المتهم محصن بأصل براءته

                                                            فارس حامد عبدالكريم

 

عندما بدأ مفعول السم يسري في جسد سقراط ، اشار الى تلميذه المخلص كريتون بالاقتراب ليقول له بصوت ضعيف :كريتون ، في ذمتنا ديك لايسكولاب . ادفع له ثمنه دون نقاش.

ـ حاضر يا سيدي . هل تريد شيئاً اخر ؟
لم يجب سقراط . لقد مات  ...

وايسكولاب هو اله الطب عند اليونانين ، ومناسبة هذه المحادثة ان محكمة غير عادلة مؤلفة من خمسمائة قاض وقاض حكمت على المتهم سقراط بالموت تجرعاً للسم بناءاً على شكوى كيدية قدمها مواطن يدعى مليتوس اتهمه بالكفر وادخال شياطين جديدة الى المدينة وافساد الشباب . وهي تهمة باطلة اودت بحياة واحد من اعظم رجال الفكر الانساني .

ان مثل هذه الاحكام الظالمة ، ولو صدرت من خمسمائة قاض وقاض ، مبنية على الجهل او الفهم غير الصحيح لطبيعة الامور . والجهل اساس كل شر ، واسوأ انواع الجهل ، هو الجهل الذي يقوم على عقيدة او معرفة خاطئة ، ومنها العقائد العنصرية كالنازية او الفاشية ، او الناجمة عن الغلو والتطرف كالتعصب الديني او الطائفي ، فهو جهل يستند الى علم كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ( وَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ جَهْلاً )(1) ، وهو قول يشير الى فكرة فلسفة تجريدية عميقة المعنى ووصف غير مسبوق في غاية الدقة والبراعة .

وقد تكون الاحكام الظالمة مبنية على الجهل المطبق الذي لا يستند اصلاً الى اية معرفة ، كالجهل بالشريعة او القانون او منطق الامور  .

والجهل سواء استند الى علم او الى جهل ، لابد ان يقود الى الظلم ، فالجهل وعاء للنفاق والنميمة والعزة بالاثم والانانية المفرطة والقسوة البالغة والاحتيال وانكار حقوق الاخرين وعدم قبول الرأي الاخر بل معاداته بشدة ، وهكذا قال الامام علي عليه السلام  بحق ان ( العلم نور والجهل ظلام ) .

وقد تعلمت البشرية خلال رحلتها الطويلة مع الظلم والتعسف ،الكثير من الدروس ، ومن اهم هذه الدروس ان الحرية الشخصية اغلى من الحياة ذاتها ، وان لا حياة حقة مع العبودية وانه لا يمكن ترك امر تقدير حدود الحرية الى هوى وتحكم وتحيز الفرد اومجموعة من الافراد ولو كان عددهم من الكثرة ما يكفي للشعور بالاطمئنان ، وهكذا كانت من اولويات الدساتير الحديثة وضع ضمانات دستورية راسخة للحقوق والحريات في مواجهة السلطات العامة جميعاً بما فيها السلطة التشريعية. 

ومن جانب اخر ، غالباً ما تفهم المصطلحات القانونية او تفسر على غير المعنى الذي وضعت له اصلاً ، ومن ذلك مصطلح ( المتهم )(2)،الذي ينظم مركزه القانوني قانون اصول المحاكمات الجزائية او ما يعرف في القوانين المقارنة بقانون الاجراءات الجنائية وقد يختلط في ذهن الناس مع مصطلح المجرم او المدان . والحقيقة ان هناك فرقا واضحا وكبيراً بين المصطلحين .

 كما ان وقع الجريمة على الناس يجعلهم يصبون جام غضبهم على من اتهمته السلطات بالجريمة ولو كان الاتهام في حقيقته قد جاء بناءاً على مجرد بلاغ من احد الافراد ، فقد تكون التهمة كيدية اوملفقة او كانت لاسباب سياسية او بسبب تعارض المصالح في اطار المنافسة غير المشروعة وما يتبع ذلك من تشهير اعلامي قد يكون سبباً في تضليل الرأي العام . ومن ثم يتنكرون لاصل براءة المتهم متناسين ان ذلك الانكار يمس ضمانات حريات جميع الناس وقد يكون احدهم محل تهمة كيدية في ذات يوم فيطالب حينها بالعدل والانصاف .

