نحاتون عراقيون معاصرون
في تجربة النحات عبد الرحيم الوكيل *
جذور الحداثة وتشفيراتها
عدل كامل
بينما تكون الواقعية قد كفت ـ كمحاكاة لأصولها ومكوناتها، وكأسلوب لا يقبل تأويلات غير محتملة أو رمزية ـ أن تذهب ابعد من مهاراتها في التقليد، أو الاستنساخ، والحفاظ على تقاليد بلغت ذروتها عند هذا المشروع وتحويراته، لم تكن غايات الفن ـ حتى بصفته علاقة، وعلامات للتبادل ـ قد اكتفت بالدرس الواقعي. لكن هذا ـ السياق ـ لا يتقاطع مع احتمال لافت للنظر يبدو مغايرا ً لمنطق [ التجريد ] وهو أن هذه الواقعية ـ كعلاقات وظيفية ـ رافقها اختزال أفضى إلى التجريد ـ والى الحروف كمثال في الكتابة ـ دون تقاطع مع ذهنية شكلتها رموزاها وتشفيراتها الداخلية: الاتصال وترابط الأشكال باختزال اعتمد السرد والتمجيد.
بيد أن [النحت] لم يبلغ حد القطيعة مع ماضيه، فهو: امتداد لانشغال لا في تفحص علاقات المكان بالفضاء فحسب، بل كعلامة مشفّرة يغدو النحات فيها مؤلفا ً غائبا ً. لكن هذه إشكالية لا علاقة لها بدحض الواقعية، وإنما بالنحت؛ بما يتضمنه من وجود مشّفر، يذهب ابعد من وظائفه، وابعد من محاولات عزله عن منطق التجريد. وهنا يضعنا النحات عبد الرحيم الوكيل ـ وهنري مور كان قد رسخ هذه العلاقة ـ في مناخ عالمية النحت: الحداثة بصفتها قلب للمشروع السردي، وبصفتها تسمح للنص كي يكون مكتفيا ً بذاته. لا كمعالجة جمالية، خالصة، بل كبحث يضع النص وقد كف أن يكون أثرا ً، أو تابعا ً.
هنا تكمن مجموعة تعقيدات لا تنتظر التأويل، بل المقاربة: الامتداد الذي راح النحات يمسك به بين الأشكال الهندسية البكر، ونصوصه، والعلاقة التي ستبقى ديالكتيكية [حوارية] بين الجسد وفن النحت. يضاف إليهما أن النحت ليس محض معالجات للخامات، وللموضوعات، وللمعاني.. فثمة ـ ومنذ أقدم الدمى الطينية الفخارية أو النحتية الأولى التي رافقت دفن الموتى، أو عبر الاشتغال بالسحر، أو التي وجدت في المعابد ـ ما هو غير قابل للتفكيك، يبقى قائما ً في حدود بنية النص النحتي: سريته وملغزاته!
إن الوكيل ـ وقد عمل في حدود النحت ـ وجد [كيانه] مشروعا ً قائما ً في النحت: السماح للتجريد بدمج الموروثات واليات العمل والرموز ضمن ما يتوخاه النص النحتي: أشكاله وقد سمحت لمجموع العناصر أن تعمل عملها: ولغزه بما يتمثله من علاقة بين[الفكر] والخامات. انها تعقيدات تجد تنفيذها ـ عند الوكيل ـ عبر سنوات طويلة غدا فيها النحت ـ عنده ـ شكلا ً داخليا ً سمح له أن يمتلك مبررات فن النحت، كعلامة ليست معاصرة ـ ومبتكرة فحسب، بل كذاكرة عملت بمخيالها المشّفر، ودون إلغاء لجذورها المخبأة. فالتجريد ـ عنده ـ ليس امتدادا ً وليس قطيعة: انه عمل عمل [المفتاح] ـ ولكن المفتاح الذي غاب قفله، وغاب صاحبه ـ وقد اندمج بدوافع النحات وكيانه. فالنحت ـ في هذه الحدود ـ وعند الوكيل: لا يكف يسمح بالتعرف على كيانات معمارية، لا تغادر الأرض، وإنما تجعل منها مدرجا ً للحضور في المجهول.
