الرسوم الجدارية الرافدينية
الرسم ألجداري عادة يتوق إلى بيان معلن، بفضاء معلن وبأفكار تتقارب من المعنى تشغل أساسيات وتمنح دافعية، تبدو لنا أكثر انفتاح للفن التشكيلي عندما يكون حبيس القاعات أو المعارض أو المتاحف . الفنان الرافد يني منح لنفسه دافعية لان يفصح عن تلك المكونات المنحبسة لفنون الفخار والنحت وكذلك المنحوتات الفخارية ، وليكون مرشده الأساسي في الأفكار التأثيرات البيئية ، ومن ثم الأداء التقني الذي يعطي التوجه التشكيلي بظهور فن جديد اسمه الرسم ألجداري بعد أن كانت رسوماته لاتتعدى المغارات والكهوف.
كانت المغارة والكهف بالنسبة له التجريب المستمر الذي يخضع إلى استقراءاته الفكرية، في أن يكون مملكة فنية لوحده لما حمل في داخله من مزايا قد يفصح عنها الجيل القادم من خلال تنقيبا ته وتحليلاته الفنية ، لذلك كانت فرصة وجود الرسوم الجدارية ف الكهوف احد الحوافز المهمة لان يعلن الإنسان الأول في بلاد الرافدين إلى بلورة أساليب جديدة يبدأ توزيعها بجدران المعابد والقصور وقاعات وفناءات السلطة الملكية . وفي نفس الوقت تخضع إلى تنويعات متباينة في المقاييس عن رسوم المغارات والكهوف ، لتعطي بدورها رؤية خطابية جديدة جديدة للنص الأدائي الذي يوازن الطروحات الشكلية للفنون الأخرى وهي النحت والفخار .
الفنان الرافد يني أعطى للتجسيد الشكلي دورا هاما في مكوناته الفنية بعد أن ابتعد في الرسم ألجداري عن الاد لة النصية المباشرة بمضامين حالات الحدث ، كونه بدا يبحث عن ممارسة بفكر تجسيدي يعظم به شعائر الملوك والالهه والكهنة ويعطي دور اكبر لهم بمراسيم الطقوس والشعائر التي تلعب في دائرة المعتقد الديني .
حيث يرى انه ليس من الحكمة الاعتماد على الطين والاكاسيد اللونية في الفخار ، والحجر في المنحوتات هذه الاعتمادات ابتعد عنها كونه أراد أن يحدث تغيير شامل في بنية الفنون التشكيلية من خلال إضافة الرسم ألجداري ، وهو يلجا إلى التجدد ولكن هذا لايعني انه ابتعد عن الفنون الأخرى وإنما هي حالة التجدد المطلوبة دائما
وبالرغم من أن أول رسم جداري كان في احد مغارات قرية جرموا في محافظة دهوك الرافدينة وهو عبارة عن طبعات للكف البشري المخلوط بألوان الدم الحمراء كان لوحده رسما جداريا تعامل مع دائرة المعتقد الديني ، ليدفع الخطر عنه ويرجعه إلى الوجود وكذلك كانت هناك بعض من الرسوم الجارية في منطقة
حلف في مدينة الموصل ، ومناطق جنوب العراق في أوروك حيث وجد زوجان من الفهود على احد المعابد . وليبلغ ذروة الفن ألجداري هي قصور ماري في المنطقة الغربية من العراق وعلى ضفاف رافد الفرات ، هنا أفصح الفنان الرافد يني عن درامية الافكاركمضامين. وإشارات شكلية لمراسيم طقوسية عالية الأداء فهي بلاشك تعطي دلالات قصديه مرة تكون مبهج ومفرحة كونها تتعامل مع أحداث انتصار البلاد ، ومراسيم تسليم الالهه القرابين والحصول على رضاهم هذا الخلود المعنوي هو احد الأمور الأساسية الذي يتعامل بها الفنان مع عامة الشعب في أن يعكس تلك المشاهد والصور إليهم ، وهناك ماتثير الأسى والحزن من خلال تصويرها لمعارك وحروب متعددة ولكن من جانب واحد وعدم تصوير مايحل بهم ولكن مايحل بالأعداء هو الدافع المعنوي الذي يولد الخلود .
يرى الكاتب إن تجسيد تلك الموضوعات أخذت تنسحب لتكون جزء من مفردات الرسم ألجداري المعاصر ، كونه حقق الاستجابة الجمالية للمتلقي وهذه ناحية مهمة جدا أن يتغير لون الجدار الأصم إلى حياة مبهجة بمفردات التشكيل . الأمر الآخر هو وضوح المشهد البصري للفن ألجداري يعلن بدوره عن ابتعاده من أن يكون دوره إعلاني ليعطي الضوء الأخضر إلى فن البوستر الذي يقوم بتلك المهمة لأنه ليس فنا إخباريا يحتاج إلى رسائل حاذقة وتقنية ماهرة للطبع وفرز الألوان ، وإنما يحتاج إلى رؤى مباشرة تتصارع فيما بينها لتقوم بسحب وتسجيل كل ماموجود بالذاكرة وتعطيه دور ، في أن يأخذ مساحة كافية من هذا الفن .
وعندما يقوم الفنان العالمي بيكاسو برسم لوحته الشهيرة في مبنى مجلس الأمن والأمم المتحدة والتي اسماها الأستاذ الدكتور زهير صاحب ( جورنيكا عصر حلف )
هذه واحدة من الدلالات المهمة بسحب مفردات والماضي وانسجامها بالفنون المعاصرة ، ولهذا أراد الفنان بيكاسو أن يجمع فنون الأرض التشكيلية بقيمها الاجتماعية ذات المستوى التكعيبي الأدائي في الجدارية ليعطيها المعنى المؤئر للهيمنة دون السماح لهيمنة الأفكار التعتيمية البعيدة المعنى ، لأنها يعتقد أن تتحول إلى ضغوطات مباشرة على القيم والعقائد ، التي تحكمت بها العلاقات الاجتماعية لتلك البلدان ، فكانت الجدارية ذات مفردات رافدينية ووادي النيل والرومان والإغريق والحضارة الصينية وفنون أوربا وغيرها .... هذه كونت مفاهيم فلسفية شكلت أفكار وتشكيلات لونية هارمونية جسدت الأداء التقني ، هكذا نرى الفنان المعاصر حله حال الفنان القديم تعامل مع فن الرسم ألجداري ، بنفس روحية التوازن دون الاقتراب من دواعي الرسم في اللوحة ، انها رسوم متكاملة حرة تتحرك باتجاهات فضاءات العمل الفني بحرية وانسيابية عالية .
محمد العبيدي