بنية الفكر الأسطورية... عامل فاعل
في
سياقات الفخار الرافد يني القديم
الأساطير جاءت في بدايتها، استجابة لحاجة تفسير لظاهرة مرتبطة بوعي معلن، فإذا تم إنزال تلك الأساطير وإسباغها بالحدث التاريخي فربما، يحدث قطيعة مع الوعي المعلن نفسه كونه نشا فيها. وبما أن توظيف الأسطورة ، هو الذي أعطاها معنى جديد نتيجة لمفهوم السياق الذي لعب دورا أساسيا ضمن محيطه التداولي في عالم تمثلت فيه قوى الطبيعة المنظورة منها وغير المنظورة .
هذا الأمر انعكس على الفنون التشكيلية بالدرجة الأساس وأعطى السياق القدرة المتناهية في التمثيل ومنها التي تحكمت ، بمصير الإنسان الذي أرغم الفن بتعبيرية عالية وضمه بدائرة المعتقد الديني ويسبح بأفلاكها ، وهنا أخذت الأسطورة دورا ذات دلالات شكلية في بادئ الأمر كون السياق لم يعطي فرصة التكوين الرمزي ليجعلها مجرد قصة أو حكاية ، وإنما عناية لفكر جديد كان موجودا في الأساس وبوجود السياق الذي دخل إلى عالم الفكر مثل الشكل بتجربة واعية وإنتاج جمع فيه ، خيالات الإنسان بصورة مشتركة (( الأسطورة ليست نتاج خيال فردي ، بل ظاهرة جمعية يلقها الخيال المشترك للجماعة وعواطفها وتأملاتها ، ولا تمنع هذه الخصيصة الجمعية للأسطورة من خضوعها لتأثير شخصيات روحية متفوقة )) (( فراس السواح من كتاب الأسطورة والمعنى )).
وهنا يرى الباحث من خلال الاستقصاء عن الأساطير بمفاهيم لغة الفنون اوجد لها طريق ذات علاقة وطيدة بالفكر الإنساني ولان الفنون الرافدينية تمثلت (( الفخار ، الرسم ألجداري، النحت وفنون العمارة)) كانت وليدة لمجتمع ، مهووس بالأفكار كونها ارتبطت بقوى الاستفسار ومن ثم التعبير العميق التي كشف عنها السياق ، خارج تمثيلها الفني في بداياتها ، الرسم ألجداري مثل حياة الصيد وقتل الحيوانات والاستفادة من جلودها وعظامها، ناهيك عن السيطرة ذات المغزى المتمثل بالقوة والتفرد بسلطة الحياة الجديدة دون التأثير عليه ، وكانت الدماء وطبعات الكفوف لليد البشرية (( ماهو إلا هاجس السيطرة على الحيوانات الغير أليفة)) والفخار بإشكاله البدائية الساذجة كان هو الآخر استعمالي استخدامي لحفظ السوائل وطهي الطعام وخزن الحبوب ، ولتكون المنحوتات الفخارية هي المتقرب الأول بحالات العاطفة والوجدان (( والالهه الأم )) كانت الوحيدة التي أعطت تمثيل وانعكاس مابين ماموجود من فكر وما يقود من عمل مبدع كشف للأسطورة ظاهرة من أهم الظواهر ، في الثقافة الإنسانية.
بهذه الفاعلية اوجد فن الفخار استثارة لانطباع الفكر ، ليكون وسيطا لمدركات روحية وما وجوده في المعبد هو الذي خلق لعامل الأسطورة نظامها الخاص ليكون لغة عالية الأداء في الفكر ، ونظامها العام المتمثل بإلهه والقوى الماورائية التي يعتمد بعضها على بعض والهرمية التي نسقت اختراع الفنون ، فخار ، رسم جداري، نحت ، العمارة وهنا نقول ارتباط فن الفخار بجوهر ، الفكر الديني تمثل بموضوعات لتبتعد عنه أفكار الأسطورة خطابات الفكر التداولية هي كانت في بداياته ، أداة تواصل فقط ولم تكن وسيلة انتقال وإنما كان الاقتران ، هو الذي جاء لاحقا بفعل السياق ، ولنأخذ النتاج الفخاري في أدواره المتعددة في ( العبيد ، وحلف ، وسامراء) كل أشكالها النحتية المضافة والمرسومة عليها بألوانها ، وتخطيطاتها على أوانيها كانت لغة من كلمات أولى ورموز أولية ، وليست بدائية لان السياق اعد لها منهج مبدئي كانت أفكار الأسطورة عاملا فاعلا فيها ، وإذا لم تكن بهكذا روحية ربما تبتعد أو لاتقوم على العقل ، أي الأسطورة تكون نظرة مباشرة إلى العالم ولم تخص الفنون بشيء
ولكن مع السياق حدد للفنون اللمسة الأصيلة للنظرة الأولى وجعلها وحدة واحدة لاتتجزا.
في فن الفخار الرافد يني كانت، أفكار الأسطورة تنطلق بوعي داخلي وروحي تنبثق منه شرارة الأفكار بوجود السياق ، الذي حدد هذا الفن كنشاط حياتي اجتماعي ومن ثم إبداع حرفي أدائي ادخل عليه معالم التقنية الذي هو الآخر حمل ، الفخار مدلولات ثقافية واجتماعية تبادلت الأثر والتأثير مع الحياة العامة لمجتمع بلاد الرافدين.
محمد العبيدي