خضّور وبني المرجة

نموذجان للقصيدة السورية المعاصرة في عقد الثمانينيات

جاسم الولائي

ربما ما كان يدفعني لاختيار نموذجين للشعر العربي المعاصر في سوريا هما، (أفراح الحزن القارس) للشاعر نزار بني المرجة. وثمار الجليد للشاعر فايز خضّور هو القاسم الزمهريري المشترك في عنواني المجموعتين. وهو الشعور بالبرد ونشدان الدفء في وضع عربي عارٍ ينقصه الأمان، ويُحاصر بأبواب لو فُتحت لامتلأت فسحة الحياة بأشباح الخوف الداهم. ولعل الدافع أيضاً هو البحث عن القصيدة العربية الحاضرة، الصادقة في دفئها التي أصبحت ندرة نادرة في الحياة الأدبية العربية، استثناء من ذلك حالة التعويض التي دفعت العديد من رعيل الخمسينيات والستينيات للجوء إلى التاريخ ودفء الماضي وجمهوريات التراث الخيالية، كالشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي الذي زار مدناً قرأ عنها ولم يرها. فأعاد بناءها وطرد منها الوحشة والغربة وسكنها وأسكنها قصائده. أو كالشاعر سعدي يوسف الذي عبر دائرة النار بقدميه ليأنس بالحشد البشري في مدن محترقة، فشعر بأمان نسبي وهو كالعائش من جفن الردى وهو نائم، كما وصف المتنبي أميره سيف الدولة في قلعة الحدث الحمراء.

وربما كان الدافع أن فايز خضّور الذي دخل مبكراً دائرة البرد العربية، فكانت ثمار الجليد هي النتاج الناضج المضمخ بالنكهة التي خرج به الشاعر من رحلة عذاب حقيقية. وهي ثمار صورها الشاعر، أنها لو بقيت فهي كاوية لاسعة، وإن ذابت فهي الخسران بعينه. وماسك الثلج كماسك النار في ألمه وعذابه. لكن المتذوق للشعر والمتفاعل مع الكلمة والصورة يختلف مع الشاعر في ذلك، إذ يجد المرء أن بين غلافي ثمار الجليد قصائد حارة حية متدفقة، تماماً كالكوخ الجليدي لرجل الأسكيمو الذي يشير منظره الخارجي شعوراً بالعزلة والقشعريرة، لكنه في الداخل يحفل بالدفء والنشاط.

فايز خضّور وهو يصدر مجموعته تلك في أوائل الثمانينات كان في قمة نضجه الإبداعي، وكان واحداً من الشعراء السوريين الذين يُشار إليهم بالبنان، ويحظى شعره وتجربته بالكثير من الأسماع والعقول المتفهمة والأذهان المنتظرة لكل جديد مفاجئ. وأعتقد أنه كان في طور التصالح مع الحياة، في وقت كان شيوخ الشعر الكلاسيكيون في الشام قد تحولوا إلى نجوم شاشة التلفزيون، حاضرين في برامج المسابقات والسمر والبرامج الاحتفالية كضيوف أو أعضاء لجان تحكيمية ترشح الأفضل بين هواة الجمال والغناء وغيرها. حيث سبقت ثمار الجليد لخضور عشر ثمار دانية نفذت من المكتبات بوقت قياسي. أولها "الظل وحارس المقبرة- 1966" وآخرها "آداد- 1982" وفي الطريق كانت ثمرة جديدة هي "إنجيل الأنهار".

أما الشاعر نزار بني المرجة الطبيب الشاب الممتلئ بالحياة فكانت مجموعة "أفراح الحزن القارس" خطوته الأولى في مسيرته الشعرية. لكنها لم تكن تعبيراً ذاتياً عن حالة عامة عاشها الجيل الذي فهم حجم الكارثة بعد هزيمة 1967، والارتباك السياسي والاجتماعي وسقوط الأمثولة بعد تلك الكارثة. إذ لم يكن بني المرجة قد جنى بعد ثمرة ما، لأنه كان في بدايته، ولم تصدمه التجارب. فصوّر وضعاً عربياً عاشه وأحسه لكنه لم يفهمه تماماً بعمق الجيل السابق، لأنه من جيل لم يدخل المعمعة مباشرة، وإنما سمع توصيفاً شاملاً لها عن الكبار ومنهم شاعرنا خضّور، وصار مثله مثل الذي أصابته الفاجعة بعد ارتدادها عن جدار الكبار الذي امتص أغلب قوتها، فوصلته ضعيفة مشتتة فاستوعب شتاتها فقط. وهذا ما أكسبه مناعة وصبراً على تحمل صدمات مستقبلية أكبر وأشد نعيشها اليوم.

كذلك فإن حرب 1973 أعادت لجيل بني المرجة بعض الثقة بعد ذلك.

