قراءة تشكيلية لأقدم ملحمة عراقية

 

أ. د. زهير صاحب

 

مُثلت أول ملحمة عراقية على إناء فخاري بشكل كبير الحجم أشبه بالطبق ، ذو قاعدة دائرية الشكل قطرها (50 سم) وجوانبه مستقيمة ارتفاعها (15 سم) ، وقد عثر عليه في أحد القبور في موقع الأربجية قرب الموصل من عصر حلف في العراق – الألف الخامس قبل الميلاد (Hijara, p.27) وهو بهذا مرتبط كوجود بالطقوس والشعائر الدينية التي تعيشها الجماعة ويبلغ بنائه الفكري ، عن دلالات كانت بمثابة وسائل اتصال بين الأفراد ، عن طريق ضرب من التناغم الوجداني ، وجد صداه بشكل تمثلات ذهنية ثابتة . عاش فيها ما هو فكري حياتي بشكل حيوي ، بفعل تمرحله نحو ما هو ما ورائي في عوالم ما بعد الموت . فهو الخاص الذي يُدّلل على مغزى عام وإلى دلالة كلية تقف خلفة . فقد تم إيداع مثل هذه الأفكار بصياغة أدبية وأسلوب سردي، ينتمي للصورة التي فهمها بها الوعي الاجتماعي وأخضعها لسيطرته الفكرية المنظمة والواعية .

إن الإلمام بتفاصيل هذا المشهد الذي يزين سطح هذا الإناء ذو الأهمية الطقوسية، لن يتم باعتباره وحدة منعزلة . بل هو في سياق المحصلة الثقافية للفترة الحضارية ككل، وكحلقة في سلسلة التطور التاريخي . فقد جسد الفنان عبرَ مادته الطبيعية وبواسطتها فعل فكرته وإرادتهِ ، أي مخططة الذي أرتسم قبل ذلك بوعيه . ذلك إن نظام الإنشاء التصويري في آليات سرد الحدث ، وفهم العقد المهيمنة في تحرير النص ، وسيناريو توالي الأحداث . قد نظم كتكوين لما من شأنه ضبط إدراك المشاهد وتوجيه انتباهه ، بحيث يبدو التكوين مفهوم موحد ، وقد انصهرت أجزاءه في كل واحد ، لتجعل منه جسداً منتظماً ومجموعة من نظم علائقية داخلية ، تخضع لقوانينها الخاصة وتكفي نفسها بنفسها .

 

 

 

فعلى السطح الداخلي لقاعدة الإناء ، يظهر ما يشبه شكل المذبح (Altar) ، وهو شكل ذو طبيعة قدسية أُعد لتقديم القرابين في المزارات ذات الطبيعة الدينية (شكل1) وبفعل أهميته الدينية أحتل مركز المساحة المهيمنة على السطح التصويري ، وكأن كل الأحداث تنتهي إليه وتبدأ منه . وفي نظامه الهندسي التجريدي هو نظام من العلاقة بين الظاهرة الحسية الطبيعية بخصائصها المعروفة ، وعالم الموجودات الروحية ، وفي تفاعل فكري كبير ، بين الشيء وجوهرة والشكل ومضمونة .

ويؤطر شكل المذبح وعلى السطح الداخلي لجوانب الإناء مجموعة من الرموز الدينية حيث قسم السطح التصويري والذي هو بمثابة إفريز ، إلى عدد من المستطيلات يتناوب في الظهور عليها مجموعة من الرموز الدينية ، والتي تبدأ بشكل رأس الثور (Bukranum) وشكل ما يعرف بالصليب المالطي (Maltes Cross) . في حين مثل في أحد المقاطع مشهد أثنين من الرجال يؤديان فعالية شعائرية ، تتمثل بخلط مزيج من سائل مقدس داخل إناء فخاري هائل الحجم (شكل1) . ولعل هذه الرموز قد احتفظت في زمانها ومكانها بقيم دينية ودلالات تعبيرية ذات مفاهيم اجتماعية . لم يهتم الفكر الديني بزمانه بمظهرها الطبيعي كمفرده من مفردات العالم المرئي ، بل يستدل فيها على أفكار كامنة خلف المظاهر ، ساعياً في آليات إظهار إبداعية إلى تكوين رموز شكلية ، تحتفظ بدلالاتها بتعبير سايكولوجي عن نسيج المعتقدات الجمعية وبما يرضي تطلعاتها التعبيرية .

