التحقق من آراء المستشرق اليهودي البريطاني مارجوليوث

                                 في اللغة العربية والشعر الجاهلي

                               القسم الثاني 2/2

 

الدكتور خالد يونس خالد- السويد

كاتب وشاعر وباحث أكاديمي عراقي

Khalid_k2009@yahoo.se

 

التحقق من آراء دافيد مارجوليوث

من خلال قراءتنا لآراء مارجوليوث كما عرضناها في القسم الأاول من هذا البحث، نجد أنه جعل القرآن الكريم مرجعا لتأكيد الشك بالشعر الجاهلي بغض النظر عن إيمانه أو عدم إيمانه بالقرآن. إن التحقق من آراء مارجوليوث يقودنا إلى أنه انتقى آيات قرآنية معينة بشكل مجرد، دون الإشارة إلى آيات قرآنية أخرى تشير إلى العوامل التي أثرت في اللغة العربية لتكون بالشكل الذي روي أو كتب به الشعر الجاهلي. فقد نسي مارجوليوث بأن القرآن ذكر بوجود علاقات تجارية واقتصادية بين القبائل العربية والأمم الأخرى التي أثرت في اللغة واللهجات العربية، طبقا للآية الكريمة ((لإيلاف قريش إيلافِهِم رِحلةَ الشِتاء والصيف)) (18).

   قال مارجوليوث بأن الشعر الجاهلي يتضمن ألفاظا دينية اسلامية، واعتبر الأبيات الشعرية التي وردت فيها كلمات قرآنية هي أبيات شعر إسلامي. لكن الباحث الإسلامي (محمد الخضر حسين) نقل عن المستشرق ليال Lyall رفض هذا الإدعاء. فيقول المستشرق ليال في ملاحظته على شعر الشاعر (عمر بن قميئة) مثلا بأنه "يجب علينا أن نفحص موضع البيت من القصيدة لنعلم صلتها بأقوال الشاعر المنسوب إليه" (19). ثم يقول "ليس من الممكن أن أذكر على المواقع التي ذكَرها مارغليوث [كذا] وقال إنها إسلامية، فللإنسان أن يدققها ويفندها" (20).

 

كيف يمكن رفض الشعر الجاهلي وهناك أحداث كثيرة تجعل المرء يتيقن من أن صدق العاطفة في كثير من الشعر الجاهلي لايمكن أن يُصطَنع؟ وإنه من المستحيل أن يستطيع شاعر أو راو أن ينحل شعرا بأسم (الخنساء) مثلا، معبرا عن تلك المشاعر وتلك العاطفة الجياشة التي عبرت عنها الخنساء في قصائد رثاء أخيها وأولادها الأربعة. وقد خرجت تلك الكلمات من روح أحرقتها تلك المأساة العظيمة في فجيعتها بمقتل أحب الناس إليها (21).

 

 يُفَنِدُ المستشرق أرش بروينلش Erich Braunlich نظرية مارجوليوث ويقول بأنه بسبب ثراء اللغة العربية بالمترادفات يجد المرء عددا كبيرا من اختلافات الرواية الشفوية في الشعر الجاهلي. وبسبب التقيد الكتابي وما في الخط العربي من عيوب ازداد الأمر سوءا. لقد نشأت غالبية القصائد الجاهلية بعقود قليلة سابقة لظهور الإسلام (22) . وأعاد بروينلش إلى الأذهان بعض الأفكار التي طرحها مارجوليوث والتي تستند إلى النقاط التالية:  "1. العلاقة بين النقوش والأشعار. 2. العلاقة بين القرآن والأشعار. 3. الثقة في الرواة. 4. مضمون الشعر الجاهلي" (23). ويعلق بروينلش على نظرية مارجوليوث بقوله، أنه على الرغم من الصعوبات في فهم النقوش العربية الجنوبية فإنها لم تكن موزونة في الأقل بسبب البحور المألوفة في الشعر العربي. وأن حضارة هذه النقوش كانت أرفع من حضارة البدو الذين قالوا هذا الشعر. وحين إحتج مارجوليوث بأنه كيف يمكن أن يكون للبدو هذا الشعر دون أن يكون للمتحضرين في الجنوب، قال بروينلش بأنه رغم اختلاف الزمن فإنه ليس من المستبعد ازدهار ملَكَة فنية لدى أقوام ذوي حياة بدائية. على سبيل المثال النقوش الصخرية الرائعة في العصر الحجري القديم في أوربا. ويؤكد بروينلش أن دول الجنوب لم تشارك في الثقافة المشتركة لشعر البدو لذلك جاءت لغة الشعر العربي مختلفة عن سائر لهجات الجنوب. كما يمكن القول بإمكانية مشاركة بعض الأفراد في هذا الشعر إذ أنَّ كثيرا من العرب في الجنوب كانوا يتكلمون لغتين إثنتين (24).