 وهكذا قيل ان الاحساس بالعدالة لا يوجد في اعماق عموم الناس التي لا تدرك ضرورة العـدل الا حينما يصيبها ضرر ، وتظل غير حافلة تماماً بالضرر الذي يصيب حق الغير الا بصورة نسبية قد تكون غير فعالة .

ماهية قانون اصول المحاكمات الجزائية

يعرف قانون اصول المحاكمات الجزائية في فقه القانون بانه قانون الحريات العامة ، لما يمثله من ضمانة اساسية للحقوق والحريات الشخصية وضمان التوازن بينها وبين المصلحة العامة . وبصورة عامة ، كما يذهب اغلب فقهاء القانون الوضعي ، الى ان العلاقة بين الحرية والقانون وثيقة جداً ، فالقانون هو ابتدءاً ، قيد على الحرية كما هو حال قواعد الدين والاخلاق ، فهي تتضمن جميعا قيودا ترد على إرادة الفرد وحريته ، ولكنها قيوداً يقصد منها السمو بالسلوك الانساني الى مستوى التحضر وتنظيم الحياة الاجتماعية . ومثلما يمكن ان يستخدم القانون كأداة للطغيان يمكن ايضاً ان يستخدم ، وهذا هو الأصل المفترض بناء على فكرة العقد الاجتماعي ، كأداة لتحقيق الحريات الأساسية التي تعتبر في المجتمع الديمقراطي جزءاً جوهرياً من مضمون فكرة الحياة الحرة الكريمة ، كفكرة حديثة وغاية يجب ان يسعى القانون لإدراكها .

وفي ضوء ما تقدم يرتبط قانون الأصول مع قانون العقوبات برابطة وثيقة اذ يكمل احدهما الاخر ، فاذا كان قانون العقوبات يعنى بقواعد التجريم والعقاب وفقاً لمبدأ قانونية الجريمة والعقاب ( مبدأ الشرعية ) . فان قانون الاصول يبحث في مدى توفر شروط التجريم والعقاب وفق اجراءات قانونية ،بمعنى أخر مدى قانونية التجريم والعقاب اثناء مرحلة التحقيق والمحاكمة وتنفيذ العقوبة ان تحققت الادانة .

فهو يضمن تحقق الغاية والحكمة من التجريم والعقاب وضمان ان الحرية الفردية لن تهدر اثناء التحقيق والمحاكمة حتى لو جاء ذلك الهدر في الحقيقة من القاضي الذي يطبق قانون العقوبات بما يتضمنه قانون الاصول من قيود على ارادة القاضي وسلطته التقديرية .

 إلا ان القاضي وضميره الحي المشبع بروح العدالة والانصاف ، يبقى هو في النهاية الحارس الامين للحقوق والحريات العامة .(3)

 فما وضع قانون الاصول الا لضمان ان حرية الانسان لن تنتهك وان توقيفه اوحبسه او سجنه لن يكون الا بناءاَ على اسباب محددة ووفق اجراءات قانونية وقضائية نص عليها الدستور في مبادئه العامة ونظمتها القوانين بالتفصيل .

وقد قيل بحق ان قانون العقوبات انما وضع لمواجهة الاشرار وان قانون الاصول الجزائية وضع لحماية الشرفاء .

ان الوصف السائد لقانون الاصول بانه قانون شكلي ينظم سير الدعوى الجزائية بكافة مراحلها وقواعد المرافعة والعقوبة وتنفيذها ، انما هو وصف يقلل من اهميته البالغة ، ذلك ان الوصف الذي يليق بهذا القانون هو انه ذلك القانون الذي ينظم الحماية الدستورية للحقوق والحريات العامة في اطار المباديء الدستورية الي تنظم اجراءات الاتهام والمحاكمة القضائية العادلة والمنصفة على اساس ان الاصل في المتهم البراءة حتى يثبت العكس .

