سوترا: الرقص داخل الجسد

من أمستردام- صالح حسن فارس*  

ضمن فعاليات مهرجان «يوليو للرقص» Juli Dans 2009 العالمي الحديث في أمستردام قدمت فرقة "سيدي لعربي شرقاوي" عرضها الراقص (سوترا) على قاعة "ستادس سخاوبورخ" في أمستردام وهو من تصميم واخراج الراقص البلجيكي من أصل مغربي "سيدي لعربي شرقاوي" لرهبان راقصين قادمين من الصين من معبد "الشاولين"، وهو مكان قديم تؤدى فيه الطقوس الدينية البوذية للقتال العسكري اليدوي كنوع من انواع رياضة "الكونغ فو". يعود تأسيس هذا المكان الى القرون الماضية القديمة، أسسه الراهب الهندي" بودي دارما" القادم من الهند الى الصين حيث طلب انذاك من امبرطور الصين أن يقيم مكاناً للطقوس البوذية والتدريبات الرياضية "الكونفو" لتدريب الرهبان للدفاع عن النفس وعدم ايذاء الاخر، كما يعتمد على تطوير المهارات الروحية للرهبان. وبني هذا المعبد في غابة "شاولين" شمال الصين ومنها جاء اسم المعبد. ذهب الفنان سيدي لعربي شرقاوي الى الصين وعمل مع الرهبان في معبد الشاولين، وكانت نتيجة تلك التجربة، هذا العرض المتميز.

 

سوترا: حكاية بسيطة تتحدث عن التقارب والتبعاعد بين الغريب والآخر،عن الاندماج في الثقافة الاخرى، التعرف الى الاخر الغريب والاعتراف به رغم اختلاف شكله وثقافته. في بداية العمل يقف الغريب وصندوقه الخشبي الرصاصي اللون حائراً بين عالمين، الشرق والغرب، حيث يعيش الحيرة بين عالمه وبين الرهبان. عالمه لم يقبله وكذلك الرهبان. وفي النهاية يتم قبول الاخر والاعتراف به، وتتم الرقصات من قبل الجميع كل واحد يرقص رقصة الاخر. الرهبان يرقصون الرقص الحديث والغربي شرقاوي يرقص رقصة الرهبان. يندمجون في الرقص الروحي الذي لايعرف الحدود.

 
صراخ الجسد

في طقس من طقوس الحب البوذي واجواء روحانية شرقية يفتتح العرض ( سوترا) بصناديق خشبية مملوءة بسبعة عشر راقصاً وعلى يسار المشاهد يجلس الراقص"سيدي لعربي شرقاوي" بصحبة طفل صغيرعلى أحد الصناديق ليرسم مستقبله من صناديق صغيرة على شكل بيت. يتغير شكل العرض باستمرار، حيث تتحول الصناديق الى أشكال هندسية متنوعة وافكار مختلفة، الى ممر، سور، ومدينة.
 في الخلفية نرى فرقة موسيقة تغيب ملامحها، وعلى أنغام الموسيقى يحدث الصراع بين البطل الذي يخطط لمستقبله مع البوذيين الذي يخرجون من ذاكرته، يرقصون بقوة الحصان الجامح وخفة الفراشة، يطيرون، يصرخون، يصمتون، يتبارزون، وكأنهم كائنات اسطورية تمارس طقوسها في العبادة والحب والموت. يمارسون حريتهم داخل الصناديق وخارجها فوقها وتحتها، حين يدخلون في الصناديق يتحولون الى كائنات غريبة حيث تشتبك الايدي والارجل معاً. في هذا المكان الصغير نسمع صراخ وتأوهات الاجساد المرنة سرعان ما تتحول إلى عجينة. بدأ العرض هادئاً بعض الشئ ثم تصاعدت حدة الايقاع وتوترت الى ابعد ما يمكن حتى وصلت ذروتها.