وضمن التطور الكلي القائم على بنائية الفكر الحضاري ، يظهر على السطح الخارجي لجوانب الإناء ، ما يمثل مشهد صراع ملحمي ، بين رجل وحيوان مفترس ، في حين تشارك اثنان من النسوة بدور خاص في هذه الدراما (شكل1) ويظهر في التكوين العام لهذا المشهد تنسيقاً لبنية الزمن ترتبط بآليات فهم الفكر وتحليلها ومن ثم كيفية تركيبها وتفسيرها . ذلك إن الفنان ، قد أنتقى من الموضوع ، مجموعة من العلاقات ، محاولاً إبرازها بشكل تكوين له كيانه الخاص والأفكار المرتبطة به في الوسط الحضاري . وتمثيل ذلك في بنائية التكوين كقيم شكلية والوضع الحركي العام للشخصيات ، هو فعل تعبيري لا يخلو من انفعالات سايكولوجية ، وتجسيد ذلك عبر المظهر الخارجي للمشهد .

 

 

يتمثل موضوع الإفريز الخارجي بحدث احتفالي طقوسي وقد أكتسب أهميته بنوعية الفكر الحضاري ، كونه جزء فاعلاً في الممارسات الناشطة في بنائية الوعي الاجتماعي . فهذا التعبير عن النفس الذي يجد انعكاسه في الأعمال الفنية ، هو بمثابة دليل أو مرجع تسترشد به الجماعة . فعلى يمين المشهد تقف اثنان من النسوة بوضعية راقصة وهما يمسكان بقطعة من القماش تتميز بصف من الزوائد في الأسفل . هذه الإثارة الانفعالية ، أريد لها أن تشد من عزيمة البطل وفعله البطولي ، وهو يواجه حيوان مفترس أندفع بقوة هجومية . وفي مثل هذا المناخ الدرامي الذي يؤطر جو الحدث تعلو الصيحات فتكون إشارة انتصار . ذلك إن التعبير عن بنائية الدلالة المرتبطة بمطامح جمعية ، يبدو أكثر وضوحاً في الخطاب الذي يبثهُ المشهد . فالتعبير عن المحتوى الفكري ، يبدأ من تلك التجريبية التي وجدت صداها في مخيلة الفنان ، والتي سبق له معاناتها في ظل الواقع القائم . وآليات إظهارها كإبلاغ من نوع شعائري، هو بمثابة طقوس ذات إثارة عاطفية ، لتكون عاملاً مؤثراً في بنية الحياة الاجتماعية وقواعد السلوك . فهي بمثابة إذكاء لعواطف معينة في سايكولوجيا الأشخاص ، والتي تعد ضرورية ونافعة في سياق العمل المعيشي . فقد كررت الجماعة الإنسانية هذه العمليات عدة مرات ، حتى أظهرت بالتجريب رمزاً أو وسيلة للتعبير عن إشكالاتها الفكرية .

