منعم فرات ..

وأسئلة الدخول إلى عالمه الفني

 

عادل كامل

 

ما قبل ـ وما بعد : التدوين

 

 

     هل نفترض ان مجسمات منعم فرات ( 1900 ـ 1972) تنقلنا إلى زمن التحول من عصر الصيد إلى عصر تأسيس القرى البكر، وضمنا ً، عصر الزراعة.. والانتماء إلى المكان..أم .. على العكس من هذه القراءة المفترضة، تمتلك موقفها النقدي لعصر تلاشى فيه دور الفرد ـ الجماعة ـ داخل ممرات ودروب كافكوية يمكن أن تسمى بعصر نهاية الحداثة ـ وبدء ـ مشروعات ما بعد التاريخ، أو، تطبيقات العولمة  بأشكالها التجريبية، وبثمارها التي مازالت لا تخفي جذور عصر الصيد ـ الزراعة ـ والاستيطان في أشكاله الجنينية ..أم .. ثالثا ً : إن هذه المجسمات ـ الاستغاثات في ذرى تأملاتها المكتومة ـ تبقى تحمل عمل أنظمة مقاومة للقطيعة..أم .. رابعا ً : ليست نظرية العبث، واللعب، واللهو، أو النشاط وقد اكتسب خاصية التخصص، لها مغزاها في قراءة دوافع الصياغات، لغة للاتصال، أو موقفا ً لا يكف يعلن عن ( سخطه) إزاء التحولات، وإشكاليات التكيف.. وأخيرا ً، في تجنب الإفصاح عن معنى ما للانغلاق .. ؟

     هذه ليست أسئلة ..مع أن المتلقي، والكاتب نموذجا ً، لا يتجنب دكتاتورية الحكم، وإنما هي مساحة ـ فجوة ـ للانشغال بما تم تنفيذه، قهرا ً أو خلاصا ً أو اختيارا ً، حتى يبدو انه، هو، الذي يذكرنا ـ ككائنات خارج التقسيمات القسرية للتنازع  ـ بان النحت ـ وكل فن جاوره ـ يحثنا على هذه الممارسة: إن جذور التدشينات البكر، ليست سارة، وإنها مازالت تشتغل، وربما تؤثر، في عمل أنظمة ما بعد  كل حداثة ـ في عصر الاقتصاد الحر: العشوائي بنظام بالغ الأحكام ـ وتسمح للمتلقي العثور على حنين لخطابات تمتلك أكثر من فعل ورد فعل تجاه مصائر الحياة، والممتلكات الحضارية، معا ً.

     لنتوقف عند:

[1] ما قبل ـ المغارة :

     لنتساءل: ما الذي دفع ذلك الكائن إلى إنجاز دماه الطينية: المنحوتات الخالصة، وليست الفخارية .. المنتمية إلى عصر الصيد: الكائن المشرد، ولكن، بفعل الصيد، سيشكل آليات جمع (قواه) ومشروع رأسماله ـ وفكرة حفظ ذلك الجهد ـ في المكان ـ الكهف..؟ إن عصر الاقتصاد العشوائي، المحكوم بالكفاح اليومي الخاص بالضرورات، ربما، عند لحظات أو ساعات اللاعمل، ولدّ بذرة ( الحدث) التي تمثلت، ضمناً، بالقطيعة عن عناصر التكوين: ذلك الفراغ بين الجسد والفضاء الذي لا يمتلك إجابات، بل، دوافع الخوف، الذعر، وحتمية الدفاع ولدّت هذا المسار. فليس ثمة مودة بين الكائن وعالمه، بأي شكل ما من الأشكال، حيث، نفترض إن تلك الدمى، ـ والغريب أنها تكاد تكون من صنع أكثر الذهنيات حداثة ومعاصرة ـ كانت تمتلك ( سرـ جسر ) العلاقة بين الكائن ومكوناته. فهي مازالت، على صعيد الخامة، جزءا ً من الطبيعة، مثلما، هي، على صعيد التعبير، تخصها، مثلما، إلى حد ما، تخص الجماعة، والذات. فالمجسمات، في هذا الاحتمال، يمكن أن تشكل أقدم نواة لرأسمال ذلك الكائن البري: رمز قوته.. وضمناً، خطابه الملغز، والمشفر، وغير القابل للانغلاق.

