اسباب الطعن بعدم الدستورية

 

                                                                                                           فارس حامد عبد الكريم 

 

تتوسد القواعد الدستورية المكانة العليا في سلم التدرج الهرمي للنظام القانوني في الدولة برمته ، اذ هي تسمو على كل ما عداها من قوانين وانظمة وتعليمات او قرارات تتخذها السلطات العامة بما فيها السلطة التشريعية،فالدستور هو الذي يؤسس السلطات في الدولة ،وهو الذي يحدد لها اختصاصاتها وطريقة ممارسة تلك الاختصاصات،فضلا عن ما يتضمنه من قواعد متعلقة بحقوق وحريات المواطنين وواجباتهم  .

ومن جانب اخر يضع الدستور قواعد عامة وموجهات وقيود ينبغي ان تراعيها سلطة التشريع وهي بصدد تشريع القوانين،وهذه القيود قد تكون قيودا شكلية تتعلق بالشروط والاجراءات الشكلية  التي يجب مراعتها عند تشريع القوانين واصدارها ، اوهي قيودا موضوعية تتعلق بموضوع القانون وفحواه،فان حادت سلطة التشريع عن مقتضى تلك الموجهات والقيود وهي بصدد سن تشريع،أو حادت عن حدود الاختصاصات التي رسمها لها أو تحللت من القيود التي وضعها او انها  خالفت بقانون أصدرته او انظمة وتعليمات تبنتها ، مبدأً أو نصاً دستورياً، فانها تكون بذلك قد تجاوزت اختصاصاتها وحدود سلطتها وتحقق سبب من اسباب الطعن بعدم الدستورية، ويعد ما أقدمت عليه معيبـا وباطـلاً لمخالفته الدستور،ويسرى نفس الحكم على التصرفات المشوبة بعيب عدم الدستورية الصادرة من السلطة التنفيذية اومن السلطة القضائية.

 وفي ضوء ماتقدم، يتضح انه لايكفي ان يراعي القانون الصادر من السلطة التشريعية الشكل الذي يتطلبه الدستورفي القانون ، وانما يجب ايضاً ان يكون متفقاً مع القواعد الموضوعية التي جاء بها الدستور وروح الدستور، فضلا عن ان الانظمة والتعليمات التي تصدرها السلطة التنفيذية ، التي تعرف بالتشريعات الفرعية ، ينبغي ان تكون متوافقة مع القانون والدستور من حيث الشكل والموضوع ايضا. وعليه فان اسباب الطعن هي اما عيوب شكلية او عيوب موضوعية:

المبحث الاول  ـ العيوب الشكلية (عدم مراعاة الشروط والاجراءات الشكلية الواجب اتباعها ) :

تتطلب الدساتير عادة ، ان تمر عملية سن التشريع  بسلسلة من الاجراءات الشكلية التي يتعين على سلطة التشريع مراعاتها حتى يكون التشريع دستورياً، ويترتب على عدم مراعاة قواعد الشكل الاجراءات الشكلية ان يولد التشريع باطلا بسبب انه معيب بعيب عدم مراعاة الشكل والاجراءات، مما يتعين الغاؤه عند الطعن به امام المحكمة الدستورية والتي تعرف في العراق بأسم (المحكمة الاتحادية العليا) ،اذا ما تعلق الامر بمخالفة جوهرية لتلك  القواعد والاجراءات .

 ومن امثلة الاجراءات الشكلية التي تتطلبها الدساتير المقارنة بصفة عامة ، تحقق نصاب انعقاد مجلس النواب سواء بالاغلبية المطلقة او الاغلبية البسيطة ، وجهة تقديم مشاريع القوانين او اقتراحها ،وجوب ادراج مشروع القانون في جدول الاعمال قبل مناقشته،والاجراءات الواجب اتباعها لقراءة مشاريع القوانين،والنصاب اللازم للموافقة على سن التشريع وتصديق الجهة المخولة صلاحية التصديق والاصدار،وهي السلطة التنفيذية عادة،وان يصدر التشريع بموافقة الاغلبية البرلمانية التي حددها الدستور.