ويبدو من تفحص البنية التشريحية وسماتها المميزة فسلجياً والأداء الحركي للحيوان الذي يجب أن يقتل ، أنه يشبه شكل الأسد . فمنذ هذه الفترة القبتاريخية الموغلة في قدمها نشأت معادلة الحياة أول مرة في الفكر الرافديني ، والتي استمرت على طول التاريخ على أرض الرافدين دون انقطاع . وهي وجوب أن ينبري أحد الأبطال لإبادة هذه القوة الفتاكة التي تعبث في ممتلكات الإنسان في عصر القرى الزراعية الأولى . وفي ذلك تأكيد حقيقة تواصل حضارة أرض الرافدين ونقائها وأصالتها ، في نقلتها النوعية نحو العصور التاريخية . ذلك إن جميع ما يتصل بالتسيج الفكري للأعمال الفنية من تقاليد وأعراف ما أن تستقر وتختبر وتصل من جيل إلى آخر حتى تصبح لها طبيعة مترسخة اجتماعياً ، يبقى الناس متشبثين بها ، ويغلبهم إزاءها التوقير والاحترام ، بفعل ارتباطها بسلسلة متصلة من الأفكار والقيم الاجتماعية .

 

 

ويعبر الوضع الحركي للامرأتين في المشهد ، إلى إنهما تؤديان رقصة طقوسية خاصة . ذاك إن نوع الإيماءة يشير إلى نوع من الذاتية في التعبير إزاء مؤثرات لحظة محددة حيث استطاع الفنان بفعله الإبداعي ، من أن يجعل من الظاهر تعبيراً عن الباطن في مدلول فعل الحركة . فالتعبير هنا مجموعة من التأثيرات الانفعالية التي تضفي على المضمون الجمالي دلالة وجدانية خاصة ، تتجسد في معاناة الروح . وهما في ذلك يرتبطان بسماتهما الشكلية المميزة مع أشكال النسوة الراقصات في فخاريات عصر سامراء . وكل هذه الأشكال رغم مضامينها الروحية ، فهي مفردات تنتمي لعالم الواقع، وهي تشبه ذاتها في القصيدة الطبيعية ، لكنها في خارج حضورها الواقعي . إنها بنائية الفن التي تعلو على طبيعة كل الأشياء والظواهر .

وإذا كان الفنان في إنتقائيتهِ الواعية ، في الحذف والتبسيط والاختزال والتجريد ، الذي يَطال النظام الشكلي للامرأتين في المشهد ، وذلك بالبحث عن الجوهري من خلال الكلي . ففي ذلك مظاهر فنية مستندة إلى عالم الوعي الفكري للجماعة ، والذي يقرر ما وراء هذه التمثلات من صفات روحية تكمن خلف هذه المظاهر . ومع ذلك فإن صله من التشابه مازالت قائمة مع أشكالها الواقعية ، ذلك إن تظاهر العيني محقق عن طريق محض صورة يعتبرها الحدس مقاربة للمضمون حداً تشبيهياً . ومع ذلك فإن سمات الأشكال الفنية المميزة ، كانت تعبيراً أختاره الفنان بعناية للفكر المجرد ، بقيمها الشكلية التي تميل إلى الابتعاد عن المباشرة بوساطة محاكاة الأشياء . فهي كشفاً تنقله أشكالاً رمزية ، تضم عالم الحواس بصفتها مصدراً للمشاعر وعالم الروح ، فأعطيت المعطيات الطبيعية تفسيرات عقلية ، ورفع العضوي بموجبها لمستوى الفكر . فاكتسبت مثل هذه الأشكال مضامين روحية في نوعية تفكير الجماعة الزراعية ، ونتيجة استقرار دلالاتها في ذهن الجماعة ، والتي ترتبط بأفكار الخصب والتناسل بفعل استمرارية الممارسة والفهم . إن أصبحت مثل هذه الرموز علامات اصطلاحيه ضمن حدودها الزمانية والمكانية .