     ومنعم فرات، لو أعدناه إلى العصر الحجري القديم، ووضعت منحوتاته مع تلك الدمى، لمنحنا فرصة انه تمسك بموضوعات الجسد ـ الوجه. فهو سينفصل عن الغريزة  باتجاه الحواس: العين والفم والأصابع والأنف والإذن.. حيث الفزع سيبقى يشتغل مع الجميع ـ ولكنه لن يغادر رصد التجمع / التكتل ـ وأهداف التعبير. فمنحوتاته تبقى تعمل ككتلة. فيما كانت منحوتات عصر الصيد، في الغالب، فردية: دمى بأثداء مترهلة وبطون كبيرة وأفخاذ مكتنزة. فهي تخص مخاوف حفظ النوع، وليس جمالياته، مع أنها ستشكل نموذجا ً لحداثات عصرنا. بيد أن منحوتات فرات تنتظم بوعي سيقطع صلته بالأنظمة العفوية.. فهو يركب، ويوزع، إضافة إلى القصد. فالنحات ينحت في عصر ما بعد الكتابة.. وليس في عصر الأصوات ـ الإشارات. لكنه سيبقى ( كتأويل) يحافظ على أصوات ذلك العصر: أصوات لا تتحول إلى صمت، بل، تمكث داخل كتله حد الاندماج. فالمنحوتات تتكلم بصمت أصواتها. ومغزى هذه (الإشارة) تنقلنا إلى: حداثات تجاور آثار عصور عشوائية جمع الغذاء، وتمركزه، في مغارات القرى البكر.

[2] المغارات:

 

     ليست فترة زمانية قصيرة قضاها إنسان الصيد كي يتعلم فن الإنبات؛ فهي فترة تماثل فن تعلم السيطرة على النار(الطاقة). إنها فترة غذت ذاكرته بمعلومات أفضت به للانتقال من العشوائية الى بعض معالم التنظيم :اكتشاف مبدأ السببية. لقد خزن الكثير من أذى الليل والعواصف والفزع من الموت. فكان الاستيطان، لا ينفصل عن عصر الزراعة. ولن نسمح للكلمات بالذهاب خارج (شعرية) هذه الرحلة. فالإنسان لم يتشبث بالوجود طوعا ً، أو قهرا ً: لقد انشغل ـ بينهما ـ كي يكوّن أقدم عاداته: السكن. والسكن، ضمنا ً، محاولة لطرد شبح فترة الصيد ـ التشرد. أعمال منعم فرات، تحكي دوافعها: اكتشاف المكان، والتمهيد لمحاكاته وتطويره. فالنحت ، عندهن يحكي هذا الجانب: المكان ـ الرحم ـ وضمنا ً رؤية العالم الفسيح، واستذكار تصادماته وقسوته. فالموضوع غدا جمعّيا ً: إن كائناته تتكدس، تتداخل، وتتجمع في اطارالمغارة ـ الرحم. فالأخير، ذكرى لا واعية لمفهوم الإنبات ـ الخصب. فالفنان لا يمتلك أسئلة، بل عمل بنظام أملاه عليه لاوعيه السحيق. فهو (سوريالي) قبل أن تنتظم باليات الحفر في اللاشعور. لكن سورياليته عملت ابعد من ذلك: إنها لامست أقدم وجود للخصب والموت:  آليات الإنبات ومقاومة الفناء. فكانت جدران المغارات تسمح له باستعادة جدران الرحم؛ المكان الذي لا يطارد فيه الكائن أو يفترس أو يقتل ويرمى ـ كنفاية ـ فوق الزبل. وسيكرر النحات هذا المفهوم: الحماية. إن الكهف الذي غدا انتقالة من الرحم إلى القرية، سيغدو جدارا ً صلدا ً للذاكرة، وسيترك النحات آليات تحرره من الخوف تعمل بحدود موضوعات الألفة؛ الهرب من الفضاء، والبحث عن أسرار السكينة في مظاهرها الواقعية. فالنحات لا يتفلسف، بل سمح لذاكرته أن تتداخل بخامات الحجر، كي تظهر قدرتها على المقاومة. فهو جعل النحت ـ كالكهف ومثل القرية ـ المكان الجدير بالعناية.