* من الحجارة إلى النحت
كلاهما، الواقعية والتجريد، لا ينفصلان عن آليات عمل المنجز الفني. بيد أن الأولى لا تناور. والتجريد، هو الآخر، لا يقفز خارج عمل حدوده، لكنه، عندما يكف عن انغلاقه، يذهب مذهب الموسيقى الكلاسيكية: التطهر في معناه الجمالي، وليس السحري أو ألمعتقدي.
الوكيل، لم يغفل أن التناغم ـ حد الاشتباك والتداخل والاختلاف ـ بين الأشكال الهندسية ـ والحرة ـ بلا ماض ٍ. فهما نتاج عواملهما، إلى جانب الرائي كطرف ثالث. فهو لم يهمل ثراء ما لا يحصى من الأشكال الهندسية، وموقعها، بين الأشكال الحرة: الأشكال التي صاغتها سلاسل فعاليات كونية ومؤثرات متبادلة بين الخامات والعوامل الخارجية. فوجد النحات الوكيل في الصخور ـ أكثر من بحثه عن مخلفات الغابات كما عند نحاتين آخرين ـ انجذابا أعلن عن دور الفضاء إزاء الكتل.. فالأشكال الملقاة، في بيئة طينية ـ ومهددة بالماء حد الطوفان ـ سمح للمكان أن يكون أكثر من علامة[ إقامة ]: انه كيان يشارك النحات الوجود ذاته. ومع أن المكان ليس إلا مجموع أجزاءه، إلا أن المكان ـ في النحت ـ يأتي مضافا ً، ومعرفا ً له. وقد تكون مبررات ظهور النحت لدى سكان الكهوف والقرى القديمة، إشارة لظهور وظائف السحر وعلاماته.
فالأشكال النحتية عنده، تأخذ إبعادها بتنوع التناقض الدائم بين: الصخور والفضاء أو الفراغ..وبين الهندسي والأشكال المرنة، غير المقيدة، إلى جانب تلك التي تبقى عشوائية. فهو يعالج هذه العلاقة بذهنية أن النحت يقرب المسافة بين عمل [الذهن] ومحيطه: أشكال المجرات.. والنجوم.. والكواكب.. إلى جانب حبيبات الرمل. فالأشكال ـ كما هي عليه ـ لا تخضع للتأويل، إنها ستدخل، كمؤثر ومصدر، في النص النحتي. فالمستطيل والدائرة يتناوبان في رسم الخط الوهمي لمعظم نصوصه الفنية. وهي علاقة قد تفصح عن صلة [ الجسد ] بالأشكال الأكثر تكرارا ً. على أنها ستتضمن حركة لا تلغي المستطيل في علاقته مع الدائرة بل في منح الاختلاف ـ الهندسي ـ معادلا ً لقضية ذهنية خالصة. ومع أن التجريد يدحض المجال الأدبي في شروحاته الفائضة، إلا انه سيبقى منحازا ً للنحات وهو يؤلف أشكاله لغايات محددة.
إن المتلقي قد يتساءل: ما مغزى دائرة فرغت بعض مكوناتها.. وما مغزى المناورة بمستطيل انحرفت أبعاده يسارا ً أو فرغت منه بعض الأجزاء..؟ انه تساءل يكمن في قدرة الشكل على المناورة، جماليا ً، فضلا ً عن مهارات النحات. فإذا كانت الأصابع تفكر، فان الخامات ـ هنا ـ ترسخ بنائيا ً هذه المناورة بين الذهن ـ الأصابع، وبين الخامات ـ والأشكال النحتية.
إن الوكيل، كما توضح غالبية نصوصه الفنية، لا يذكرنا بالمنقرضات ـ الآدمية ولا النباتية ـ بل تضعنا ضمن فسحة لا محدودة لنمط من الذهنية الهندسية في التقاط الأشكال الأكثر قدما ً. فالصخور لا تتكلم، كما أنها ليست مجموعة أصوات استحالت إلى كتلة ـ مع أن مجرة كاملة تضاء بقطرات من الماء ! ـ وإنما هي مجموعة علاقات سيعيد النحات صياغتها ويلحقها بما هو : سحري ـ فني. فهل هي تعويذات، أم محاكاة خفية للمنتج الطبيعي؟ منحوتات عبد الرحيم الوكيل، وقد قلصت وظائف النزعات التعبيرية، ترتقي بالعاطفة إلى ذروتها: الاختزال وقد غدا طرفا ً مغايرا ً لمصادره. فالنص لا يلحق إلا بإرادة النحات ولغته. وهنا تتسع ـ كما تتقلص ـ المسافة بين الأشكال البكر، والنص النحتي: تتسع عبر تحد ٍ يعلن عن فعالية كل ما هو مضاف.. وتتقلص عندما يصعب عزل [النص] عن وجوده الواقعي ـ الخيالي.