ان الهدف النهائي لقانون الاصول هو الموازنة بين الحرية الشخصية والمصلحة العامة ، بمعنى اخر الموازنة بين حق الدولة في العقاب وحق الفرد في الدفاع عن نفسه عن تهمة قد تكون باطلة.  

ومن المبادئ الأصيلة والأصلية في هذا القانون ان ( المتهم بريء حتى تثبت ادانته ) او كما يعبر عنها (الاصل في المتهم البراءة ) او ان ( المتهم محصن باصل براءته ) ويتفرع منه مبدأ ( ان الشك يفسر لمصلحة المتهم ) .

الاصل في المتهم البراءة

حق من حقوق الانسان ، وعنوان من عناوين الحرية انتزعته الشعوب عبر ثورات عنيفة بعد عهود من التحكم والتسلط حُكم فيها على الأبرياء على مجرد الظن والشبهة والنميمة ، نما وتراجع عبر العقود التاريخية ، حتى وقف شامخاً في العصور الحديثة . وهو حق تبنته جميع المواثيق الدولية التي تعنى بحرية الانسان وكرامته ، ومبدأ اصيل ترسخ عبر الزمن لا يخلو منه دستور معاصر وقانون اجرائي ، اما بعد فهو ركن اساس من اركان المحاكمة العادلة المنصفة .

انطلق في الفكر القانوني الحديث  كمبدأ دستوري بعد ان نص عليه اعلان حقوق الانسان والمواطن في مقدمة دستور سنة 1789 الفرنسي . واصبح قاعدة دولية لا يمكن نكرانها او تجاهلها بعد ان نص عليها الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 بالقول على انه ( كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً حتى تثبت ادانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات للدفاع عنه ) . ( م 11/1 ) ونصت المادة الثامنة من الإعلان على انه (  لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لأنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون   )

وعلى هذا النحو ذهب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، حيث جاء في الفقرة (2) من المادة (14) منه على انه ( 2ـ لكل فرد متهم بتهم جنائية الحق في أن يعتبر بريئا ما لم تثبت إدانته طبقا للقانون. ) وكذلك نص المادة (6) من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الانسان وحرياته الاساسية لسنة 1950.

الا ان الشريعة الاسلامية الغراء سبقت الشرائع القديمة والحديثة كلها في اقراره كمبدأ ثابت وكأصل من اصولها لا يقبل التغيير اوالانكار كما كان الحال في الشرائع الوضعية التي سبقتها . فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم موجهاً المسلمين وقضاتهم ( ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ،  فان وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله ، فإن الامام لأن يخطيء في العفو خير من يخطيء في العقوبة ) . ولا عجب فالاسلام دين الرحمة والانسانية الحقة .

 ونتناول الاساس التاريخي .. الاساس الفلسفي .. الاساس الدستوري وما يتفرع عن المبدأ.

أصل البراءة تاريخياً 

كانت العقوبة في المجتمعات البدائية وسيلة للانتقام وكان الفرد هو القاضي والخصم في آن واحد يقتضي حقه او ما يعتقد انه حقه بيديه ، بل ان فكرة الانتقام كانت تمتد لتغطي الانسان والحيوان والاشياء ، وكان الانسان البدائي لا يفرق عند الانتقام بين الانسان والحيوان والجماد ، فان شك بخطر على حياته من انسان ما انقض عليه ليقتله او يجرحه او يسترقه ،وان كان حيواناً قتله ، وان كان جماداً هدمه و اتلفه ، ولم يكن في ظل هذه الاجواء مجال للجدل حول افتراض براءة المتهم من عدمها ، فمصدر الخطر المتوقع او المبني على الشك لا بد ان يزاح من الطريق باية وسيلة كانت ،وقد تطور الأمر لاحقاً الى إنشاء محاكم خاصة بالكائنات غير الإنسانية ومن ذلك المحكمة التي أنشأها قدماء اليونان والتي عرفت باسم محكمة البريتانيون وكانت تقام الدعوى أمامها على الصخرة او قطعة الحديد او الخشب التي سقطت على شخص فقتلته ، وكان يحكم على الجماد بالتحطيم وعلى الحيوان بالإعدام .

