبة وغالباً ما تكون مرتبطة بتضحيات بشرية ومادية كبيرة. والأمثلة على ذلك كثيرة , سواء أكانت من منطقة الشرق الأوسط حيث تنتصب القضية الكردية أمام أنظار العالم كله , وحيث مارس النظام الاستبدادي في العراق شتى صنوف الاستبداد والعنف والقتل الجماعي , كما في مذابح الأنفال ومنها مجزرة حلبچة البشعة , والتطهير العرقي ومحاولات الصهر القومي ضد الشعب الكردي والتركمان على نحو خاص , أو في تركيا وإيران إزاء الشعب الكردي أيضاً كما يحصل اليوم في تركيا وفي مواقف القوى العسكرية والحكومة التركية من مطالب الشعب الكردي العادلة في إقليم كُردستان تركيا , أو في الجزائر والمغرب ولیبیا إزاء القومية الأمازيغية , أو في السودان إزاء شعب دار فور , وقبل ذاك شعوب جنوب السودان. وهذا يعني بأن العولمة لا تعني حصول الشعوب على حقوقها أوتوماتيكياً , بل تحتاج إلى نضال شاق ومرير بسبب تشابك المصالح الإقليمية والدولية. إذ أن العولمة الجارية , كما قلنا ذات طبيعة وخصائص رأسمالية , وهي في الجوهر تخضع لقوانين استغلالية.
9. إن العولمة وبالرغم من بروز تطور كبير في دور ونشاط ومكانة الشركات الرأسمالية المتعددة القومية , إلا أنها تزيد في الوقت نفسه من عملية الصراع بين الدول الكبرى على مناطق النفوذ والأسواق والتوظيفات الرأسمالية وتحقيق أقصى الأرباح , وبشكل خاص على منطقة الشرق الأوسط , الخليج منه على نحو أخص. وسيكون الصراع الجديد بين عملاقين ينموان بسرعة فائقة من حيث البنية الاقتصادية والعسكرية ومن حيث السكان وهما الصين الشعبية والهند , وبين المراكز الرأسمالية الثلاثة الأخرى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان , إضافة إلى روسيا , كما سيكون للصين في قادم العقود الثلاثة دورها المتميز والأكبر في العلاقات الاقتصادية الدولية وفي الصراع المحتمل والكبير مع الولايات المتحدة الأمريكية. وأعني بذلك أن القطبية الواحدة التي نشأت في نهاية العقد التاسع وبداية العقد الأخير من القرن العشرين ستنتهي بصيغة ما مع نهاية العقد الثالث وبداية العقد الرابع من القرن الحادي والعشرين ويبرز إلى سطح الأحداث عالم متعدد القطبية والمصالح والصراعات. من الصعب تأكيد ادعاء البعض بأن القرن الحادي والعشرين هو قرن الإمبراطورية الأمريكية لا غير , كما جاء على لسان بريجنسكي وغيره.
· ممارسة التدخل الفظ لفرض "الحرية التامة!", وهي من جانب واحد , أمام انتقال رؤوس الأموال والتبادل التجاري وإلغاء القيود الجمركية وتحقيق الإصلاح والتكيف في اقتصاديات البلدان المختلفة وربطها ببنية واقتصاديات الشركات الرأسمالية المتعددة الجنسية , وكذلك فرض ذلك النهج على بقية بلدان العالم دون الأخذ بالاعتبار ظروف تلك الدول ومشكلاتها وحاجاتها , بما في ذلك طريقة عملها وعضويتها في منظمة التجارة الدولية الحرة. ولكنها تقف في الوقت نفسه ضد انتقال وهجرة الأيدي العاملة إلى بلدانها (عدا هجرة الأدمغة التي تشجعها) وتقيم الحواجز إزاء العالم النامي لهذا الغرض , إضافة إلى إعاقتها تصدير سلع بلدان العالم الثالث إلى أسواقها بمختلف السبل والقيود. وهي بهذا تخل بقواعد اللعبة التي تدعو إليها "حرية انتقال عوامل الإنتاج" لصالحها وضد مصالح شعوب البلدان النامية على نحو خاص وبالضد من الدعاية التي تروجها حول حرية التجارة والتبادل التجاري الحر غير المقيد. ومن هنا نشأت هذه الحركة الشعبية الواسعة المناهضة للعولمة ATTAC والاحتجاج المتواصل ضد سياسات منظمة التجارة الدولية الخاضعة لسياسة ومصالح الولايات المتحدة وبقية الدول الصناعية الكبرى التي تعتمد على سياسات اللبرالية الجديدة , قبل مؤتمر سياتل واستمراراً بمؤتمر الدوحة في قطر في شهر تشرن الثاني/نوفمبر من العام 2001 والمؤتمرات الوزارية الأخرى التي تلته , والتي تغمط إلى أبعد الحدود , مصالح وحقوق الدول النامية عموماً. كما أنها من الناحية العملية تفرض الضرائب التي تراها مناسبة على السلع المصدرة إليها لحماية منتجات منشآتها الصناعية من المنافسة الدولية. إن العولمة الجديدة لا تلغي المصالح الرأسمالية ولا تلغي الطابع الإمبريالي للدول الرأسمالية الأكث