  

ويرد بروينلش على مارجوليوث بأنه يمكن تفنيد الرأي القائل أن الشعر الجاهلي مكتوب بلهجة القرآن إذا أدرك المرء إمكانية أن تجتمع اللهجات العربية الشمالية العديدة في لغة عالية (25) . وتظهر الفروق بوضوح "لو أننا رسمنا الشكل في كل حالة بعلامات صوتية وليس فقط بالأشكال الثلاثة (الفتحة، الضمة، الكسرة) " (26) . وإلى جانب اختلاف الأصوات نجد أحيانا أبنية ذوات جذر فيه صوت (أ) أو (آ) مما لا يصطدم مع النص المأخوذ من القرآن (27) . مثل هذه الأصوات تختلف في بنائها في الشعر، وبهذا لايمكن استفادة شيء من تفسير مارجوليوث بعدم وجود شعر مكتوب (28) .

   

وتساءل مارجوليوث بأنه لو وُجِدَ شعر مكتوب لأمكن لخصوم محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام أن يذكروا عدة كتب، بجعل الآية القرآنية ((أم لكم كتاب فيه تدرسون)) (29).  حجة على أن الشعر الجاهلي لايمكن أن يكون مكتوبا (30) . ويمكننا الرد على قول مارجوليوث بأن المقصود هنا ليس امتلاك أي نوع من الكتب، إنما المقصود "كتب يتفق مضمونها مع القرآن أو على الأقل يمكن مقارنتها به" (31) . وذلك بدليل الآية ((تنزيل الكتابِ لاريبَ فيه مِن ربِّ العالمين)) (32) ، وكذلك الآية ((أو تقولوا لو أنّا أُنزِلَ علينا الكتابُ لكُنّا أهدى منهم فقد جاءكم بيِّنةٌ مِن ربِّكم وهدى ورحمة)) (33) . ولقد ورد أسم (الله) في الشعر الجاهلي لأنه كان يسمو فوق كل القبائل في العصر الجاهلي ولا يعد سببا كافيا بعدم صحة هذا الشعر (34) .

  

وحين يقول مارجوليوث بأن البيت رقم 2 من القصيدة رقم 24 للشاعر الجاهلي عبيد بن الأبرص، لغة قرآنية لذلك يرفضها، نرد عليه بأن يتذكر أن ناشر ذلك الديوان "اعتبر هذه القصيدة كلها منحولة" (35)  وبذلك لا يحتاج أحد سرده دليلا لانتحال الشعر الجاهلي.

 

يقول المستشرق فيدا  Giorgio L. D. Vida أن مصادر تاريخ بلاد العرب القديمة كانت نقوشا في أغلبها رمزية، في حين أن مصادر تاريخ العرب الوسيطة أي القرن السابق لظهور الإسلام كانت أدبية في اغلبها، وهذه المصادر كثيرة جدا، وهي تشبه في بعض وجوهها المصادر التي نعرفها عن التاريخ اليوناني والروماني واليهودي. فالمصادر ليست أوثق ولا أضعف من أية رواية أخرى في أي عصر تاريخي يعوزنا فيه الدليل المباشر. فهي مثلا ليست أضعف من Titus Livius 59 BC- 17 AD عن القرون الخمسة الأولى من التاريخ الروماني (36) ، والمصادر العربية من الشعر العربي الأخير جمعها علماء العصر الإسلامي ويجب فحصها ونقدها بسبب التباين في شرحها (37) .