 

 

 

 

 

واستطاع الفنان أن يجعل المضمون يسري في القيم الشكلية التي تميز مفردات المشهد المهيمنة ، فمجموعة الأفكار كان الفنان يجدها في الواقع الخارجي ، لكن صياغة التعبير هو ما يؤلف جوهر عمله ومأثرتهِ . فشكل البطل بدلالته الرمزية (كلكامش الأقدم) ، (شكل1) يفصح إنه الحاوي على قوة التذكير وربما الموحد للجهد البشري وزعيم الجماعة . وذلك يبرز في قيم الشكل بتمثيل الدائم والعام والخاضع لقوانين ثابتة . وهو الشيء الذي لا ينفي ضرورة تفريد العام ليعّبر عن المفهوم السامي، وهو مفهوم يرتفع بالمادي إلى حيز مثالي رفيع ، بقوة معتقد وقوة نهوض اجتماعي . ولعل ذلك يفسر الانتقال بالشكل الطبيعي من صورته العرضية إلى شكله الجوهري الخالد ، الذي يبغي العموم بالرمز ، وفي ذلك نوع من التسامي فوق مستوى الواقع لكشف المضمون الباطن للحقيقة ، بخصوصيتهِ التي تبغي اختزال ما في الواقع إلى رمزه الروحي بوساطة الجمع بين الصورة الفردية الطبيعية والمنهج الرمزي .

فهنا لا يمكن أن يتصف شكل البطل بتفاصيله الحسية الماثلة للنظر في مجال إدراكه ، بل ترتكز الرؤية في انتقاء عدد من السمات الشكلية الأساسية للشكل لتكوين مظهرة العام ، وفي صيرورة من الخلق تقوم على معادلة ، إن كل ماله نفس الشكل له أيضاً ذات الجوهر . وهنا نصل إلى نوع من الرمزية الواعية في توظيف مظاهر الأشياء باتجاه مطامح الوعي الجمعي . وهذه الرؤية بحد ذاتها ، لا تشكل محض نسخ عن الطبيعة ، وفي ذلك يكمن التخيل في الرقي على جميع الصور الفردية وشتى أنواع التفاصيل . فهذه الاستعاضات الرمزية تجد ديمومتها في طقوس دورية قائمة على العرف الاجتماعي ، حيث ينبري البطل كرمز اجتماعي للدفاع عن الحياة والتجدد والبقاء ضد قوى الموت والفناء . ولعل ذلك متجسد بكل تأكيد في العلاقات الذهنية المشتركة وارتباطها الرمزي بوجود الجماعة .

 

 

 

 

 

 

 

وأدى تطور المستوى الحضاري لإنسان هذه الفترة ، أن اكتسبت هذه الملحمة ، شعائر وطقوس وممارسات اجتماعية لا حصر لها . ففي هذا المشهد الخالد يُعرض الموضوع في بنائية حسية وعاطفية وروحية ، ذلك لأن المضمون يتوسع ويكبر وينال الاستمرارية في الممارسة عند إدراكه من قبل الروح . ولعل هذا المشهد بحد ذاته ، كان نوعاً من الترجمة الرمزية للخبرة ، ويعد وسيلة حيوية للفهم كما يعد تمثيلاً للخبرات لكل من المبتكر ومجتمعهِ ، وهو بحد ذاته تعبير عن الرغبات والمخاوف والتفكير والشعور العام لمثل هذه المجتمعات الزراعية النامية . كنوع من معادلة روحية للعالم الخارجي والعالم الداخلي ، حيث بدت مثل هذه التقابلات السايكولوجية مفهومة بوساطة نظم التشكيل ، وفي سيرورة رمزية تضم عالم الحواس بصفتها مصدراً للمشاعر ، وعالم الروح باعتبارها كشفاً نهائياً عن المعتقدات الاجتماعية .