فالنحات أدرك أي ثراء ممنوح ـ ومتوفر ـ في مادته، سمح له بحرية كوّن نظامها بعيدا ً عن المتداول: أي عن تقليد كل ما تم صياغته. بل مكث يتعامل مع عمليات النحت كتعامل لا ذاتي خالص: تحرير الشكل من مقاصد المعنى، وتركه أكثر علاقة بين مساحات الوعي وغزارة الأشكال في الكون أو في الطبيعة.
هنا يأخذ التجريد لغز الصوت وقد غدا شفرة: انه يتضمن مسافة لا تخضع للتحديد [ بداية ـ ونهاية ] وإنما للبث. فالنص الفني يدحض إن لم يحيلنا إلى كونيته: لا معناه كمدرج للانتقال من [الشكل] إلى لا محدودية الأشكال: ومن الوجود المستقل ـ خارج الذهن ـ إلى حدود الأشكال وخاماتها وحركاتها وما تتضمنه من تشفيرات، أي من اللامحدود وقد غدا عينات ـ علامات ـ تمنحها المقارنة ـ لغة امتداد ـ ولغة اختلاف ، خاصة بعلل نشوء النحت، واحتفاظه بحضور يماثل، كما هو في المشهد الواقعي ـ تنوع الأشكال واستحالة ضبطها أو تقنينها.
إن محاكاة مادة لا تكف عن التنوع، تجعل [ المحاكاة ] وقد تضمنت إضافات اللامحاكاة: أي استحالة التماثل، وإنما، إمكانية المقارنة، والسماح بإعادة درس عمل [ الشفرة ] كامتداد بحدود المحاكاة. فالبذرة ـ في عمل النبات ـ قد تجعل العلاقة بين الخامات والنحت، غير فائضة أو زائدة، شرط أن يبقى عمل كل حقل مستقلا ً، ضمن شروطه واليات عمله. لان نصوص النحات عبد الرحيم الوكيل ـ في الجسد واختزالاته ـ لن تبقى تأخذنا بالمشهد الكلي لغزارة الأشكال ـ خارج الذهن ـ وما تتضمنه من دينامية، وملغزات تسمح بإثراء هذه الصلة أن تذهب ابعد من انغلاق النص، كبنية، غير عشوائية أو مشتتة.
*الأنثوي ـ الجسد مندمجا ً
لو لم تثبت المنحوتات البكر، في المسار الفني، قضايا محددة تخص مكانة النحت في الوعي، وفي الانتقال من العشوائية ـ في الغذاء والسكن وصياغة التصورات ـ إلى النظام، لقلنا بلا مغزى ـ على صعيد المقارنة ـ بين النحت ومكوناته من جهة، وبين النحت والمجسمات الأخرى من جهة ثانية.
والفنان عبد الرحيم الوكيل، لا يخفي ـ في حداثته ـ وعيه للتجربة، في ماضيها القديم: محاكاة الأبعاد بالدرجة الأولى، وفي مقدمتها: الانتقال من التصّور( الذهني) إلى المجسم ـ الذي هو النحت. وفي حداثتها السائدة: انتشار مهارات اختزالية وأكثر تطرفا ً في الحذف والجماليات المعمارية والرمزية لحقبة ما بعد الحداثة.
فإذا كانت أقدم العلامات قد تركت أثرها في الذهن: الصخور التي صاغتها قوى تناوبت بين البناء والتفكيك، فان علامة دينامية ومباشرة كانت تقع في عمق هذه المعادلة: الأنثوي.