غاية الشكلية والتمييز بين الاشكال والاجراءات الجوهرية وغير الجوهرية :

 وجدت الشكلية في الشرائع القانونية القديمة ولازالت موجودة في احدثها ، والشكلية البدائية هي شكلية رمزية تنطوي على القيام بحركات خاصة او التفوه بعبارات محددة يتوقف عليها تحقق الاثر القانوني ، ويرى مؤرخوا القانون ان هذه الشكلية كانت تعبر عن رغبة عند الانسان القديم في اشباع غريزة حب المظاهر الخارجية البراقة التي كانت،بما تضفيه من رونق وبهاء على حياته، تقيم الحساسية مقام عقلية كانت لاتزال قاصرة.

 وتختلف الشكلية الحديثة عن القديمة في انها  معقولة ومنطقية واكثر مرونة، وانها لاتكفي لوحدها لترتيب الاثر القانوني بل يجب ان تقترن بالارادة السليمة غير المشوبة بعيب من عيوب الرضا ، فالارادة هي التي يقع عليها الشكل، ولم تعد الشكليات الحديثة مجرد طقوس تمارس ممارسة عمياء ، بعد ان تمكنت البشرية في تطورات لاحقة من التمييز بين مضارها ومنافعها ، وعرفوا مايترتب عليها من تعقيدات وتعطيل وجهد ضائع وعرفوا مالها من فضل في ايقاظ الانتباه والتحذير من الفخاخ التي تنصب للارادة،وبث اليقين في انتاج الواقعة اثارها المطلوبة وتهيئة الوسيلة لاثبات هذه الواقعة حين النزاع عليها . وكان للفقه والقضاء عبر التاريخ الفضل في التمييز بين ماهو مفيد وجوهري من الشكليات والتمسك به وبين ماهو ضار وغير جوهري من الشكليات ومن ثم استبعادها بطريقة او باخرى. 

ويميز الفقه والقضاء المعاصر كذلك  بين الاشكال والاجراءات الجوهرية وغير الجوهرية والغرض من هذا التمييز هو ترتيب البطلان على القرارات التي تفتقد لشكلياتها الجوهرية اما القرارات التي تفتقد للشكليات غير الجوهرية فلا تكون باطلة،وفي هذه الحالة نكون في مواجهة قرارات معيبة بعيب الشكل ولكن هذا العيب لا يؤدي الى البطلان،وقد اورد الفقه امثلة كثيرة من قضاء مجلس الدولة الفرنسي على الشكليات التي لم يعتبرها المجلس من الشكليات الجوهرية الموثرة على سلامة القرار،مثل الحكم بصحة انتخاب على الرغم من عدم السماح لعدد قليل من الافراد بالتصويت على خلاف القانون اذا كان عددهم من القلة بحيث لم يكن من شأنه ان يؤثر موضوعاً على النتيجة النهائية ، او اذا كانت الاشكال والاجراءات المقررة هدفها تحقيق مصلحة الادارة لا الافراد ، ولكن متى تكون شكليات القرار جوهرية ومتى لا تكون جوهرية ، وهل يسري نفس المبدأ بالنسبة للقضاء الدستوري ؟

لايوجد معيار ثابت لتحديد ماهو جوهري او غير جوهري من الاشكال ، وانما يعتمد تقدير ذلك على الذكاء والحدس والفهم الصحيح لطبيعة الاشياء ومنطقها والغايات المرجوة منها ،الا ان مما لا شك فيه ان التشدد الزائد في مراعاة مختلف الشكليات والاجراءات على نحو واحد يؤدي بالنتيجة الى ضياع الوقت وعرقلة النشاط التشريعي دون ان تكون هناك قيمة حقيقية مقابل ذلك لتلك الشكليات، والملاحظ ان قواعد الشكل والاجراءات المصاحبة  لعملية التشريع  قد يرد النص عليها في الدستور ذاته، كما انها قد ترد في الانظمة الداخلية للبرلمان  . وذهب الفقه في ذلك الى اتجاهين فذهب الاتجاه الاول الى ان العيب الشكلي  يمكن ان يتحقق عند مخالفة التشريع للقواعد الشكلية سواء قد وردت في الدستور او في الانظمة الداخلية  للبرلمان،بينما ذهب الاتجاه الاخر بان عيب عدم الدستورية لمخالفة الشكل لايتحقق الا اذا كانت  الشكلية التي خولفت قد ورد النص عليها في الدستور ذاته . فالمعول عليه في الرقابة الدستورية هو ما ورد من شكليات واجراءات في الدستور، اما ماتضمنته النصوص القانونية الاخرى الاقل مرتبة من قواعد شكلية فان مخالفتها لا تؤدي الى عدم دستوريته.