 ومثل هذا الاحساس والرغبة البدائية بالانتقام هي نفسها ما تتوفر في نفس كل طاغية ولو كان مواليد العصر الحديث ، وعلى هذا فان هذا المبدأ لا وجود له في المحاكمات المخابراتية والامنية في اطار المحاكم الخاصة ، فالاصل فيها ان المتهم مذنب ابتداءاً حتى يثبت العكس ان اتيح له ذلك فعلاً.

ومع تطور الفكر الانساني اصبحت هناك فرصة للمتهم للدفاع عن نفسه ، ولكنها فرصة مبنية على افتراض الادانة مقدماً ويقع على عاتق المتهم عبأ اثبات العكس بأن يقدم الدليل على انه بريء ، فعليه يقع عبأ الاثبات وغالباً ما يرتبط ذلك بطقوس دينية ومنها اليمين والتعذيب والقتال بين الخصمين .

اما في القانون الروماني ، فقد افترضت براءة المتهم في ظل اجراءات المرافعة الشفوية وكان على الخصم ان يقدم الدليل على ما يخالف هذا الافتراض، وقد امر الامبراطور انطونيوس ، وهو ثمرة من ثمار المدرسة الرواقية ، ان يفسر الشك لمصلحة المتهم وان يظل الانسان بريئاً حتى تثبت ادانته .

إلا إن هذا المبدأ واجه ردة بعد اتباع قضاة روما نظام المرافعات المكتوبة، حيث كان القاضي يفترض في المتهم الجرم ابتداءاً ويطلب منه  تقديم ايضاحات عن الجرم المنسوب اليه ، فاضحى عبأ اثبات براءته يقع على عاتقه .

 وفي أوروبا القرن الثالث عشر والرابع عشر ظهر ما يعرف بمحاكم التفتيش البابوية لمحاكمة من اتهموا بممارسة السحر والهرطقة واعتمدت هذه المحاكم الدينية قواعد إجرائية مجافية لأبسط قواعد العدالة فالأصل فيها إن المتهم مذنب حتى تثبت براءته .  ومورس التعذيب بأبشع صوره لانتزاع الاعتراف وتكتفي المحكمة لتكوين قناعتها بالاستماع إلى شاهد أو شاهدين ، واسوا ما في الأمر انه لم يكن بالإمكان مناقشة الشاهد أو مشاهدته لأنهم في الغالب من المخبرين السريين مما لا يتيح للمتهم إبداء سببا انتقامياً للشهادة ، وكانت تبعات الحكم تمتد إلى أبناء  المحكوم عليه حيث  تصادر أملاكهم ويحرموا من تولي بعض الوظائف المهمة.

إلا انه بظهور نظام الاتهام في بعض الانظمة القانونية المرتبط بتقدير الحريات العامة وصيانتها ، اضحى امر افتراض براءة المتهم امراً طبيعياً ومنطقياً ، بل ان مجرد الاتهام في ظل هذا النظام يعد اعتداءاَ على الحرية الشخصية ومن ثم يلزم الخصم او ممثل الاتهام بتقديم الدليل على صحة دعواه تجاه الشخص المشتبه به .

اما في ظل نظام التحري الذي ظهر للوجود في القرن السادس عشر ، فان اصل البراءة فقد بعض شموليته ، فقد حلت قرينة الجرم او الذنب محل اصل البراءة فيما يتعلق بالاجراءات الماسة بالحرية الشخصية فاجيز القاء القبض والتوقيف والتعذيب في بعض الحالات للحصول على الاعتراف كاجراءات معتادة في التحقيق الابتدائي ، اما فيما يتعلق بجمع الادلة فقد افترضت براءة المتهم ومن ثم يقع على عاتق القاضي او النياية العامة عبأ جمع الادلة والاثبات .