[3] تضاد :

 

     ثمة، في حداثات أوربا، القرن التاسع عشر، ارتدادات تجانست مع خطاب التحديث الذي زامن نشاطات علماء الانثرولوبوجية : عودة إلى الأصول (بل إلى المحركات) .. فنشأت فنون مغايرة لعصر ازدهار مآزق الرأسمالية، مضادة للصخب الصناعي، وتهديدات انقراض منجزات الأرض. بمعنى: فنون مضادة لحياة المدن الكبرى؛ وعودة إلى حضارات تم التعرف عليها توا ً: فنون العصور الحجرية ـ والبدائية. وفنون عصور فجر التدوين.. إلى جانب دراسة أجناس مازالت تكرر أنماط الحياة الأولى؛ حياة الإنسان في تدشيناته المبكرة للمعرفة. فهل أنجز منعم فرات ( في ذروة إنجازات جيل الرواد التحديثية عند جواد سليم وفائق حسن وخالد الرحال ) كرد فعل لتجارب لم تخف تأثرها بأنظمة فنية أوربية ـ وغربية..؟

     لا تشير المعلومات الوثائقية أن الفنان فرات كان يحفل بتجارب الرواد، أو يعيرها أدنى أهمية. بيد أن سؤالا ً آخر نتوقف عنده: لماذا اختار منعم فرات فن النحت.. ومن ثم أن يكرس حياته كلها له..؟ إن فرات واكب، في الحياة، تحولات البلاد، بعد الحرب العالمية الأولى،  فتعلم القراءة والكتابة خارج المدارس الرسمية، وعمل في مهن مختلفة بصفته عاملا ً.. وليس ثمة إجابة .. ولكنه مارس فن النحت مبكرا ً إلى جانب الكتابة. فتذكر ابنته انه ألف أكثر من ثلاثين كتابا ً .. حمل احدها عنوان ( العاجزون في الأرض).. كما كان مطاردا ً من السلطات لأنه نحت شخصيات وطنية ومنهم السيد عبد المحسن السعدون ـ رئيس الوزراء المنتحر احتجاجا ً على سياسة الإنكليز الظالمة ـ .. وفي مرة أخرى أحيل إلى المحكمة بتهمة (النحت)  لكن القاضي أطلق سراحه.. الخ

     هذا المسار يوضح أن فرات ـ الذي اختار لقبه الفني احتراما لحضارة العراق بدل لقب العائلة  ومنتقدا ً الطائفية ! ـ  كان يمتلك ذهنية كتابية إلى جانب حاسة سمع بالغة الرهافة .. فلم يكن (فطرياً) أو عمل لمحض الكسب. لأنه طالما تألم ـ بحسب كلماته ـ بسبب الظلم والقسوة حتى انه كان يسال الخالق لماذا  تذبح الحيوانات الأليفة وتترك الحيوانات الشرسة..؟ فلا يقارن بهنري روسو مثلا ً.. ولكنه ينبهنا  ـ في رؤيته وفي فنه ـ انه كان يمتلك وعيا ً بما يعمل. فالنحت ـ ثقافيا ً أو معرفيا ً ـ  يغاير الساق الشفوي، إلى جانب الكتابة التي مارسها، لكنه، كنحات، كان  يشتغل بالحدس ـ ويتعلم بالخبرة ـ إن فنه محمّلا ً برؤية نقدية حد (الاحتجاج) . فلقد اختار النحت ـ كأسلوب ـ يماثل اختيار الكتابة.. موظفا ً المعنى بأسلوب يرجعنا إلى الأصول العراقية القديمة للنحت والتي تم الكشف عنها حديثا ً. فمنعم فرات كان قد استقى الساق، بالدرجة الأولى، من (حداثات) الخطابات القديمة، كما فعل رواد أوربا في إغفال تاريخ خمسة قرون من التقاليد الرسمية, بيد انه لم يستند إلى مبدأ المحاكاة، والاستنساخ، أو الإضافة. بل، على العكس، كان يستلهم المضامين والأشكال ويعيد دمجها بصياغة لا تسمح لآليات  الحرفة والثقافة من تدمير تلك الأسرار الكامنة في التعبير. انه عمل أن يكون هو ذاته قبل أن يكون إضافة لتراثه القديم، مع انه خرج منه، بتحرير عمله من الصناعة ومن التكرار. فأي سياق هذا الذي منحه تجاوزا ً للحرفة ـ  والمعرفة ـ تحت مفهوم ( البدائية ـ الفطرية ) كي  يغدو علامة خاصة في الحداثة الوطنية ـ المعاصرة..؟