والحال ان دستور جمهورية العراق قد تضمن اشكالا متنوعة من الاجراءات الشكلية،منها مايتعلق بتحديد زمن معين للقيام بتصرف ما ، وقد يكون بعض هذه الشكليات الزمنية جوهرية او غير جوهرية ، ونرى ان تقدير اثر عدم مراعاة الشكل على دستورية التشريع او التصرف انما يعود تقديره للقضاء .

والمحكمة الاتحادية العليا بطبيعة الحال لاتبحث في العيوب الموضوعية الا بعد ان تتاكد من خلو التشريع من المخالفات  الشكلية  للاوضاع  والاجراءات  التي تطلبها  الدستور،ذلك ان العيوب  الشكلية  تتقدم العيوب الموضوعية .

وقد تبنى المشرع الدستوري العراقي في دستور 2005 النافذ عدد من الاجراءات الشكلية منها مايتعلق بنصاب انعقاد جلسات مجلس النواب وجهة تقديم مشاريع القوانين كما في المادة (59) بنصها (اولاً : يتحقق نصاب انعقاد جلسات مجلس النواب بحضور الاغلبية المطلقة لعدد اعضائه. ثانيا: تتخذ القرارات في جلسات مجلس النواب بالاغلبية البسيطة، بعد تحقق النصاب ما لم ينـص على خلاف ذلك) والمادة (60) بنصها ( اولا: مشروعات القوانين تقدم من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء . ثانيا: مقترحات القوانين تقدم من عشرة من أعضاء مجلس النواب، أو من إحدى لجانه المختصة .)

ونصت المادة (138) بانه ( خامسا: أ. ترسل القوانين والقرارات التي يسنها مجلس النواب إلى مجلس الرئاسة لغرض الموافقة عليها بالاجماع واصدارها خلال عشرة ايام من تاريخ وصولها اليه باستثناء ما ورد في المادتين (118) و(119) من هذا الدستور والمتعلقتين بتكوين الأقاليم . ب. في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة، تعاد القوانين والقرارات إلى مجلس النواب لاعادة النظر في النواحي المعترض عليها والتصويت عليها بالاغلبية وترسل ثانية إلى مجلس الرئاسة للموافقة عليها . ج. في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة على القوانين والقرارات ثانية خلال عشرة ايام من تاريخ وصولها اليه تعاد إلى مجلس النواب الذي له ان يقرها باغلبية ثلاثة اخماس عدد اعضائه،غير قابلة للاعتراض و تعد مصادقا عليها . سادسا: يمارس مجلس الرئاسة صلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في هذا الدستور.)

والمادة (144) التي نصت على انه( يعد هذا الدستور نافذاً بعد موافقة الشعب عليه بالاستفتاء العام ونشره في الجريدة الرسمية وتشكيل الحكومة بموجبه .)

وتعدد الاغراض او الحكمة من الشكليات في المجال التشريعي،فقد يكون الغرض منها الاشهار بسلامة الارادة التشريعية وبان كل شيء سار على مايرام حسب الاوضاع الدستورية باعتبار ان الشكل هو المظهر المادي للتعبير عن الارادة ، وقد تبدو مظهرا من مظاهر الرقابة المتبادلة بين السلطات كما في وجوب تصديق واصدار القانون من السلطة التنفيذية لنفاذه.