ولن يجد المتلقي صعوبة، بل سيذهب بلا عون، للعثور على جسور بين نصوص الوكيل ومصادرها في الطبيعة والكون. ولعل إشكالية [الموت] ستبقى غير معلنة، ولكنها لن تغادر عملها في تمثل فعل الولادة. ففي الدمى العشتارية ـ الفينوسية للجسد، لا تشكل الغريزة إلا السطح أو المرئي من العملية الديالكتيكية، ذلك لان المضاد للموت سيعلن عن أفكار لا يمكن عزلها عن حقيقة الجدل بين الجسد ـ وملغزاته؛ بين الصلابة والتفتيت، والنحات سيستعيد هذا القانون، بغريزة نحات، ويهذبه حد جعله مخفيا ً. بيد أن الجسد، لا في الشكل، ولا في الحركات فحسب، بل في الإيماءات الرمزية المشفرة للأنثوي، سيعلن عن حضوره: أي، حضور النحت. ومرة بعد مرة لا يسرد النحات حكايات، فلا توجد ثيمة أسطورية أو شفاهية. إن نصوصه النحتية تلخص نشاط الذهن اللاحكائي. انه يجري تعديلات تناسب ذهنية شذبها من زوائد العاطفة، وسمح لها ان تشكل خطاب النحت، كعلامة لا علاقة لها بما يريد التعبير عنه، بل بما يعيد صياغته بالحد المسموح للمعنى أن لا يفقد جسوره مع محركاته المعلنة أو الخفية.
تماثيل الوكيل، وهي منحوتات على الصخر بالدرجة الأولى، لم تستعر من الخشب حكاية الموت، بل ذهبت بعيدا ً في منح الحجارة، طابعا ً أنثويا ً خالصا ً، وخارج تمثلات السحر ونشاطاته الكيمائية (السحرية).
بالتأكيد هذا لا يلغي ظهور الجسد كهيئة لها وجودها في الواقع.. ولكن النحت ليس ملحقا ً به. انه إضافة. والنص النحتي ـ القديم ـ أو المعاصر سيمارس عمل التشفيرات في الحفاظ على حضور النحت كتعبير له دلالة واقعية وذهنية. وفي المجالين يتوازن أسلوب الفنان في منح الجسد فعله الدينامي، ولكن في حدود لم تسرف في النزعة التعبيرية أو الرمزية. فالفكر ( النحتي ) ـ وهو امتياز للنحت الحديث والمعاصر في التشكيل العراق ـ مكث يعالج هذا التوازن بما يسمح للنحت أن يشكل علامة انبثاق( ولادة) لا علامة موت.
على أن تماسك النص النحتي عند الوكيل، لا يقارن، بما في تجارب نحمد غني حكمت، على سبيل المثال. فالأول يوحي بالرجوع إلى [ الشاخص ] ـ وتلك العلاقة بين الشاخص وما يدل عليه كما عند حكمت ـ فالوكيل ـ وكلاهما انشغل بالجسد ـ لم يتخذه ذريعة دحض، أو فتنة، أو أي قيد آخر عدا، انه سيغدو مادة نحتية. فالنص ـ عنده ـ لا يتضمن وظائف الحركة، ولا ينسحب إلى المجال الفسلجي، والجمالي الخاص بنسب الجسد وإيماءاته.. الخ بل يكاد بلغي الجسد، لصالح البعد الأنثوي.. الذي يتجاوز حدود المرأة نحو: الجسد المطلق، الملغي، الذي لا يمثل ذاته، كما عند محمد غني حكمت. فالأنثوي دفعه للعناية بالفراغ الداخلي للنحت، ضمن دائرية النصوص، وإخضاع المستطيل ذاته، لها، بدل العناية ببناء النص وتكوينات النحت التقليدية.
ومع أن الحداثة الأوربية، بين رودان وهنري مور، تنحاز لصياغة الجسد ـ حتى الخاص بالمرأة ـ بصفته علامة أنثوية، إلا أنها لن تدرس ـ بحسب اطلاعي ـ بما يجعلها ذات صلة بالأنثوي القديم: تماثيل عشتار قبل أن تتجسد عبر مضامين مختارة، وأبعاد اجتماعية وأيديولوجية. فالوكيل التقط، بحساسية نحات ينتمي إلى مؤسس تماثيل [الأسس]، وجعل منها منحوتات مدينة معاصرة. فإذا كانت الامتدادات قد أسهمت في نشوء الشعر وتطوره، فان المدينة ـ على خلاف الصحراء ـ كانت تتضمن منحى أنثويا ً كادت الصحراء أن تقضي عليه. وقد تشكل المدن الدائرية تيارا ً لا شعوريا ً لهذا الدافع، إلى جانب حركة الأجرام والكواكب. أن الوكيل عالج الجسد خال ٍ من وظائفه، الأمر الذي ابعد كل إيحاء خاص بالأعضاء. انه اتخذه معنى نحتيا ً لمفهوم أسهم التجريد بصياغته؛ فالأنثوي ليس محض فكرة أو فلسفة أو بعد أكثر اتساعا من وضعها داخل حدود الجسد، أو المعاني الخاصة باشتغالاته. فليس ثمة علامة للوجه أو الأطراف أو الأعضاء الأخرى، إلا وهي مندمجة داخل علاقات الفراغ بالكتلة، مندمجة حد أنها لا ترجعنا إلى أصلها، بل تبقى تؤدي دورها ضمن حدود الإيحاء بالحركة، وبكل ما هو اقل قسوة.
