كتابات عمرها 25 سنة ، تنشر أول مرة

نبيل تومي

 العائم

1

 

هيأوا كل الأشياء كما كان مفترضاً  ومتوقعاً ، ومن ثم جرى التصديق على كافة الأتفاقات مع بقية الأطراف الأخرى ، تلك التي تشاركهم لعبة جر الحـبل . جاء الجزء الأول من الأتفاق متشكلأً ضـمن الخطوط الأولى عبر ممرات ضيقة و ملـتـوية جدا بين الغابات والأحراش وبساتين الكروم وأشجار التفاح واللوز والجوز المتشابكة والمتشعبة ، حيث تحيط بها أسيجة خضراء من مروج واسعة الخيرات والآخذة في الأرتفاع بعض الأحيان والأنخفاض في بعضها الأخر، وعلى مرمى النظر تبدو سفوح مرتفعة تكللها قمم جبلية عالية وهي مغطاة في الغالب بثلوج بيضاء ناصعة ، حين عند بدأ فصل الصيف تشرع في الذوبان كاشفة من جديد عن حلتها الوردية والحمراء أحياناً والبنفسجية أحياناً أُخر وهي الملفتة للأنظار بفتنتها االلا متناهـية .

 

أكواخ بمستوى البصر وأخرى منخفضة ، ومجموعة أخرى أعلى مستوى مبعثرة هنا وهناك قرب الجداول والينابيع ذات المياه العذبة ، أنواع كثيرة وغير منتهية من الفواكه ذي المواسم المتعددة ثمة أشكال غير متناسقة ولاهندسية أجتمعت في نقطة مشتركه واحدة وهي خصبها الدائم وثمارها الطازجه التي تراها متناثرة بين الطبيعة الطيبه طوال العام لتكسوها رونقاً وبهاءاً . الخريف يطبع ملامحه على الأبواب ، وثمة ريح تصـفـُر على غير العادة ..... وعلى نحو مزعج وكـأنها تعلن عن شراسة العام الذي مضى  منذرة بحقد دفين وكراهية أكثر سوداوية للفصول التي غادرته والتي سوف تليه وتزيله ثم تحيله الى ذكريات مرة فقط ، ذكريات من الأضطهاد والقهر والغدر على اللذين يعملون من أجل الحاضر والمستقبل الأفضل .  

 

يتقدم مجرى أحد الأنهر السريعة الجريان ، أحد الأكواخ المستقرة قربه ، وفي ذلك النهر وضعت مصيدة للأسماك مربعة الشكل أو دائرية أحياناً ، تتكون من أربعة أعمدة من العصي القوية والسميكة نوعما ثبتت في الماء على شكل غرس قوي متماسك ، ومن ثم رصت أوتاداً على التوازي بصورة متقاربة أقل سمكاً من البعض الآخر ، لا تفصل مسافة كبيرة  بين وتد وآخر ومن ثم ربطت  عصي أكثر نحافة من السابقه بالتوالي ، حيث بدت  للناظر قائمة واحدة تلو الآخرى مربوطة جميعها بشكل متقن وقوي . ترص الجوانب الثلاثة بطريقة تجعل الجانب الرابع والمواجه لمجرى النهر شبه مفتوح ، كي تسهل عملية خداع الأسماك المتوهمة بأن مجرى النهر يسير بشكله الطبيعي .... عندما تسمح الفوهات المتواجدة بين العصي والأقفاص بدخول الأسماك وبعدم خروجها ، وبهذه الحالة فقط تسمح الفتحات الصغيرة بخروج المياه ، وهناك تبقى الأسماك عاجزة عن السباحة عكس أتجاه مجرى النهر فتسقط في الفخ .

بنفس الطريقه يقع عبطاً ذوو الأفكار التنويرية والتغيرية والتقدمية الراغبين في النهوض بالشراك نفسها ، بحيث  يغدو مستبعداً جداً تجسيد أحلامهم ، تستخدم هذه الطريقة في الواقع لصيد الأسماك ،

 ذلك الصيد الجماعي يكبرعند أزدياد سيل المطالبين بالحرية والتغير الديمقراطي ..... و بالضبط عند بدء المد الثوري ، وعليه يصعب إحصاء سيارات الشرطة التي تحـّبل بشكل لا شرعي بالقادمين مع ذاك المد . كما تمتلئ شباك الصيادين بالأسماك التي لا حول لها ولا قوة .

 

 

 

الـعائـم 

 2

   على مقربة من تلك الأكواخ وبين حنايا أحد الكهوف الصغيرة القابعة في تلك الجبال الصخرية التاريخية المعمرة ، وفي زاوية الكهف المجاورة منه ، بنيّ مشوى مشاعي الأستخدام ..... وفي الجانب  الثاني من الكهف أختـُزنت أخشاب جافة مرصوصة بأنتظام .... منتظرة حرقها على أمتداد أيام الشتاء  حيث أعتاد الجميع على     جمع الأخشاب في أيام فصل الفقراء الطويله من أجل مجابهة قسوة البرد القارس ، لكنهم على الرغم من ذلك وعلى مرّ الأزمنه ظلوا هادئين مقتنعين لايشغلهم سوى مواصلة ما دآب عليه آبائهم وأجدادهم .... فهم يجمعهم قاسم مشترك واحد وهو الذي يحيل أجسادهم النحيلة  الى هياكل عظمية أو (فزاعات )  تخيف الطيور التي دآبت على أكل قوة عملهم ، والتي أودعوها في الغرس والزرع هنا وهناك متحدّين أهوال الطبيعة وما يرافقها .