تـعـــديــل الـدســتـور : يكـتسب تعـديـل الدسـتور اهمـيـة خـاصـة ، اذ يـحـاط تـعديله بضمانات شكلية وموضوعية متعددة فى دســاتـيـر الـدول الـديـمقـراطيـة ،حتى لايكون تعديل الدستور وسـيلة القابضين على السلطة فى تكريس الحكم الدكتاتورى وكوسـيلة للانتقاص من حقوق وحريات المواطنين بحجج ومزاعم مختلفة ،كالمؤامرات الخارجية والداخلية او المصلحة العامة ....

وعلى هذا الاسـاس سـاد الاعتقاد فى فقه القانون الدستورى الحديث على وجوب اسـناد مهمة التعديل الدستورى الى الهيئة التى اناط بها الدستور هذه المهمة وبالطريقة والقيود والاجراءات التى حددتها الوثيقة الدستورية ، فأذا كان الدستور قد انـشـأ بطريقة الاستفتاء الدستورى فأن مسألة تعديله يجب ان تناط بالاستفتاء الدستوري ايضا .

وحسب المادة (126) من الدستور، فانه ( اولا: لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو لخمس (1/5) اعضاء مجلس النواب،اقتراح تعديل الدستور . ثانيا:لا يجوز تعديل المبادئ الاساسية الواردة في الباب الاول والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناء على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة ايام . ثالثا: لايجوز تعديل المواد الاخرى غير المنصوص عليها في البند (ثانيا) من هذه المادة الا بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام . رابعا : لايجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الاقاليم التي لاتكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية الا بموافقة السلطة التشريعية في الاقليم المعني وموافقة اغلبية سكانه باستفتاء عام . خامسا : أ ـ يعد التعديل مصادقا عليه من قبل رئيس الجمهورية بعد انتهاء المدة المنصوص عليها في البند (ثانيا) و ( ثالثا) من هذه المادة في حالة عدم تصديقه . ب ـ يعد التعديل نافذا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية .)

وجاء في المادة (142) من الدستور على انه (رابعا ـ يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحاً بموافقة أغلبية المصوتين، وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر . هـ ـ يستثنى ما ورد من هذه المادة من احكام المادة (126) المتعلقة بتعديل الدستور، الى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة . )

ونصت المادة (131) من الدستورعلى انه ( كل استفتاء وارد في هذا الدستور يكون ناجحا بموافقة اغلبية المصوتين مالم ينص على خلاف ذلك.)

يتضح من النصوص المتقدمة ان المشرع الدستوري العراقي قد وضع قيود شكلية متشددة على مسألة تعديل الدستور مراعيا بذلك ما أخذت به دساتير الدول الديمقراطية وضمانا لحقوق الشعب من تحكم الاغلبية البرلمانية في اي وقت من الاوقات ومحاولة تعديلها للدستور وفقا للمصالح السياسية الانية .

المبحث الثاني ـ العيوب الموضوعية : وهي عيب عدم الاختصاص والعيب الذي يلحق محل التشريع وعيب الانحراف بالسلطة التشريعية .

اولاـ عيب عدم الاختصاص :

 يمكن ان نعرف عدم الاختصاص بانه ( عدم توفر الصلاحية القانونية  للقيام بتصرف معين) . وتقوم فلسفة الطعن بعدم الدستورية في هذا المقام على  مبدأ اساسي هو مبدأ الفصل بين السلطات .

ومبدأ الفصل بين السلطات مبدأ مهم تقوم عليه الدولة القانونية المعاصرة ونصت عليه الدساتير الحديثة ،وهو احد الابتكارات التي اوجدها العقل البشري كمانع من نمو وترعرع الدكتاتورية في احضان السلطة المطقة التي تتجمع فيها كل انواع السلطات، وترسخ هذا المبدأ بكتابات رواد النهضة ( مونتسكيو ، جون لوك ، روسو ) ، ومفاد هذا المبدأ انه يجب ان لاتجتمع جميع السلطات ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) فى يد شخص واحد او هيئة واحدة، لأن اجتماعها بيد واحدة مدعاة للتسلط والتعسف والدكتاتورية المطلقة،مما ينبغي توزيع  الاختصاصات  بين سلطات  الدولة الثلاثة ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) على نحو يكفل تحديد المسؤوليات وعدم التداخل في مابين هذه السلطات تداخلا يؤدي الى تشتت الصلاحيات واهدار قيمة النصوص الدستورية وان تكون هناك رقابة متبادلة بين هذه السلطات ، فـ (السلطة توقف السلطة ) كما يقول مونتسكيو.