فالنحات، ـ وهو امتياز آخرـ شذّب من صلابة خاماته حد انه جعلها مغايرة للخشونة، وللبروزات الحادة. لقد هذبها وسمح لها أن لا تقول إلا بصفتها نحتا ً أنثويا ً. لكن، ليس تكريسا ً لفعل من أفعال السحر، أو طقسا ً لشفيّرة قديمة، مع أن النحات لم يقمع مخياله المقنن بآليات فعل النحت، ومساحته الزمنية غير القصيرة: فعل تلمس الكتلة، قبل بزوغ عصر البصر.. والأطراف، كلغة سمحت للحوار أن يأخذ مداه داخل مدن النحت.
مرة أخرى ينحاز الأنثوي إلى المرأة، كجسد، لكنه يبقى يعمل، بفعل الاختزال، والتشذيب خارج هذه المساحة. انه ينقلنا إلى ذات الدوافع التي مازالت تحكي، الذي لا يقبل أن يكون سرديا أو قابلا للسرد. فإذا كانت أقدم الدمى الطينية، محض تماثيل تلبي رغبات محددة ـ حتى كرموز للآلهة الأنثى ـ لكان فن النحت، قد كف أن يمتلك حيزا ً لا يقارن إلا بمعمار المدن، وتحديثاتها. فثمة، في الأنثوي، انشغالات خارج مفهوم الجسد وغواياته: إنها، كما يوضح معمار المدن، بتنويعاتها البيئية والجماليةـ تعبر عن ديناميتها، وليس عكسها، وعن انبثاقات لا تجعل من النحت محض علامات تذكارية، أو أي فعل له دوافع السحر أو التشبث بالخلود.
· الوظيفة والنحت
لو حشرنا بعض نصوص عبد الرحيم الوكيل، مع أقدم المجسمات لعمل[ الأصابع ـ الدماغ ] لكان من الصعب وضع فواصل بينهما. فهل قام الوكيل بإلغاء للزمن ـ والحقب ـ كي يضعنا في زمن: النحت..؟ أم انه، مع اتساع المسافة وتراكم المعارف والتجارب، تمسك بدوافع مكثت تجد حضورها خارج الحقب وبعيدا ً عن سيادة النمط الواحد..؟ وهو الذي يعود، مرة أخرى، إلى وظيفة النحت. مع أن مسيرة النحت أعلنت عن علاقة دائمة مع المكان والحركة والرموز والمظاهر الاجتماعية والأيديولوجية. إن الوكيل الذي تخلى عن المعالجات المباشرة لوظائف النحت: النصب والتماثيل والنحت الشخصي (البورتريه) المنتمي إلى الواقعية وتحديثاتها، مكث يعالج قضية لا يبدو الكلام فيها إلا في حدود حرفيات وتقانات محددة وصارمة. لكن المقارنة الجائزة بين عمل ينتمي إلى حقبة الحداثة ـ وما بعدها ـ وفي الوقت نفسه يرجعنا إلى تلك الملغزات الكامنة في المجسمات الأولى.. وهي غير بدائية إلا في حدود الزمان، ولأنها مازالت تغادر قيود التقاليد والوظائف المحددة للنحت. فإذا كان قد تولع بالكرة، والمكعب، وراح يحاور، بفعل المعالجات الخاصة بهما ـ أي نظام الإزاحة وليس نظام الإضافة كما في النحت الواقعي غالبا ً ـ كعلاقة مع خامات سابقة على النحت البكر، فان النحات، مكث يلفت نظرنا إلى الوظيفة غير المحددة للنحت، والتي ستنحاز إلى المعالجات الجمالية. فالنحت ـ عنده ـ كما قلت لا يتوخى السرد، بل التمثل: تمثل أية فكرة خالصة قائمة داخل المجسم وحركته وفراغاته وعلاقة هذه المعالجات بالنحت ذاته. وهنا يثار سؤال: هل ثمة وظيفة خالصة ؟ أي لا تمتد ولا تقيم علاقة مع المتلقي ـ الآخر: وظيفة لا تنشغل بموضوع محدد.. إلا كي يكون النحت خالصا ً..؟ إن الوكيل، لم يبّذر في الإيضاح.. فهو يترك فنه قائما ً بعيدا ً عن محاولات الشرح، فكل نص يأخذ توازنه كمعالجة في حدود العمل ذاته.. وهنا تشكل هذه الصعوبة استفزازا ً لاستنطاق الفكر [النحتي] داخل النحت. فالنحت ليس لغة وليس موسيقى وليس فعلا ً سحريا ً، مع انه لا يتخلى عن هذه الروافد، وإنما يبقى النحت بذاته وظيفة لا زمنية وبعيدة عن إشكاليات (التعبير) إن كانت ذاتية أو جمعية. ومرة أخرى انوه أن الوظيفة ـ ضد الوظيفة ـ ستبقى أكثر صلة بما لا يريد النحات أن يسرف في الإعلان عنه، وإنما في معالجته كأفكار لا تعالج إلا بالنحت وليس بأي جنس آخر. وهذه الإشارة ستدلنا على مدى تماسك ـ ترابط ـ تجارب النحات عبر حياته الفنية الطولية. وأول دلالة لها أنها حاولت تقصي إمكانات هذا الهدف، لا عبر الخامات أو الرموز أو العلامات المنتقاة فحسب، بل عبر رؤية نكاد نتلمسها في مصادر ظهور النحت لدى النحات الأول: ليس محاكاة ما هو طبيعي ـ عشتار وجسدها كوظائف معلنة ـ وتطور هذا الدافع نحو السحر ـ ووظائف المعتقد، وصولا ً إلى التقاليد الواقعية في فنون مصر والعراق القديم، وهي العناية البالغة بالنص، وشروطه بصفتها تنحاز إلى النص وليس إلى الأفكار أو الموضوعات المعالجة. فالوكيل لا يعلن ـ وان لفت نظرنا الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا لعلاقة ما بين التاريخي وفن النحت ـ عن اختيار لقضية أو فكرة يمكن عزلها عن فكرة أخرى، لان [التجريد] النحتي سيشكل موضوعا ً، هو ذاته، جعل من فن النحت يمتلك ذات الحدود التي لم تغب عن أي مجسم له تقاليده النحتية الصارمة. وهنا قد نتلمس إشارة لمسافة ـ أو لتناقض ـ بين أي مجسم وفن النحت ـ وهي مسافة تردم بتحول أي مجسم إلى نص فني، لكن عبر الفعل النحتي للنحات وتقصيه لما يتضمن النحت من دحض للوظائف، عدا عمل اليد أو التدريبات الذهنية للنحات. لكن هذا (اللعب) ـ بحسب أن الحركة بحد ذاتها تتضمن وظيفة ـ ليس دحضا ً للحضور النحتي، خارج الوظائف المباشرة له. فالنحت، كمهارة أصابع، بالغة الصلة بالذهن، تعملان على صياغة لا وظيفة تمتلك عللها في هذا الحضور. انه الحفاظ على لغز كل الذي أرادت أن تقوله مجسمات مازالت تعمل عملها كمنحوتات أكثر مما تتضمنه من دوافع وأفكار. على أن هذا أبدا ًلا يجرد النحت من اعتبارات أولية: الدوافع والخامات والعادات.. لكنها ستبقى قائمة في ظل ـ في الداخل ـ النصوص وليس خارجها، وهي الإقامة التي يتضمنها أي منجز( فني ) أو( غير فني ) من عمل الإنسان يتجاوز الرغبة بالبوح أو لأداء وظيفة الرسائل! وهنا تكمن واحدة من أكثر صعوبات فن النحت، التي خاضها الأستاذ عبد الرحيم الوكيل، ومكث يدافع عنها عبر نصوص بلغت ذروتها في لا وظائفيتها عدا أنها تنتسب إلى النحت، وما يتضمنه من تشفيرات.