     بدءا ً، لا تنفصل نماذجه النحتية عن الإيحاء بانتمائها إلى عصور البرية ـ الصيد .. ولا عن عصور تكوّن القرية ـ الزراعة والتدجين  وعقد علاقة مع النار ـ إلى جانب : عصر النحت بوظائفه الموازية للتجمعات المدينية البدائية ـ المبكرة. إن موضوعاته المختلفة، بطابعها الحيوي، لا تكرر ثيمة واحدة. فقد نحت الوجوه والطيور ومختلف الحيوانات، إلى الكائنات الخرافية، والموضوعات ذات الطابع العائلي، الاجتماعين والإنساني...الخ توضح مدى تفهمه للمنجز النحتي العراقي القديم.. وصولا ً إلى إطلاعه على الفخاريات الشعبية. ففنه لا يقارن، بالفنون الفطرية، بل سيبقى مقيدا ً بإرث النحت العراقي وعلاماته ورموزه وأشكاله وتشفيراته أيضا ً. وسيشكل هذا البعد، في مجسماته، لغة مزدوجة ـ وتركيبية: اختيار الأشكال بصفتها علامات توصيل.. إلى جانب بحثه في المعاني الأبعد : تحرير المنطق المباشر والدخول في إشكاليات تكوّن الأسئلة. فالفنان، العنيد كهنري روسو، لا يمتلك إلا  كلمات (أيوب) السومري أمام الإله، بعد أن نزلت به النازلات: المشكلة، أيها الإله، ليست مشكلتي! وسيجد النحات، في النحت، لغة  أن تبقى اقل تعرضا ًللاندثار؛ لغة دلالة ابعد من سياقها البدائي، وأعمق من استعراض تاريخ الشراسة، والافتراس.

[4] ما ـ بعد ـ التدوين:

 

   في هذا السياق، تخضع تجارب فرات، وما ماثلها، تحت تسمية: الفنون البدائية. بيد أن إعادة دراسة النصوص النحتية، بمسوياتها التنفيذية، ومضامينها، ومشفراتها، ستنقلنا إلى تيار يجد في الذين لم يدرسوا الفنون أصالة تغيّبها الدراسة، والاحتراف، والمعرفة. إن (نيتشه) وحده عارض هذا الافتراض، بحجة أن الفن سيبقى كالسر الكامن في السر، يحمل شرارة الانبثاق. وفرات، عمليا ً، لا علاقة له بالخبرة، والمعرفة، إلا في حدود من علمّ نفسه بنفسه، لفترة تمتد إلى أكثر من نصف قرن. بيد انه تعّلم، أن لا يقع ضحية الانغلاق: ضحية صياغة ما لا يتلآم مع شخصيته.. فقد جعل فنه، حداثوياً، وان لا يتخلى من الذهاب بعيدا ًفي المعالجة: إن فنه الضاج بالعويل، يتخلى عن الإفصاح. فالمعنى لا يتحدد بالعنوان أو بالموضوع أو بالأشكال. فالنحت، وفي أية حقبة من الحقب، ذاته، شكّل لغة بين الكائن والآخر، وبينه وبين ذاته العليا أو الخفية.  انه علامة اتصال تتجاوز الآخر، وتتجاوز الذات في حوارها الداخلي. فثمة ( ميتافيزيقا ) لا تغادر مفهوم انبثاقها بعواملها كافة، ومنها، تلك التي تبقى تنتج وجودها ميتافيزيقيا ً. لكن مصطلح (نحت) عنده، ليس نصبا ً تذكاريا ً، أو منجزا ً للاستذكار ـ كما ذكر هيدغر بصدد فن النحت ـ وليس علامة مدينية، أو رمزا ً للنصر ..الخ انه، كما نشأ، قبل عصر الزراعة ـ ومعها ـ مكث يحمل قطيعته ـ مع ـ عناصره البكر. فهو خامة انصهرت بمكوناتها مجموعة عوامل في مقدمتها تلك التي مكثت لا تقبل المحو. إن منعم فرات، بوعي ما بعد ـ تدويني،  يتمسك بسلوك (مثالي) تجاه قضايا الظلم والعدالة. فالنحت، هنا، بحث إشكالي قبل أن يصبح (علامة) اتصال: فالأشكال تسمح لمضامينها بمغادرة حدودها. إنها ـ واستذكارا ً للمعري؛ فيلسوف الموت ـ تحاول مغادرة الجسد. فثمة ما يماثل (الطيف) أو حبيبات الزمن ، أو لا متناهيات الذرة ـ  يمكث عاملا ً: يغادر، كقراءة تستند إلى باثات الخامة، وما مكث فيها من كيان النحات، كانسان عمل برهافة جعلته يدوّن، نحتا ً، خفقان أسرار  خلاياه كافة.