وتستند الفلسفة الدستورية في هذا الشأن الى ان مؤسسات الدولة القانونية المعاصرة انما تستمد شرعية وجودها من الدستور فهو الذي انشأها وهو الذي يحدد اختصاص كل سلطة من هذه السلطات ومن ثم ينبغي على كل سلطة أن تقوم باختصاصها كما حدده الدستور من ناحية ولا ينبغي لها إن تقوم باختصاص غيرها من السلطات من ناحية اخرى ، وهذا التقسيم يتطلب قدرا عاليا من التنظيم القانوني لتنظيم العلاقة بين هذه السلطات من جانب ، وبينها وبين افراد الشعب من جانب أخر ، وايجاد رقابة فعالة لضمان عدم انحراف اي من هذه السلطات عن الحدود القانونية المرسومة لها او التعسف في استعمال الحقوق المقررة لها على نحو يتعارض مع الغايات الاجتماعية  لتلك الحقوق .

و تاخذ دساتير بعض الدول بمبدأ الفصل التام بين السلطات وهو مايعرف بالنظام الرئاسى كما هو الامر فى الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وهناك دول تاخذ بالفصل النسبي وهو مايعرف بالنظام البرلماني كما  هو الامر في انكلترا والعراق في ظل دستور سنة 2005  مثلا .

صورعيب  مخالفة  قواعد الاختصاص : هذا العيب قد يكون عضوياً او موضوعياً أو زمنيا  ًاومكانياً.

1ـ عدم الاختصاص العضوي (العنصر الشخصي) : والعنصر الشخصي في الاختصاص يعني أن يقوم بالاختصاص الدستوري الجهة أو الشخص الذي حدده الدستور للقيام بهذا الاختصاص دون غيره . كما في الايجاز التالي :

أ ـ اختصاصات السلطة التشريعية العضوية : السلطة التشريعية هي صاحبة الاختصاص الاصيل في التشريع ولا يجوز الخروج على هذا الاصل الا بنص  صريح في الدستور . حيث نصت المادة (61) من الدستور على انه  (يختص مجلس النواب بما يأتي : اولاً : تشريع القوانين الاتحادية .) واعمالا لما تقدم  فان ليس للسلطة التشريعية  ان تفوض السلطة التنفيذية للقيام باعمال التشريع كليا اوجزئيا الا اذا تضمن الدستور نصاً يمنحها هذا الحق ،

ب ـ اختصاصات السلطة التنفيذية العضوية : تباشر السلطة التنفيذية اختصاصاتها وفقا للدستور والقانون ، وإذا حدد الدستور اختصاصا معينا وعهد به إلى هيئة من هيئات السلطة التنفيذية او الى شخص من اشخاصها كرئيس الجمهورية او رئيس الوزراء ، فان له وحده دون غيره ان يباشر ذلك الاختصاص وعلى ذلك فانه لا يجوز لاي منهما ان يفوض اختصاصاته  لغيره الا اذا نص الدستور او القانون على جواز التفويض لان القاعدة في التفويض ان لاتفويض الا بنص . واذا حدد الدستور اختصاص السلطات الاتحادية على سبيل الحصر وترك ماعداها الى السلطات الاقليمية او المحلية ،فلايجوز ان تفوض احداهما سلطاتها للاخرى مالم ينص الدستور على جواز التفويض، وفي هذه الحالة ينبغي مراعاة قواعد وشروط التفويض العامة فضلا عن ما يضيفه المشرع من شروط خاصة .   

  وفي اطار نظام تفويض الاختصاص نصت المادة (123) من الدستور على انه ( يجوز تفويض سلطات الحكومة الاتحادية للمحافظات أو بالعكس، بموافقة الطرفين وينظم ذلك بقانون.)