 

إن العلاقة البنائية بين مختلف جوانب التكوين ، أي بين الحسي والعقلي وبين المعرفي والإبداعي . توجب الانتقال إلى عوالم الرموز ذات الطبيعة الدينية ، حيث نلج بدء انفصال الفكر عن الطبيعة . فقد أختلف الأمر حين صار رُقي الفكر هو الذي يشكل عين الإنسان ، عندما توهج فيه ما أسفرت عنه الحاجة الروحية من طموح وإرادة ونداء بالبقاء والديمومة . فعلى الإفريز الداخلي لجوانب الإناء ، يتكرر ظهور شكل رأس الثور المعروف بالبوكراينوم (شكل1) . وهو رمز هائل الحيوية في خصوصية الفكر لهذه الفترة ، والذي يرتبط بمفاهيم الخصب والتكاثر والفحولة والقوة وثورة التناسل بمعناها العام . حيث وجد الفكر في دلالات هذه المفردة الطبيعية ، رمزاً يتصف باستدلالات عن الرغبات التي تجتاز تركيبة الفكر الاجتماعي . فمثل هذه الأفكار المتجسدة بمثل هذه الأشكال الرمزية ، إذا ما حُررت من عموميتها وماهيتها الطبيعية ، تقدم لنا تفسيراً لما تعنيه وتدلّل عليه في التمثيل المُحدد . فرؤية مثل هذه الأشكال ما هو إلا امتلاء بعدد كبير من الأحاسيس البشرية ، وتمثيلها بوجب تركيزها أو تكثيفها في بنية رمزية . شأنها شأن الفكر حيث يستوعبها ويغنيها ، ذلك إن الفكر بدء يُدرك الجوانب الحسية للظواهر وما تخفيه من أفكار في خصوصيتها الجوهرية . فهي تقابلات تقوم على الكشف والتأويل ، وهي تقابلات تضم معادلة بنائية الفهم والتفكير . وما وجودها في هذا المشهد التصويري ، إلا لترتقي بالحدث من طبيعتهِ نحو بنائهِ الروحي، أي بإغداق نوع من القدسية عليه . وسيكون لها الدور الفاعل في إنجاح مثل هذه الطقوس والشعائر الاجتماعية ، والتي تقرر استمرار البقاء والتجدد بمفاهيمهِ العامة . وهذه الأشكال رغم بنائيتها التجريدية وفقدانها الارتباط بالواقع بصدد مشابهتها بالطبيعة، إلا أنها تبقى عظيمة وحية الفاعلية في قيمتها الروحية الاجتماعية . وهي بذلك تحتفظ بتناسب مُحدد بين جانبيها ، الطبعي الحدسي المُدرك من قبل الفنان والجماعة كظاهرة معاشه ، ووقعه الاجتماعي الروحي كرمز اكتسب قدسيته من خلال الممارسات في الفكر الاجتماعي للجماعة .

ويبدو من خلال بنائية المضامين الفكرية الشائعة الظهور في الأعمال التشكيلية ، إن كانت لهذه الرموز أهمية اجتماعية داخل المجموعة ، فهي بمثابة لغة تداول في بنائية الفكر ، ذلك إنها تنقل أو تبلغ نفس المعنى لكافة أعضاء المجموعة . ولذلك وجدت طريقها للأعمال الفنية التشكيلية . فهي تدلل على محاولة الفكر الإنساني في التعبير عن خبراتهِ الانفعالية الجماعية التي تصاحب الصيد والحروب والموت ، وكثيراً ما تختلط بالطقوس الدورية التي تقيمها الجماعة بغية إحلال الخصب والتجدد في الطبيعة . ولعل ذلك ما يُبرر ظهورها في التشكيل الفخاري – مجال الدراسة – فعن طريق الفن استطاعت المَلَكة الإبداعية للفنان ، إن تؤول عوالم لم تشهدها في الواقع المعاش . وسخرتها سلاحاً في يد الجماعة الإنسانية في صراعها للبقاء .