* النحت والتشفيرات
هل ثمة علاقة [ما] توح نصوص الوكيل، عدا الأسلوب، كالعلاقة التي تصنف فيها جذوع الأشجار أو مفهوم المعمار، علاقة لا يمكن فيها عزل الدافع الذهني عن تاريخ النحت الطويل..؟ إن مجال إثارة عمل الشفرات لا يتوقف عند الكائن العضوي. لان تعقيدات النحت توضح ذلك بما يمثله هذا الفن من مغزى علاقته بالمعمار، والجسد، في حدود بنيته الخالصة.
وإذا كان عبد الرحيم الوكيل لم يجعل من تجاربه إشكالية، لأنها لا تشذ عن المجسم الحاضر خارج الذهن، كالصخور، ولا عن الضرورة التي دفعته لاختيار التجريد في صياغة نصوصه النحتية. فالحداثة لم تستهلك أشكالها ولا طرق تجددها. فهي تناور للإبقاء على ما هو حامل لمعناه، من ناحية، وكامتداد في سلسلة طويلة للنحت ذاته من ناحية ثانية. وهنا لو كان النحات، بدافع الواقعية التقليدية قد اختار المحاكاة، لمنعنا من التفكير في مغزى الاحتفاظ بتشفيرات عملت على حفظ المجال الذهني الجمعيـ والفردي على نحو خاص، في سياق تاريخ العلاقة بين الفنون، وبين الفن الواحد. فكان ثمة (جديد) يلفت النظر، بعد التمعن في المقولة السقراطية: لا جديد تحت الشمس، عدا اللاجديد، ليس تكرارا ً، بل تعديلا ً لنمو المجال الخيالي لأفكار النحات. اننا قد لا نجد صوبة تذكر في مجال شرح اعقد ملغزات الشعر، لكن هل ثمة صعوبة مماثلة في هذا المجال مع النحت..؟ إن أسلوب النحات التجريدي لم يأت إلا للتذكير بان لغم [ما] تبقى كامنة في ما يريد النحت أن يوصله أو يجسده. وعبثا ً سنقول: انها لغة في ذاتها. فالمنجز النحتي علامة للعلاقة ـ وتجاور ـ معها، فالنحت يتضمن كل ما لا يسهل شرحه، ببرهان تلقائي يوضح علاقة [النحت] بالمجسمات، من ناحية، وبما يريد الاحتفاظ به من ناحية أخرى: انه لغة لإنتاج لغة، إن جاز التعبير، مع أن الخامات المعدلة ـ بصريا ً ـ تمهد لتتجاوز السطح نحو العمق؛ أي نحو النحت. لكن التجريد ليس شيئا ً في ذاته، وإن تضمن تعددية في ما يريد إيصاله. فهو لا يكتم (كتمانه) فحسب، بل يوّلد نفيا ً له، بصفته يواصل الامتداد. إن هذه العلاقة بين المباشر والمخفي تسمح بالتقاط تشفيرات صماء انتقلت من المجسمات ـ خارج الذهن ـ إلى الذهن، ومن الذهن إلى المجسم بصفته لغة خاصة بالخطاب النحتي. وأقدم إشارة تعلن عن مجالها توضّح أن النحت ليس مستقلا ً عن حقيقة[ التركيب ـ التجمّع ـ الكتلة ] : أقدم التنظيمات الجمعية. فالنحت علامة لجماعة. ولان الجماعة لا تعزل عن المكان، ولا عن مفهوم التراكم لمجموع قوى عملها، فانه سيقترن بالمعمار بصفته كحامل لشفرات لا عضوية، لأفكار تخص ذهنية الخطاب الجمعي. فالنحت عمل على منح الاتساع مغزاه: انه كتلة تأتي لتقارن بالفضاء ذاته. وسيكون من الصعب جدا ً الحديث عن فرضية تحثنا لمعالجة الامتداد ـ أو الاتساع ـ وعلاقته بالكتل: المادة بالطاقة..أو المكان بالزمن، لأنها صعوبة لم تخضع للتفكيك بما يجعلها احد مفاتيح العلاقة بين الذي يقع خارج الحواس، وبين الذي يكمن فيه. لكن مفهوم الشفرة، سيدلنا ـ لا شعوريا ً أو ضمن آليات عمل لا شعور العقل ـ أنها مكثت حاملة لمثل هذه العلاقة ـ الدافع. فالنحت لم ينتج ـ منذ البدء ـ إلا خارج أداء دور مضاد للتسلية ـ الاستهلاك ـ وفي الوقت ذاته، مكث يجدد عمله في الحفاظ على جنسه ـ نوعه.