  

يعتقد جيورجو فيدا بأن بعض الباحثين قد بالغوا في مسألة وضع الشعر الجاهلي ونحله. ولايمكن أن نعتبر الجانب الديني أو ضعفه في الشعر الجاهلي عاملا كافيا لجعله مصنوعا أو موضوعا. فمجموع الرواية الشعرية في جملتها أصيلة رغم أن الشعراء الجاهليين صوروا لنا الحياة البدوية العربية في الجاهلية في أجلى مظاهرها كالفروسية. وهذا الجانب البطولي مشابه في بعض الوجوه مع المثل الأعلى لقصيدة أوديسا لهوميروس، والقصيدة الفرنسية Chansons de Geste. ولا يصح أن يُتَهَمَ كل الشعر العربي بالانتحال كما لا يصح أن يتهم الشعر الهومري أو القصيدة الفرنسية المذكورة بأنها عملت على تغيير الجو التاريخي للعصرين الميسيني والكاروليني (38).

 

ويؤكد المستشرق ليال Charles James Lyall أنه من الخطأ الكبير أن نجعل حماد الراوية وخلف الأحمر النموذجين المثاليين للرواة المحترفين لرواية الشعر الجاهلي، فكلاهما من أصل فارسي. في حين أن الشعراء كانوا يختارون الرواة العرب من بين القبائل العربية ليكونوا الوسيلة التي تحفظ شعرهم وتخلد في صدور القبيلة. أما ما ذهب إليه مارجوليوث إلى أن الشعر القديم في معظمه موضوع منحول وضع على نمط القرآن، مستدلا على القصص التي رويت عن حماد وخلف، فهو مخالف للصواب. فما نقله حماد الراوية وخلف الأحمر عن اسلوب للنظم كان قد اتخذ صورته النهائية قبل الإسلام بمدة طويلة. وقد نظم كثير من الشعراء غير المسلمين بهذا الأسلوب في زمن محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام ثم أسلموا، ولذلك فالقول بأن هذا الشعر منحول بسبب رواية حماد وخلف أمر لا يقبله العقل. إنه كان يجب على مارجوليوث والذين ينتهجون ذلك المنهج أن يجْروا بحثا دقيقا لما يقدمه الرواة من أدلة، وضرورة دراسة موضوع القصيدة وأسلوبها والعناصر الفنية والشخصية للحكم على القصيدة (39) .

  

وفي دراسة أخرى للمستشرق ليال في مقدمته لديوان (عبيد بن الأبرص) أشار إلى أن وصول الشعر الجاهلي إلينا عن طريق الرواية أدى إلى بعض التغييرات في ترتيب الأبيات الشعرية والكلمات المترادفة. ولكن ذلك لا يدعونا إلى الحكم بإنكار الشعر الجاهلي، لأننا نجد الشخصية الفردية واضحة في هذا الشعر. فعلى سبيل المثال (المعلقات السبع) كلها قصائد ذات شخصية وخصائص واضحة، وتعرض لنا سبع شخصيات متميزة. ومن المهم أن نشير إلى صحة هذا الشعر، وهذا ما نعتقد أنه ليس شعرا منحولا، ولا سيما ما يقنعنا شعراء القرن الأول الإسلامي ومنهم (الفرزدق وجرير والأخطل وذو الرمة) يتبعون تقاليد الشعراء الجاهليين وأن شعرهم يتضمن وجود هذا الشعر القديم، متقيدين بنفس التقاليد، ومستعملين نفس الأسلوب مع بعض التحسين أحيانا والتحوير والاقتباس أحيانا أخرى. والسبب الآخر الذي يدعونا إلى صحة الشعر الجاهلي هو أنه يحتوي على ألفاظ غريبة على العلماء. وهذه الألفاظ تنتمي إلى مرحلة لغوية أقدم من عصرهم مما عرض هذا الشعر إلى النقد. فلو رجعنا إلى المعاجم الكبيرة نرى كيف أن الشُرّاح اختلفوا فيما بينهم، وهذه المعاجم اللغوية تعتمد على الشعر الجاهلي وعلى القرآن الكريم والحديث النبوي، مما يدعونا إلى القناعة بصحة ذلك الشعر (40)