إن هذا التعبير عن النفس والذي يجد إنعكاساتهِ في الأعمال الفنية الفخارية ، يبرز في ظهور ما يُعرف بشكل الصليب المالطي على الإفريز الداخلي للعمل التشكيلي. بهيأتهِ المجردة الشائعة الظهور في الأعمال الفنية من هذه الفترة (شكل1) . والذي نجد له مرجعيات ذات أنظمة شكلية واقعية في عصر سامراء . فقد حقق التركيب الشكلي متحولاً في نظامه ، حين تحولت أشكال الوعول إلى شكل مثلث وقد أرتبط كل منها برأس مربع يكوّن  نقطة المركز . فهو بذلك صليباً سامرائياً وليس مالطياً ، بفعل قدمهِ الزمني على مثيلاتهِ في الفخاريات المالطية . لقد كان الفكر يبحث عن البنية الأساسية للأشكال، فوجد في مثل هذه التجريدات الرمزية رموزاً للتعبير عن الحقيقة الروحية . إنه الفن المتخلص أو المتحرر من هيمنة الطبيعة بأشكاله الجوهرية الخالدة . والتي هي محركات فاعلة فكرياً في مثل هذه الملحمة ، وهي تفصح عن وجودها لتدلل عن أفكار البقاء والخصب والتجدد وربما نيل حسن الطالع باعتبارها نوعاً من العوذ الدينية التي تؤدي دورها الهام في إنجاح أحداث الصراع هذه ببنائيتها الشعائرية الاجتماعية .

 

إن تحولات مثل هذه الأشكال الرمزية (مورفولوجيا الشكل) من بنيتها الواقعية نحو أشكالها المجردة . ربما تعود إلى أهتمام الفنان ، بالمضامين القدسية لهذه الأشكال على حساب أنظمتها الشكلية . الأمر الذي جعل فكر المبدع مركزاً بصدد المضمون على حساب الدقة في محاكاة الشكل الواقعي . طالما إن صفة القدسية ملازمة للأشكال رغم التحولات التي تدخل عليها بسبب نسخها لعشرات المرات . أو أن تطور الوعي الفكري قد أوجد ضرورة ملحة إلى ابتداع أشكال مطلقة للتعبير عن ظواهر مطلقة ترتبط بعوالم القوى الغيبية ، حيث تدعو الحاجة الروحية إلى التحرر من النموذج ، وصولاً لبلوغ الشكل الرمزي الخالص ، في مخاطبة القوى الماورائية التي يصعب التكهن بإرادتها .

إن هذا السحر الكائن في جذور الفكر الإنساني ، والذي يوحي بذات الوقت ، بإحساس بالعجز ووعي بالقوة خوفاً من أحداث الوجود مع الرغبة بالسيطرة عليها . هو الجوهر الأصيل لهذا العمل الإبداعي . فهنا تعيش ماهية المضمون في بنائية ذات مدلولات ثقافية واجتماعية وتاريخية ، تتبادل معها الأثر والتأثير بطريقة دينامية متفاعلة من خلال إطار نوعي اكتسب مضمونة من الخارج . وهي مرتبطة بالحالة العامة للتفكير والتي وجدت خصوصيتها في التكيف للمحيط الفكري ، وتستند إلى بنائية متداخلة من العوامل النفسية والحاجات والمتطلبات الاجتماعية . باعتبارها تمثلات فكرية لهذه المدلولات أو إشارات إليها، فهي حبلى بمدلولاتها الحضارية الإنسانية التي تتجاوز المدلول الظاهري للتمثيل ، إلى نوع من التضايف بين المادي والروحي ، وبين الطبيعي والرمزي . فالوعي ينطلق هنا مما هو عاطفي واجتماعي وروحي ، فتنبثق شرارته كنشاط وإبداع وخلق بفعل الإرادة . وفي ذلك كله تدليل على تحقيق إزاحة نوعية حضارية في بنائية الفكر ، أوجدها إنسان العراق الأول في ربوع هذه الأرض الطيبة المعطاء .

 

 

المصادر :

1. Hijara, Ismail. Three new graves from Arpachigah, world  Archaeology, Vol:10, 1978.