فإذا كان النحت كتلة لا تُرى إلا للكشف عن بعد آخر من الأبعاد، كعلاقة الفضاء اللامحدود بالمحدود ـ وإذا كان مكث يمثل علاقة مع الجسد ـ والبيت ـ والشاخص ـ والتذكار.. فانه لم يتخل عن إخفاء إعلانه لرسالة تتجاوز الخامة ـ والنحات ـ نحو آليات تحث المتلقي لشغل دائم لا في التأويل، بل في ترسيخ تقاليد تجدد نفسها عبر هذه الجدلية.
وهنا تظهر جدلية [ العشوائية ] بنظام اختيار صناعة نصوصه بأشكالها الصلدة، لكن الأنثوية، وهي تؤكد أسلوبها شبه العنيد: تكرار المنحى الدائري، حتى تكاد الحافات الحادة لا تشكل إلا استثناء ً، كي تأخذ نظام التجريد ـ العملي ـ مجاله في الحفاظ على كسر تكرار الأشكال، أن النحات يبلغ أصعب مرحلة في عمله وأكثرها مغامرة أيضا ً، عندما لا يلتفت لأنماط أكثر شيوعا ً وجاذبية شعبية. ولا اقصد تخليه عن المحاكاة والأساليب الواقعية، بل وحتى [ البوب ] والأشكال المتطرفة، ويمكث ينحت ـ يحذف ـ كي يحافظ على التعبير الذهني لمفهوم النحت، بصفته كيانا ً تمثلت فيه خصائص الذات في توازناتها مع مجالها الكوني والإنساني الجمعي، وبضمنه أن النحت ـ على الرغم من التابوات التي تعرض إليها ـ مكث كامنا ً في تلك المناطق بما يحمله من صفات وراثية لا شعورية لعناصر تعد سابقة على الوعي، وفي الوقت نفسه، احد تمثلاته. فأية تشفيرات تتبعها الوكيل، وهو يحافظ على لغز المصغرات السومرية، وتماثيل الأسس ـ ولكن لعصر انشغل بالبناء العمودي ـ كي لا يجدد، بمعنى ينفي، وإنما ليحافظ على انشغاله التركيبي ـ الموحِد ـ لوظائف معلنة، ولكنها شذبت ـ بالتجريد ـ كي تبلغنا ـ لغة خاصة تضمنت مغزى أن النحت مكث يحافظ على خصائص خاماته[1] والانتقال بها ـ كحافظ ـ لخصائص اشتغالات الذهن [2] نحو تشذيبات نحتية مجاورة ـ كامتداد ـ لموروثات وعادات بعدية ( من أبعاد ) اجتماعية ورمزية [3] و[4] العمل بالحذف حد التجريد لمعان ـ هي ـ دحض تام للعشوائي أو المضطرب، نحو نظام التعبير في نظامه الجمالي. وهو المجال القابل للدحض، بصفته لا يتضمن إيضاحات يسيرة، ولا علامات دالة، عدا التجريد، وقد توخي أن يبقى نحتا ً، وليس أي شيء آخر.
* سيرة
ـ ولد في بابل عام 1936.
ـ دبلوم معهد الفنون الجميلة ـ بغداد ـ درجة امتياز[ 1954 ـ 1959 ]
ـ درس النحت والتصميم في كلية جلسي في لندن وحاز على الدبلوم الوطنية اختصاص[ N.D.D] كما حاز على شهادة دبلوم جلسي. درس طرق صب البرونز في المدرسة المركزية للفنون الجميلة ـ لندن.
ـ رئيس قسم النحت والصب في مديرية الآثار العامة ـ والقيام بالأعمال الفنية والعرض والصيانة للآثار.
ـ أوفد من قل وزارة الثقافة والإعلام والمتحف العراقي إلى البرتغال لدراسة المتاحف والنصب في البرتغال مع مؤسسة كولبنكيان ـ 1967
ـ مدرس النحت ورئيس قسم الفنون التشكيلية 1968 ـ 1969
ـ حصل على [ M.F.A] جامعة بنسلفانياـ الولايات المتحدة الأمريكية.
ـ أقام سلسلة من المعارض الشخصية داخل القطر وخارجه كما شارك في المعارض الجماعية.
ـ عضو جماعة بغداد للفن الحديث ـ عضو جمعية التشكيليين العراقيين.
عضو جمعية النحاتين الأمريكية ـ عضو الاتحاد الدولي للمدالية.