 

 

*   مقارنة: البدائية

 

 

البدائية، يذكر كيركغور، ليست موهبة أصيلة، بل يجب أن تكتسب. ومع أن تحديد المصطلح، يتضمن تعقيدات متعددة، بل مبهمة، مثلما لدى المتلقي، فان تعريفا ً أخيرا ً يبقى عنيدا ً. لكن الإشكالية ليست تاريخية، كالإشارة إلى كائن بدائي، في عشيرة تعود إلى ما قبل العصر ألتدويني، أو إلى عصر مازال القوم يعيشون فيه بعيدا ً عن الحضارة، وتقنياتها. فالبدائيون متوحشون وشرسون، وهم، في الغالب، يؤسسون طقوس الصيد، وشعائر الافتراس، لا للطرائد، بل للنوع البشري نفسه. هل هؤلاء القوم (بدائيون) أم (متوحشون) .. كي نغادر هذا التصّور، ونتعرف على مفهوم: أصالة..أو تدشينات مبكرة للإبداع..؟ نلاحظ أن الرؤية (البدائية) لا يمكن سحبها على الأقوام البدائية، مع أنها ـ تلك الأقوام ـ أنتجت معظم النماذج الفنية، كتماثيل الآلهة الأم ـ عشتار؟ 

     إن نماذج منعم فرات، لا يمكن أن توضع إلا في زمنها. وهي فترة تحولات اختتمت برحيله بحادث دهس، وكان الثالث. ولكن ما المقصود بـ (تحولات) ؟ هل لأنه عاش نهاية العهد العثماني.. ومن ثم .. الحرب العالمية الأولى .. والاحتلال البريطاني.. الذي ولدّ لديه رؤية عميقة للظلم..أم  لأنه مكث يجد في الفن قدرة ما لتوازنه الشخصي، وقدرة تجعل من منحوتاته علامات مشاكسة؛ غاضبة، أو : نقدية..أم  أن (التحولات) ـ وهي سمة جدلية لا تختلف إلا في الدرجة ـ منحته فرصة اختيار وبناء تجاربه بانسجام مع رؤيته لقوانين الوجود، وانعكاسها على مصائر البشر، والكائنات الحية الأخرى..؟

     إن الصمت المتراكم، داخل نصوصه النحتية، وحده يمتلك قدرة النطق. انه صمت يخفي عويله. ويمكن لكل قراءة، إن لم تلتفت لهذه الإشارة، الذهاب إلى تأويل آخر: كالاعتراف بمناورة عدم البوح. مع أن منعم فرات، كما اعلم، هو الفنان الوحيد الذي أحيل إلى المحكمة بتهمة ممارسة النحت.. فضلا ً عن الدلالات السياسية المتكررة والمقترنة بإعماله الفنية. فأية(بدائية) أو(وحشية) بإمكانها أن تكون بديلا ً عن بدائية ـ توخّت عنده ـ : الذهاب عميقا ً في عصور سحيقة، ضمن نصوص الحاضر..؟ أم لأن منعم فرات، في الأسلوب، لم يختر نموذجا ً من التجارب الشائعة أو التقليدية.. ومكث يعمل بحرية استثنائية خارج هذه التقاليد.. اختار فرات، في النهاية، تقنيات يصعب حتى تقليدها.. فقد كان استنساخ أعمال الرواد، أمرا ً لا يثير الشبهات، ويمر. ولكن إذا ما تم محاكاة أعماله،بنسبة متقدمة، فعلى الآخر أن يمتلك شخصيته بالكامل. وهنا تصدمنا الصعوبة. فأعماله سهلة الاستنساخ، بحسب المنهج والأسلوب والموضوعات، ولكنها ستبقى من صنع أخر، وليست أصيلة.