 اختصاصات السلطة القضائية العضوية :اذا كان الفصل في الدعاوى المدنية والدعاوى الجنائية هو اختصاص عهد به الدستور الى السلطة القضائية حصريا فان هذه السلطة لا تستطيع إن تتخلى عن هذا الاختصاص لصالح غيرها من السلطات .

يترتب على ما تقدم انه لا يجوز لاية سلطة عهد إليها الدستور باختصاص معين إن تترك او ان تفوض هذا الاختصاص لغيرها من السلطات ،لان في ذلك  تفويت لقصد المشرع الدستوري ، ومن هنا كان التفويض غير ممكن في الاختصاصات التي عهد بها  الدستورالى جهة معينة الابناء على نص صريح فيه .

2ـ عدم الاختصاص الموضوعي : ويقصد به ان يكون التصرف الصادر من سلطة معينة هو من اختصاص سلطة اخرى .

 ويتعلق العنصر الموضوعي للاختصاص بترتيب نوعية الاختصاصات بين السلطات المختلفة في الدولة وكذلك امر ترتيبها داخل السلطة الواحدة من حيث الموضوع ، فاذا كانت قواعد الاختصاص الشخصي  تفرض ان تباشر كل سلطة اختصاصاتها بنفسها ، فان قواعد الاختصاص الموضوعي  تحدد لكل سلطة ما يتعين او يحق لها انه تتخذه من تصرفات قانونية في حدود سلطاتها . ومخالفة العنصر الموضوعي في الاختصاص يشكل عيبا دستوريا بعدم الاختصاص الموضوعي . ويلاحظ ان اغلب الباحثين العرب يخلطون بين هذا العنصر وعيب المحل او الموضوع في التشريع،  ويسوقون في هذا المقام امثلة تتعلق بعيب المحل (الموضوع)،وسنوضح الفرق بينهما عند دراسة العيب الذي يلحق محل التشريع او موضوعه.

أ ـ اختصاصات السلطة التشريعية الموضوعية  : السلطة التشريعية هي صاحبة الاختصاص الاصيل في التشريع ولا يجوز الخروج على هذا الاصل الا بنص  صريح في الدستور . حيث نصت المادة (61) من الدستور على انه  (يختص مجلس النواب بما يأتي : اولاً : تشريع القوانين الاتحادية .) ، ومن ثم لايجوز لاية سلطة في الدولة مباشرة اعمال التشريع سواء بشكل صريح او ضمني ، ومثال التشريع الضمني ان تصدر السلطة التنفيذية انظمة او تعليمات تتضمن مواضيع جديدة لم ينص عليها التشريع الاصلي التي صدرت الانظمة او التعليمات تسهيلا لتنفيذه ، او ان يفرض القاضي عقوبة لم ينص عليها القانون ، وهذه التصرفات وان ظهرت بمظهر قرار اداري او حكم قضائي فانها تعد تشريعا في حقيقتها ومعناها .

الا انه يلاحظ ان بعض الدساتير قد حددت مجالاً او مواضيع معينة يختص البرلمان بالتشريع بشأنها حصرا وترك ماعداها للسلطة التنفيذية،ومن ذلك الدستور الفرنسي لسنة 1958، الذي اشرف على وضعه الجنرال ديكول شخصيا كشرط لقبوله العودة الى للسلطة ، الذي وزع الوظيفة التشريعية بين الجمعية الوطنية والسلطة التنفيذية ، بحيث أصبحت هذه ألاخيرة هي صاحبة الولاية في  التشريع ،  واصبح اختصاص الجمعية الوطنية في التشريع محدداً  على سبيل  الحصر، بحيث اذا شرع  في غير المواضيع المحدده له بموجب الدستور طعن بعدم دستوريته لمخالفته العنصر الموضوعي في الاختصاص. ويلاحظ ان اغلب الباحثين يدرجون مثل هذا التطبيق ضمن عيب عدم الاختصاص الشخصي ، في حين ان عيب عدم الاختصاص الموضوعي هو الاظهر في هذا المقام ، فالعنصر الشخصي يتعلق بمارسة الاختصاص شخصيا دون تفويض ، والحال انه لايوجد في هذا المقام تخويل غير مشروع للغير او تفويض انما تم توزيع الاختصاصات الموضوعية بين سلطتين هما السلطتين التشريعية والتنفيذية بنص الدستور فان باشرت احداهما ماهو مخصص للاخرى من مواضيع, فان عيب عدم الاختصاص الموضوعي هو الذي يتحقق .