 

كان كل شيئ يبدولهم طبيعياً .... حتـى أمنياتهم كانت تنحصر فقط في أن تبتعد طائرات السلطة عن أقتناص قراهم الآمنه وحرق مزارعهم وبساتينهم فضلأ عن أقتناصهم الجماعي ، لم يعد مهماً لديهم أن يحيوا في ظل المدنية أو أن يتمتعوا كالبقية ،  بحياة هانئة هادئة مرضية..... كان الأكثرمهماً عندهم ان يتمرسوا على ما يستجد من الصراعات الدائمة مع الطبيعة القاسية ومسالكها الوعرة وتقلبات الأنواء الجوية المعروفة نتائجها المسبقة والمرصود لها حلول ، كي يحكموا سيطرتهم عليها وبالتالي ليتحرروا من القيود التي قد تجلبها أليهم . كل ذلك من أجل الأستمرار بأسدال الستار على المضطهدين والمستغلين الجدد ... ومن الجانب الآخر يتناقض معهم الطرف المتفق معهم حول مصيرالمشاحيف وزوارق الصيد الصغيرة القليلة بين هذه المجموعات من البردي المنزوعة والمجردة منها الحياة ، والتي سلبت منها الحرية ومنعت عنها الشمس ، مسروقة منها أحلامها المتوقدة فتنة وحباً ووفاء للأهل الجنوب ...  إذاً هم يشكون شحة شيئ ما .

 

كانت لهم رغبة جامحة في طرد الحيتان الغازية الجائعة دوماً جوعاً مزمناً حتـى القيـئ ، رغم ذلك فـهـم يرفضون ويحاولون خلق فجوة لهم بـيـن الزوارق البخارية الدخيلة والمشاحيف المحلية الفـقـيرة  التي أعتادوا عليها ، من تلك الجالبة لهم الموت والجاعلة منهم مجاميع مـفـكـكة ، ويعـدّون هناك مع الرافضين لكل المحن واهبين الحياة للمستقبل .
 

رأوهم ذات يوم في عوامة فوق أحد الأنهر العذبة سوية مع فتيات جميلات فاتنات لا يعيبهن شيئ سوى انهن خجلات لغرابة المجتمع عنهن ، واللآئي يتمتعن بصفات المدنية ،،،، أكتسبنها بالضرورة من خلال أنتمائهن لبعض المجتمعات الغربية البعيدة  ...  وهن الآن يخجلن من العودة الى سابق عهدهن ، وحتما ً لولا الضرورة وأحكامها لبقين حيث كانوا . أحتفل الجميع ورفعوا نخب الأتفاق وراحت أقداح الخمر ترتفع مهلهلة بسعادة ومفرغة ما أحتوتة في جوفهم ، دعماً لتلك الأتفاقات الهزيلة . أندهش الأخرون لهذا المصير الذي آل أليه إتفاقهم ... لم يسئلوا عن أي شيئ ولكنهم عرفوا بأنه الغرق...أي الأبتعاد عن الحقيقة وطمس الأتفاق أو لغاءه ...

 

 أبتعدوا عن النهر وأنحسروا عنه كجزر البحر ....  بعيداً معتقديين أنه أنتهى وأبتلى بدخول الجراثيم الخبيثة ، لكثرة ما سيـق أليه من مياه المستنقعات القادمة من جميع الأتجاهات . ظلوا معهم قريبين ملاصقين لهم أحيانا و خلفهم آخرى ، بجانبهم مرة ,اخرى خلفهم يلاحقونهم ويراقبونهم من خلال فتحات الضميرالناصعة وعبر خيوطـاً للضوء القادم من زوايا باقية ومستمرة في الرفض حتى وأن تجاهلوهم أو تنـصلوا عنـهم .

 

 رأوهم من جديد هذه المرة في المعتقل وفي أحدى غرف التعذيب الوحشية وحالات عرض لأجساد آدمية يتم فيها

أستخدام عضلات الضد اللأستجوابية لتبرير نشوتهم الدموية العدوانية هناك بين قضبان الموت المخصية ،  وليدة عهود منسية ، كانوا رافضين ذلك بجدية ، جاء دورهم لكي يروهم .... وقد أرتفع الحبل بهم من نقطة جذب الأرض لهم ، وحيث يذهبون الى أبعد من ذلك في تصوراتهم وتخيلاتهم النفسية عن الموت ، وعن البعد الحقيقي للروح ... تلك الغفوة الأبدية الطويلة ... ولكن الى أين ؟ ؟ ؟  وكيف ؟؟؟  تحدوا الموت وهم معلقون من رقابهم وبكل إصرار عـبّرواعما يريدون ... وأوصلوا صوتهم الى الجميع وأسمعّـوا من هم  أكثر صمماً في الوجود ،  كانت لهم لغات عديدة خاصة بهم للتفاهم ، أما عيونهم فكانت تجسيداً حيـاً لمعاني الكلمات بجدارة وجرأة فسـّر موتهم كـأنه أيـقـاظ  للناس وخوفا منهم

 على مصيرالناس ،  فهم يدركون ما شكل الظلم والأرهاب الواقع عليهم  والحال يقول ما أحلى حالة الموت المريحة تلك ، فوجئ البعض منهم حين أدركوا بأنهم لم يكونوا الوحيدين وليس هم الوحيدون المقتولين والمعذبون بل أن هناك ثمة ألوف مؤلفة وجموع الرافضة  ينتظرون المصير المشترك ذاته ، مع البقيه من أبناء الشعوب المظلومة الآخرى  والمصادرة منها حرياتها .... إذاً هم ليسوا الوحيدون المقتولين ، ولن يكونوا الأخيرين .