     إن بدائيته، في هذا السياق، تمتلك وعيا ً مرهفا ً ليس باختيار الموضوعات فحسب، وإنما في تنفيذها. فليست ثمة مهارة أكاديمية أو حديثة تقارن بأعمال أساتذة النحت، ولكن ثمة مهارة، كالتي عند هنري روسو: إن لم يذهب فرات أعمق في استنطاق الخامة، وليس أشكالها حسب: مهارة مثيرة للجدل. فأعماله النحتية لم تنجز للتزيين. والفنان لم يفكر في ذلك مع انه كان قد احترف النحت، ولم يصغها كنصب أو علامات لأحداث سياسية.. فلم يفكر بجماليات تتوازن مع هذه الأهداف. بل على العكس، ترك يده تعمل بفكر غير مقيد. فهو، غالبا ً، عالج كائناته بخيال لم يضع فاصلا ًبين الواقعي والخرافي..أو بين الأجناس. فانشغاله بالتعبير سمح للموضوعات أن تأخذ مداها في تحرير الوعي، والذهاب حيث الأزمنة تتداخل، وتندمج، كي تبلغ حقيقتها في (المجسم): النحت.

     فالبدائية، هنا، ليست رؤية تبسيطية أو ساذجة، أو فطرية، أو غريزية، أو تلقائية، أو عفوية ...الخ وإنما هي، مع أنها لم تتخل عن هذا الجسر، مع الإشكاليات المعالجة، رؤية تركيبية تجعل الموضوعات المعالجة تحت الأضواء: مجسمة ومرئية بما تمتلكه من إستحالات في الإجابة. فثمة شك يتجاوز الدهشة أو الفزع أو الخوف نحو (القلق) بمعناه الانطلوجي. ولكنه (القلق) الذي يتميز بيقين لم يفكك بعد، وإلا، لكان المنجز قد بلغ درجة الصفر أو انعدام المغامرة أصلا ً. فالنحات يتمسك بالعمل الإجرائي، في حدود موضوعات التنازع، والتآكل، كشكل من أشكال الأنظمة البيولوجية ـ  السائدة. وستمثل تجارب النحات الحياتية مظهرا ً متصلا ً بتجاربه الفنية، كتذمره العنيد ضد الظلم، الذي استحال إلى موضوعات تذهب حيث الموضوعات المعالجة، لا تتحول إلى محض(إعلان) أو(موعظة) أو تتبنى وجهة نظر منغلقة وأخيرة. إن هذا الاختيار غير المقيد، لن يصبح مطلقا ً، بل مقيدا ً بموضوعات الحياة ذاتها: بخرافات دمجت أشكالها في دوامة التنازع والتناحر حد الفناء. إن هذا البعد (الموضوعي) لا الذاتي، في تفسير مشهد الكائنات عبر الحقب والأزمنة، لم يلغ فردية، وتشخيصية النحات، بل عززها بالتنفيذ: خمسون سنة من الاحتراف، ولكن الاحتراف الذي ضمن له ان يكون فنه مضادا ً للسلطة، مع أن الأخيرة، بحد ذاتها تمتلك مزايا ملغزات الصانع. بمعنى انه ثابر في الحفاظ على دوافعه في المعالجة ـ وفي اختيار الموضوعات، ولم يكن فنه، في هذا السياق، تعبيرا ً جمعيا ً، وإنما كانت ذاته قد تبلورت بسماتها الواعية ـ وهي تتقصى تدشيناتها في الأزمنة السحيقة. فالذات تمثلت بوعي ـ يمكن مقارنته برواد الحداثات وهم يتقمصون أشكال الماضي أو موضوعاته، أو وهم ـ كمنعم فرات ـ يتقاطعون مع مفاهيم حضارية قائمة على التراكم، أو على التدمير. لأن ذاته، حتى النهاية، لم تقنط من الذهاب عميقا ً في تفحص المحركات ـ وأشكالها: ذلك الكائن الهارب، والمذعور، أو الباحث عن سكينة داخل جدران المغارات، أو المهدد بالرحيل الجمعي، وصولا ً إلى فوبيا مثيرة لأسئلة ـ آنية. إن نماذج النحات لا تسحبنا إلى موضوعات اندرست أو عفي عليها الزمن، وإنما تبقى تستمد (لغتها) من أساليب حملت سمات خاصة، وفي الوقت نفسهن تواجه عالمها برؤية تاريخية غير تكرارية. فهو لا ينتمي إلى قبيلة ما قبل كتابية، أو مغلقة، أو خارج التاريخ، بل ينتمي لعصر الثورات الكبرى كغزو الفضاء وتعقيدات الحرب الباردة. فوعي النحات لم يكن قائما ً على(الدهشة) والأسئلة وغياب