الا ان هذا النظام لم يلق قبولاً مع تطور الافكار الاجتماعية وبروز عصر الثورات الكبرى وتنامي فكرة الحرية الفردية وخاصة في القرن الثامن عشر ,

فقد ذهب الفقيه الايطالي بيكاريا في كتابه ( الجرائم والعقوبات ) (1764) الى عدم جواز وصف الشخص بالمذنب قبل صدور حكم قضائي بادانته وانه ينبغي ان تبقى الحماية الاجتماعية للفرد وحريته الشخصية قائمة في فترة التحقيق والمحاكمة .

وفي ذات الوقت انتقد بيكاريا بشدة تعذيب المتهم اثناء التحقيق ، قائلاً ان هذا الاسلوب يوفر ضمانات للمتهم اكثر مما يوفرها للشخص البريء حقاً ، فقد يضطر البريء تحت وطأة التعذيب والألم الشديد الى الاعتراف بجريمة لم يرتكبها ، في حين ان المجرم الحقيقي قد يقرر تحمل الالم وعدم الاعتراف مفضلا اياه على العقوبة المترتبة على اعترافه .

وفكرة انتزاع الاعتراف بواسطة التعذيب فكرة قديمة ، وكان أرسطو يرى ان التعذيب أحسن الوسائل للحصول على الاعتراف ، وبقي نظام التعذيب سائداً الى منتصف القرن الثامن عشر حيث ظهر مبدأ الاعتراف الإرادي الصادر عن ارادة حرة ، ويعتبر التعذيب لانتزاع الاعتراف جريمة تعاقب عليها نصوص القانون في القوانين الحديثة ، ولكنها نصوص معطلة في كثير من البلدان .

 

 

 

الأساس الفلسفي لأصل البراءة

يستند النظام القانوني برمته على مبدأ اساسي او اصل عام مفاده ( ان الاصل في الافعال الاباحة ) ويترتب على ذلك ، ان الاصل في الانسان انه حر وانه يملك حقاً في حريته الشخصية وان اية قيود ترد على هذا الاصل هي على سبيل الاستثناء ، وان اي استثناء لايمكن ان يهدر الاصل الذي جاء الاستثناء كقيد على تطبيقه في حالات معينة . وعلى هذا يبقى الاصل قائما ولا يسقط الا انه يراعى القيد الوارد عليه عند استعماله . ويترتب على ذلك ان اصل براءة المتهم وحريته يبقى قائما الا انها يرد عليها قيود لمصلحة العدالة كألقاء القبض والتوقيف والتفتيش .. ولكن بناءاً على اسباب جدية ومعقولة .

أصل البراءة والشريعة الإسلامية

توصل فقهاء الشريعة الاسلامية قبل قرون عديدة الى ذات  النتائج، التي توصل اليها الفقه القانوني المعاصر،  وذلك بأعمال القواعد الفقهية الكلية والفرعية.

 وبحسب القواعد الفقهية فان (الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم ) (4) واصل القاعدة قوله تعالى: ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) وقوله عز وجل ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) وقوله تعالى ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) ، وقوله تعالى (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون)

كما قال رسول الله ( ما أحل الله فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا .

 ويترتب على هذه القاعدة ان الاصل هو حرية الانسان  .فالجريمة امر عارض في حياة الانسان

 لذلك كان الاصل فيها العدم ، والعدم يقين ،. وهذا امر مبني على اليقين لانه اصل  .و( اليقين لا يزول بالشك ) واليقين لا يزول الا بيقين مثله اي أن الأمر المتيقن ثبوته لا يرتفع إلا بدليل قاطع ، ولا يحكم بزواله لمجرد الشك . كذلك الأمر المتيقن عدم ثبوته لا يحكم بثبوته بمجرد الشك ؛ لأن الشك أضعف من اليقين فلا يعارضه ثبوتاً وعدماً . (5)

 واليقين هو الإدراك الجازم الذي لا تردد فيه ، اما الشك فهو مطلق التردد . بمعنى اخر أن الإنسان إذا تحقق من وجود الشىء ثم طرأ عليه بعد ذلك شك ، هل هو موجود أم لا . فالأصل أنه موجود .وتدخل هذه القاعدة في جميع أبواب الفقه ومن ادلة القاعدة قوله تعالى  ( وما يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) .

كما ان اليقين أقوى من الشك، لأن في اليقين حكماً قاطعاً فلا ينهدم بالشك . وهذا دليل عقلي . ويتفرع من هذه القاعدة الكلية عدة قواعد منها :

1ـ الاصل بقاء ما كان على ما كان ، اي لزوم حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه .

2ـ الاصل براءة الذمة اي أن الإنسان بريء الذمة من وجوب شيء أو لزومه ، وان مشغولية ذمته تأتي خلاف الأصل . قال الرسول الكريم  ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر ) .

 فالمدعي متمسك بخلاف الأصل ولذا تلزمه البينة . ومن تطبيقاتها العملية ، من أدعى على شخص مالاً لم يلزم المدعى عليه أن يحضر بينة لأن الأصل براءة ذمته مما ادعي عليه . وعلى المدعي أن يحضر البينة حتى يُحصِّل ما ادعاه .

 3ـ ما ثبت بيقين لا يرتفع الا بيقين فمن عليه دين وشك في قدره لزمه إخراج المتيقن به براءة للذمة . ومن شك هل طلق أو لا ؟ لم يقع الطلاق ، لأن النكاح ثابت بيقين ولا يرتفع إلا بيقين .

هذا في اطار الاحكام الشرعية واحكام المعاملات .(

ومن هذه الأصول المتقدمة  استنبط الفقهاء المسلمون افتراض براءة الجسد من الحدود والقصاص والتعازير ، واستخلص من هذه القاعدة أيضا ، القاعدة الدستورية الجنائية ( لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ) .

اما في نطاق القانون الجنائي الاجرائي وقياساً على ما تقدم فان الاصل في المتهم البراءة ولا يزول هذا الاصل الا بيقين اي بدليل قاطع .

الأساس الدستوري لأصل البراءة  

من المباديء المسلم بها دستورياً قاعدة ( لا جريمة ولا عقوبة الا بقانون ) وقد يرد المبدأ بالصيغة الاتية ( لا جريمة ولا عقوبة الا بقانون او بناءاً على قانون ) ، ويترتب على اختلاف الصيغتين اثار قانونية مهمة سنوضحها لاحقاً .

ويترتب على هذا المبدأ ،التي يعرف في فقه القانون بمبدأ الشرعية او مبدأ قانونية الجريمة والعقاب ، اثرين اساسيين هما :

1ـ ان المشرع لوحده هو الذي يحتكر سلطتي التجريم والعقاب في المجتمع ، بمعنى اخر ان مصدر قانون العقوبات هو التشريع حصراً ، والى هذا التشريع يرجع فقط لبيان ما إذا كان فعل ما او امتناع عن فعل ما يخضع للتجريم ام لا ومن ثم تحديد الجزاء المترتب على ذلك الفعل اذا تبين انه يشكل بالفعل جريمة .

وينبغي ان تكون نصوص التجريم دقيقة وواضحة وغير قابلة للتأويل لان الغموض في قواعدالتجريم والعقاب قد يكون سبباً في تجريد هذا المبدأ من قيمته الدستورية .