ب ـ اختصاصات السلطة التنفيذية الموضوعية : تباشر السلطة التنفيذية اختصاصاتها وفقا للدستور والقانون ، وإذا حدد الدستور اختصاصا معينا وعهد به إلى هيئة من هيئات السلطة التنفيذية او الى شخص من اشخاصها كرئيس الجمهورية او رئيس الوزراء ، فان له وحده دون غيره ان يباشر ذلك الاختصاص وعلى ذلك فانه لا يجوز لاي منهما ان يفوض اختصاصاته  لغيره الا اذا نص الدستور او القانون على جواز التفويض لان القاعدة في التفويض ان لاتفويض الا بنص .

التشريع الفرعي : في ظل دستور العراق لسنة 2005 ، فان سلطة وضع التشريع الفرعي ( الانظمة ، التعليمات ، النظام الداخلي ) تقع على عاتق السلطة التنفيذية ، بما لها من اختصاص اصيل مخول لها بموجب الدستور ابتغاء تنفيذ التشريع العادي او تنظيم المرافق العامة ومن قبيل التشريع الفرعي مايعرف في مصر باللائحة سواء كانت تنفيذية او تنظيمية او لائحة ضبط ، والتشريع الفرعي هو ادنى انواع التشريع مرتبة .ويشترط في التشريع الفرعي ان يكون متوافقا مع الدستور والقانون من حيث الشكل والموضوع ، حيث نصت الفقرة (ثالثا) من المادة (80)من الدستور على انه  (يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات الاتية. ثالثا: اصدار الانظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين .)

وهذا يعني ان اية سلطة في الدولة لاتملك وضع انظمة او تعليمات عدا السلطة التنفيذية مالم ينص الدستور على خلاف ذلك .  

وقد نص الدستور العراقي على اختصاصات السلطة التنفيذية ، حيث نصت المادة (67) منه على انه ( رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن يمثل سيادة البلاد، و يسهر على ضمان الالتزام بالدستور، والمحافظة على استقلال العراق، وسيادته، ووحدته، وسلامة اراضيه، وفقاً لاحكام الدستور .)

ونصت المادة (78): رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بادارة مجلس الوزراء ويترأس اجتماعاته، وله الحق باقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب.

 ونصت المادة (80) على صلاحيات  مجلس الوزراء.

ج ـ اختصاصات السلطة القضائية الموضوعية  : مهمة القضاء الاساسية، تحقـيـق الــعـــدل فـى المجتمع وحماية الحريات العامة وحقوق المواطنين والفصل في المنازعات وتفسير وتطبيق القوانين على الحالات التى تعرض امامه،ويتمتع القضاء في الدول القانونية بأستقلال عن باقي السلطات في الدولة حتى يتمكن من تحقيق مبدأ المساواة امام القانون ، وليباشر عمله بحيادية ومن دون تردد أو ضغط ، بما يضمن حسن سير العدالة .

وحدد دستور جمهورية العراق طبيعة عمل وتكوين واختصاصات السلطة القضائية، حيث نصت المادة (87) منه على انه (السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها وتصدر احكامها وفقا للقانون .)

 ونصت المادة (88) منه ( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولايجوز لاية سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة .)

 واشارت المادة (89) منه الى تكوين السلطة القضائية بقولها (تتكون السلطة القضائية الاتحادية من مجلس القضاء الاعلى، والمحكمة الاتحادية العليا، ومحكمة التمييز الاتحادية، وجهاز الادعاء العام، وهيئة الاشراف القضائي، والمحاكم الاتحادية الاخرى التي تنظم وفقا للقانون.)

وحددت المادة (91) منه اختصاصات مجلس القضاء بقولها (يمارس مجلس القضاء الاعلى الصلاحيات الآتية : اولا: إدارة شؤون الق&#