منطق تحليل جدلية الأسباب.. بل كان، كما في الوثائق التي تركها والمتوفرة، متقدما ص قي رؤيته النقدية للظلم البشري. فقد كان لا يؤجل الرد في قضايا تخص المعتقد بل وحتى الثوابت كالأسباب التي سمحت باصطياد الحيوانات الأليفة وترك المتوحشة أو القوية.. واختياره للنحت بما يتمتع به من قوة في التعبير على خلاف الرسم.. ونقده للظلم الاجتماعي وطبائع البشر. إلا أن الأستاذ شاكر حسن، بعد أن تعرف عليه وأجرى مقابلة معه ، يراه منغلقا ً. يقول : ـ " وهكذا يبدو منعم فرات.. كائنا ً متناقضا .. فهو يحاول أن يخفي نواياه ولكن بصورة مفضوحة.. انه لكي يكمّل شروط العمل الفني كإبداع يحاول أن يصل به إلى حد استحالته.. وهذه هي عين الصيغة الفطرية له كما يبدو." كي يضيف ـ " ويستأنف حبه لعزلته ضمن منهج كوني يوضحه في استخدامه لمفردات حياتية تجمع ما بين الإنسان والحيوان وربما النبات.." فالفنان لا يتناقض حتى عندما يدلي بشهادات متناقضة، أو هكذا تبدو للوهلة الأولى.. ذلك لأنه حرص بالحفاظ على عالمه الداخلي، وحصّنه، مكتفيا ً بجعل (النحت ـ الحجر) صندوقا ً اسود أو بيتا ً للأسرار، بدل الانشغال بما هو ضار أو غير نافع على حد تعبيره. هكذا يكتب الأستاذ شاكر حسن ـ " حينما تعرفت بمنعم فرات لأول مرة لم أكن لأتوسم فيه أية عبقرية. كان يبدو إنسانا ً اعتياديا ً كمزارع، أو عامل وليس كمثقف" إنها شهادة بالغة الوفاء لنحات كان قد حدس ـ بخبرة يومية دقيقة ـ مغزى التراكم ـ والتزامن ـ لقضايا  إشكالية في جوهرها.. وإن مهمته، كفنان، تبقى في حدود مهمته الإنسانية، وليس الوعظية، مع انه، في مناسبات مختلفة، لم يكن سلبيا ً في اختيار وسائل الدفاع عن الظلم الذي كان يتعرض إليه. بيد أننا لا ندرسه بصفته كاتبا ً، وإنما لا يمكن إغفال كلماته المختزلة و(العامية) والمشفرة في دراسة عالمه الفني. فالنحت غدا خطابا ً لا يتاح للفنان الفطري التقليدي ـ الذي لا يتمتع بسيرة تعليمية أو معرفية ـ إلا أن يحيلها إلى إشكاليات احتواها وتمثلها وجسدها فن النحت. إنني لا أقول انه كان يزيح القشرة، كما قال مايكل انجيلو، كي يحرر نماذجه القابعة داخل الكتلة، بل كان يحرر ذاته، بالدرجة الأولى: فقد كان النحت يمتلك استحالة إبعاده من الخطاب البشري، مثلما كان يجد فيه توازنا ً نفسيا ً وحرفة حافظ فيها أن يبقى كائنا ً يقاوم الهزيمة. فبدل أن يبقى مزارعا ً أو عامل بناء، فلسف خاماته وتصوراته بضرب من الرهافة، بدل التواري. وراح يكّون سكنه و(سكينته) في أقدم معمار: الكهف كذاكرة اخفت مصيرها ـ وتركته ـ يمتد إلى كل حاضر يتجدد بعمل نبضات مكوناته البكر: انه فن صياغة علامات تتجاوز عصور الصيد ، والزراعة، ومدن الحداثات الشفافة ـ وعولمة الإبادة ـ كعلامة مركبة ـ بتزامن إشكالياتها ـ خارج منطق البدائي أو الساذج، أو الفطري، أو اللاتاريخي..الخ تمتلك، بلغة قرن من الحداثات الأوربية ( منذ هنري روسو وغوغان وماتيس وبيكاسو ..) ولكن، بلغة قرون من مهارات الشعوب كافة، إدارة القفل، لا للدخول، بل لاستحالة الاعتراف بالهزيمة.  إن منعم فرات، في هذا الدرس، يسمح بإثارة نقد يوسع قراءاتنا التأويلية للأثر، خاصة، بما يتضمنه من إشكاليات لا تسمح للبدائي، حتى في منتصف القرن العشرين، أن يقترحها كي تمتلك هذا العناد في الاقتراب من ملغزاتها: عمليات الزوال التي كفت أن تكون خارج ذاكرتنا ـ الحضارية، أو الجمالية!