2ـ ان الاصل في الافعال الاباحة ، وان الاستثناء هو التجريم ، لان قانون العقوبات يحدد فقط ما يعتبر جريمة ولا يحدد ما هو مباح ، وهذا يعني ان ماعدا ذلك هو فعل مباح . ويترتب على ذلك نتيجتين هما :

أـ ان اي فعل او سلوك مخالف للاخلاق العامة او الاداب الاجتماعية او ضارأ باي مصلحة من المصالح العامة يصدر من فرد من الافراد لا يجوز المعاقبة عليه الا اذا وجد نص قانوني يجرم ذلك الفعل ، فلو خلا قانون العقوبات من نص يعاقب على الزنا او اللواط فلا يمكن تجريم او معاقبة مرتكبي هذه الافعال باية حال من الاحوال .

ب ـ  ان الاعتراف بمبدأ ان الاصل في الافعال الاباحة وان الاستثناء هو التجريم ينطوي على الاعتراف بقاعدة ان الاصل في المتهم البراءة حتى تثبت ادانته . لان الاحكام او الاوصاف تبنى ابتداءاً على الاصل لا على الاستثناء حتى يثبت العكس .

 صيغة (لا جريمة ولا عقوبة الا بقانون او بناءاً على قانون)

إذا ورد المبدأ وفقاً للصيغة اعلاه فهذا يعني ان المشرع الدستوري قد اجاز للسلطة التشريعية ان تفوض السلطة التنفيذية صلاحية خلق جرائم وعقوبات بصيغة انظمة او تعليمات (لوائح) تنفيذا لقانون صادر من السلطة التشريعية وفي حدود هذا القانون (6)

واذا كانت الدساتير تجيز التفويض في اطار التجريم والعقاب، فانها لا تجيز التفويض في اطار الاجراءات الجزائية ، والعلة في ذلك ان التفويض في اطار التجريم يمكن ضبطه في حدود معينة لا تؤثر على جوهر الحرية الشخصية للفرد ، اما اذا فوضت السلطة التنفيذية صلاحية وضع انظمة وتعليمات ولوائح اجرائية فان ذلك سيمس جوهر الحرية الشخصية للفرد خاصة وانها غالباً ما تدخل في خصومات مع الافراد وتفويضها سلطة وضع قواعد اجراءات التقاضي سيكون ولا شك سبباً لتحيزها لنفسها تحت غطاء حجج وذرائع شتى وفي مقدمتها الادعاء التقليدي المرن ( مقتضيات المصلحة العامة ) مما يؤدي الى هدر المباديء العامة التي يقوم عليها قانون الاصول ومنها مبدأ اصل البراءة .

كما إن التفويض في مجال القانون الإجرائي يمس استقلال القضاء كونه هو المعني بتطبيق تلك الاجراءات.

وفي ضوء ماتقدم لا يجوز للمشرع ان يفوض اختصاصه في مجال تحديد قواعد الإجراءات الجنائية إلى أية سلطة أخرى ، وأي تفويض من هذا القبيل يكون مخالفاً للدستور .

اسس منطقية وواقعية أخرى تبرر أصل البراءة

يرى فقهاء القانون ان اقرار هذا المبدأ يستند الى اعتبارات اخرى عديدة تبرره من اهمها :

1ـ ان افتراض الجرم مقدماً يترتب عليه نتائج تهدد امن الأفراد وحريتهم الشخصية حيث يؤدي ذلك الى تحكم رجال السلطة العامة في مقدرات الناس  .

2ـ ان جعل عبأ إثبات البراءة على عاتق المتهم يؤدي إلى ازدياد نسبة ضحايا العدالة ، فقد لا تتوفر الوسائل اللازمة للأبرياء لإثبات براءتهم .

3ـ ان هذا الاصل العام بافتراض البراءة لا الجرم يتفق مع الأفكار الدينية والاجتماعية والاخلاقية التي تعنى بحماية الضعفاء.

4ـ استحالة تقديم الدليل السلبي في الغالب الاعم ، وفي هذا الشأن يقول الفقهاء انه اذا لم تفترض براءة المتهم فان مهمة الاخير ستكون اكثر صعوبة لانه سيلزم بتقديم دليل غا