 
مساحات لونية

في بانوراما فنية تاريخية متسلسلة ادخلنا المخرج ومصمم الرقصات "سيدي لعربي شرقاوي" منذ بداية العرض عالماً طقوسياً عبر توظيفيه للموسيقى الغربية واجساد الراهبين الشرقية، محاولا المزج بين الطقوس الدينية والرقص المعاصر في كيفية ممارسة حياة البوذي وطقوسه اليومية من خلال القتال بالأيدي والعصا وكيف يؤدي طقوسه الدينية عبر لغة جسده وحركاته المعبرة التي لاتحتاج الى مترجم. صحيح ان العرض يخلو من الكلمات لكن الجسد كان حاضرا بشكل اقوى من تعبير الكلمات وهو ما يذكـّر بكلمات الفنان الروسي مايرهولد: "إن الكلمات لاتستطيع أن تقول كل شئ في حين أن حركات الأيدي وأوضاع الجسم والصمت والنظر هي التي تشير إلى حقيقة العلاقات المتبادلة بين الناس".

 
لغة الجسد لغة قائمة بذاتها فلم تكن الكلمات يوماً هي اللغة الوحيدة التي تستطيع أن تعبر عن كل شئ. هذا ما كشفة لنا عرض "سوترا" الذي أعتمد العمل بطبيعة الحال على الحركات الجسدية البديعة بكل رشاقة وخفة مفعمة بالحيوية في الاداء.على مدى الساعة وعشرين دقيقة، تتحول الصناديق الى اشياء غريبة قبور، بيوت، زقاق، اسرة، سجن، دومينو، ملاجئ، جدار، اشجار، انها مشاهد مرسومة بعناية فائقة ودراية وخبرة راقص ومصمم محترف. راقصون يطيرون عاليا وهم يتمايلون كالنوارس فوق البحر، أو كالفراشة التي تحوم في كل الاتجاهات تبحث عن ظل لها. انها مشاهد بصرية بامتياز، رسموا لنا مساحات لونية باجسادهم.

 

حرية الجسد                                    

اعتمد العمل برمته على الثنائيات: الروح والجسد، الكتلة والفراغ، الخارج والداخل، اللون والظلمة، الضياء والعتمة،العري والثياب، الصمت والصراخ، الحركة والسكون، الكبير والصغير، الاسود والابيض. كل هذه العناصر اجتمعت لتكون خطاب العرض الراقص بلغة جسد مثيرة ومدهشة، كانها رقصة الخلاص، او حرية الجسد. كما قدم العرض عدداً من الرقصات المتنوعة على شكل مجاميع وبشكل انفرادي ايضاً. انها مزيج بين الطقوس الدينية والرقص المعاصر تؤطرها الموسيقى. في أحد المشاهد الممتعة كان الراقصون يحلقون في الهواء ويقفزون من الصناديق، وبالكاد تلامس اقدامهم الارض، ربما هي لغة طيران الجسد التعبيرية. العرض أعتمد بشكل رئيسي على مفردة الجسد بكل ايماءاته، صمته، غضبه، حركاته، ولغته في اداء الطقوس والشعائر الدينية التي كانت قدمت من قبل الراقصين، للافصاح عن قصتهم الى المتلقي.

 
الرقص داخل الجسد

الراقصون في هذا العمل يرقصون بصمتهم، وقوفهم وجلوسهم، حيث تؤكد الراقصة ومصممة الرقص الالمانية "بينا باوش"التي تعتبر واحدة من اهم رموز الرقص الحديث في القرن العشرين :"كم هو من المهم أن يعرف الراقص كيف يرقص وهو جالس، حيث يبدو انه – ظاهريا- يجلس على الكرسي بدون حركة، ولكنه يرقص في داخل جسده اكثر من من رقصه بواسطة جسده".
هذا العرض بقدم للمرة الاولى خارج الصين، ضمن سلسلة عروض تجول العالم. صمم الديكور النحات البريطاني " انتوني غورملي". الموسيقى للفنانة البولنية الشابة "سيمون بروسكا". ويذكر ان المخرج ومصمم الرقص "سيدي لعربي شرقاوي" ولد في أنتوورب البلجيكية عام 1976 من اب مغربي وأم بلجيكية، تخرج في معهد الرقص في بلجيكا، حاصل على جائزة الرقص في فرنسا وله مشاركات عالمية كثير، وقدم أكثر من عشرة عروض راقصة من بينها عرض راقص بعنوان (درجات الصفر)، وكات بدايته مع فرقة البالية البلجيكية
.

 

*عن موقع اذاعة هولندا العالمية
*صالح حسن فارس فنان مسرحي عراقي يقيم في أمستردام
* الصور من موقع المهرجان والحقوق محفوظة لـ ©
Juli Dans