 

·       ما بعد ـ وما قبل

 

     إن مفهوم (التزامن ـ التراكم) ـ والتزامن : الحدث الذي يجمع أحداثا ً تحدث بعيدا ً عن العشوائية( المصادفة).. والتزامن الذي يفضي إلى نهايات متجاورة ... الخ تدفع بالذات لإخفاء تعرضها المتواصل للهتك، ومحاولة عنيدة للعثور على توازن يتخطى السلوك المعتدل. إن ظهور تجارب منعم فرات( مع عدد آخر من المولعين بهذا المنحى في التعبير في النحت العراقي) لا يمثل قفا النحت الحديث، أو معادله، أو الوجه المقلوب له، بل ضميره. فإذا كانت هناك تجارب: جواد سليم /خالد الرحال/ محمد غني حكمت/ إسماعيل فتاح/محمد الحسني/ عيدان الشيخلي/ طالب مكي/ صالح القره غولي/مقبل جرجيس/ اتحاد كريم/ سهيل الهنداوي/ عبد الجبار البناء/ ناطق الالوسي/ عبد الجبار ألنعيمي/ صادق ربيه/ عبد الرحيم الوكيل/ عبد الرحمن الكيلاني ..الخ فان منعم فرات لم يغامر ، في اختيار أسلوب يرتد إلى عصور سحيقة، ولا أن يحاكي أو يتمم ، أو أن يتباهى بحداثات أشكال، أو إقامة أنصاب تذكارية، أو واقعية..الخ بل اختط لنفسه منحى تداخلت فيه (النصوص) كي يصهرها، ضمن كتله الحجرية، وقد كفت أن تكون إلا ذاتها: هذا الذي تتواصل داخله رؤية الذي يقبع في الداخل. وكان من الصعب أن يتحدث الفنان بأسلوب خال ٍ من التشفير. قال لشاكر حسن، ردا ً على سؤال يخص رؤيته الفنية

  : ـ " اهجس واحد يشاورني" !

     وتحديدا ً، عند تفكيك عبارة بهذا الوضوح، ستحيلنا، كما في تجارب رواد الحداثات للتحليل، إلى ضرب من القهر النفسي. لكن هذا ليس بدافع التشخيص، وهدم الحداثة ت أو هدم البدائية الحداثوية معاً، كمرض، وإنما تساميا ً، وتطهرا ً، ضمن تحول الكائنات إلى شرعية السوق، والى ضرب من الحريات القسرية. إن منعم فرات، سيذكرنا بتجارب ليست نادرة، لفان كوخ أو جوجان، أو هنري روسو: انه لم يكن أصما ً، بل محاورا ً، وبالدرجة الأولى: مصغيا ً. فالأزمنة القابعة في منحوتاته لا تمثل لحظة تزامن مجموعة أزمنة فحسب، بل عويلها. وإذا كان قد قال لشاكر حسن " أنا الوحيد في الفن " إشارة اعتداد، فان مغزاها يمثل منطق( حداثوية البدائل) ؛ أي على العكس من : جعل الفن للاستهلاك أو الدعاية ، فقد كان، هنا، يجد من يرشده، يشاوره، ويهمس في أعماقه. فتلك، في التحليل غير التقليدي لآليات عمل الشعور، يوضح، مدى رهافة قدرته على الإصغاء: الأصوات النائية لكافة الحيوات التي عاشت وغادرت ولم تجد إلا أن تقاوم لا معناها. فالنحات مكث يكوّن مشروعه الشخصي تارة يدوّن، أي ينحت، وتارة أخرى: يصغي لكائناته وحيواناته المتداخلة الأجناس.. فهو لم يمتلك إلا أن يراقب ذاته، والآخر، في منجز تتجمع فيه مجموعة الأصوات، والتصورات، والاعتراضات. فهو لم ينتج أعماله الفنية للتسلية، أو للانتصار، ولم ينجزها من اجل هزيمة الآخر، وإنما سمح لنا بمشاهدة هذا العرض الدرامي، وقد كان من (المهارة) أن كرس حياته لتمثل هذا الذي كان متوازنا ً بين الأزمنة، والتصدعات، بعد أن دمج في مشروع (النحت) أزمنة لم تعد مرئي