___________________

هوامش

 

(18)  سورة 106، الآيتان 1-2.

(19)  محمد الخضر حسين، نقد كتاب في الشعر الجاهلي، القاهرة 1926، ص 213.

 (20)  المصدر نفسه.

  السيد محمد الخضر حسين يكتب أسم Margoliouth  باللغة العربية مارغليوث.

 (21) يوسف اليوسف، مقالات في الشعر الجاهلي، ط4، دار الحقائق، بيروت 1985، ص 113.

 (22) See: Erich Braunlich, (Zur frage der Echtheit der altarabischen poesie). Orientalistische literaturzeitung, No. 10. Hamburg, October 1926, p. 825.

ينظر: بروينلش، (في مسألة صحة الشعر الجاهلي)، في: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ص 130-131.

 (23) ينظر: بروينلش، المصدر نفسه، ص 131.

 (24) ينظر: المصدر نفسه، ص 131-132.

 (25) ينظر: المصدر نفسه، ص 132.

 (26) المصدر نفسه، ص133.

See also: W. Wright, A Grammar of the Arabic Language, third edition, Cambridge 1988, p. 25.

مثلا الألف الممدودة وهي طويلة بالمقارنة مع الألف المقصورة

  (27)ينظر: بروينلش، (في مسألة صحة الشعر الجاهلي) ص133.

  (28)ينظر: المصدر نفسه، ص 135.

  (29)سورة 68، آية 37.

 (30)  ينظر: بروينلش، ص34.

  (31) المصدر نفسه.

 (32) سورة 22، آية 2.

 (33) سورة 6، آية 157.

 (34) ينظر: بروينلش، ص 138.

 (35) ينظر: المصدر نفسه، ص139.

 (36) Giorgio Levi Della Vida: (Pre-Islamic Arabia) in the Arab Heritage, ed., Nabih Amin Faris, New Jarsey 1946, pp. 41-42.

  For more details about (Titus Livius), see, in Swedish language, Sven Rinman, Litteraturens varldshistoria, vol., 1, Stockholm 1991, pp. 502-506. 

 (37) See: Giorgio Levi Della Vida, p. 42.

 (38) See: Ibid., p. 48.

 (39) Charles James Lyall, (Introduction) in the Mufaddaliyat: An Anthology on Ancient Arabian Odes, al-Mufaddal son of Muhammad al-Anbari, ed., trans., and notes, Charles James Lyall, Vol. II, Oxford 1918, pp. xx-xxi.  

 (40) See: Charles James Lyall, (Introduction) in the Diwan Abid ibn al/Abras, ed., and notes, Sir C. J. Lyall, London 1913, pp.

 

(دراسة قدمها الباحث إلى مركز العلوم اللغوية بجامعة أوبسالا ضمن بحث أكاديمي موسع للدراسات العليا باللغة الأنكليزية. نشرت الدراسة لاحقا في عشرات المجلات الثقافية منها على سبيل المثال مجلة جسور الدولية للعلوم اللغوية ، مجلة الغربال الأدبية الثقافية ، مجلة الفوانيس ، مجلة المناهل ، وروابط دروب العربية ونور الدجى الثقافية والكتاب العرب).