في ثمار الجليد الصادرة في دمشق عام 1984، هناك عنوانان كبيران هما "حالات" تتوالى تحته ثمان قصائد كتبت كلها خلال عام 1983. وهي "من ذاكرة البحر، وباليتم أفتتح المرحلة، الصباح القاتم، كيف الحال، مساء القيامة، خيبة الانتظار، سمراء لكنها مضيئة، وأخيراً قصيدة اثنتان وأربعون غمامة". تحتل هذه القصائد نصف المجموعة. أما النصف الثاني فتحتله قصيدة طويلة تحت عنوان كبير هو "التكوين الجديد". كتبت هذه القصيدة في الربع الأول من عام 1984. وكنموذج للنصف الأول من المجموعة يخاطب فايز خضّور في قصيدته "وباليتم أفتتح المرحلة" الآخر بلغة معاتبة تهكمية وبأسلوب يعبر فيه عن ذاته بوجع طفولي يتحرك حثيثاً باتجاه النضج وبلغة مطواعة متوازنة يسيطر عليها الشاعر ويقودها بحرفية المجرب الذي ملأته الحياة والأصدقاء بالخدوش والشظايا، بالألم وباليتم المبكر كفاتحة جديدة رافلة بالحياة يبدأ خضور بإعادة تأهيل روحة لتقبل الحياة فيقول:

 

موصداً كان مأواه

دحدحت ظلاً شفيفاً

سألت الجوارين:

من يعرف الشبح

الأشقر النفس؟

رد المسا

غيبوه....

أيها العابثون بأعصابنا،

لست لصاً

ولم يستملني التسولُ

أقسم بالصبح

طفل عجوز أنا

منذ عام وبعضٍ

تسجى أبي في الحُفيرة

حزناً.

وأوشك ينساه أهلوه.. لولا

 

يستخدم الشاعر حالة اليتم، موت الأب، خلفية درامية ينطلق منها إلى حياة الأب وعلاقته بالناس والرعاة والبساتين والطرقات في لوحة حياتية أخاذة، تضج بالحركة والمودة. كذلك يصف القهر الذي ينضب بسببه طوفان الحب قطرةً قطرة في براري الفراق. هذا القهر طوّعه الشاعر بفعل حياتي متحرك يملك قدرة التغيير. القصيدة تخالف الشكل الذي اعتاده الشعراء في المقدمة والذروة الدرامية ثم النهاية. حيث ابدأ القصيدة بذروة اليتم، وتستمر القصيدة مسكونة بطاقة لا تنضب مصدرها المكنون القهري الكامن في ذات الشاعر نفسه، وهو يتحرك بالقصة وكأن شيئاً ما عنيداً يطارده. ولا ينسى أثناء هذه المطاردة أن يلاحظ رموزاً حياتية في طريقه "العشب، البيوت، النواطير، العابرين، الصبايا، خيول البريد وتفاصيل أخرى عديدة". ولا تخبو القصيدة حتى جملتها الأخيرة، التي تنهي جملة متوقدة تقول:

 

هكذا يشعل اليتم

حرباً علينا

وحرباً لنا

فليكن ما يكون

فمن بيرق اليتم

أفتتح المرحلة

وليكن ما يكون

 

وبالفعل صدق حدس الشاعر. فبهذه القصيدة أنهى الشاعر مرحلة اليتم ليبدأ أسلوباً جديداً في التعامل مع الحياة. بدأها من طفولة جديدة، حالماً بالشمس والصباحات الجديدة وآداد ومفردات أخرى لتكوين جديد. اغتسل قلبه من وجع ربما انتهى مع نهاية القصيدة، وربما بقي منه بعض الرذاذ بالقدر الذي لا يجعل من نتاجه اللاحق بعد عام 1984 نتاجاً مشرباً بالفجيعة، وخصوصاً قصيدة التكوين الجديد التي يملؤها بلامبالاة القوي والاستعداد لدخول حياة جديدة لا بأس في مرارتها وقسوتها. فقد خرج الطائر من النار يحمل آثاراً وندوباً جعلته مستعداً لأي احتمال حياتي جديد، سيكون هو الآمر فيه وليس المتلقي:

 

ليّلي يا غمامات ما شئت-

لسنا جزوعين

رؤيا النبوة وشم على الصدغ

نقفو وميض البصيرة

والكف خارطة للصخور

وفي الصدر

ترتع ذاكرة البحر

تعرف من لهجة الموج نهج الجهات

 

وتستمر القصيدة بمقاطعها الأربعة عشر لغة فاتنة ووصفاً غنياً مكتنزاً لتنتهي بذات اللامبالاة، ونفي فعل الجزع والمعرفة التامة لمزاج البحر ونهج الجهات.

 

أما مجموعة الشاعر نزار بني المرجة "أفراح الحزن القارس" الصادرة في دمشق في نفس الفترة التي صدرت فيها مجموعة خضّور، فتتكون من تسع قصائد هي: "أرصفة الدم، طريق الشمس، الفجر الآتي، الآن أصارح وجهك، أغمض جرحي وأحلم بالشجر، روزي تطلب طفلا فولاذياً، تشكيل بالماء على وجه جاف، اختلاجات، وأفراح الحزن القارس".

يبدو من موسومات القصائد أن الشاعر يمتلك حلماً وثمة أملاً متدفقاًَ وصورة واضحة لرؤيا مستقبلية تحملها تلك القصائد الخارجة من أفراح الحزن القارس، وكيف ينجب الضد ضده لدى بني مرجة. الحزن ينجب الفرح ولدى خضور اليتم ينجب الحياة، وتبقى الآصرة فاعلة منتجة. ففي أرصفة الدم القصيدة الأولى المهداة إلى الشهيد المصري على قنديل يقول نزار بني المرجة:

 

الأسماك تأكل أبناءها

والزوارق تقتل الحيتان

الريح تبتل في الدم

إنها ابتسامة الخوف

وجهك الشاهق

رهن اقتناص الزوارق والريح.

 

وتحمل القصيدة الكثير من التساؤلات عن الهم القومي وحالة الاستسلام التي وصلها الفرد العربي وانطفاء الأسئلة لديه، وهبوط الحلم وخبوة الأمل. ومن هذه التساؤلات:

 

كيف نبحر من هذي اللابداية-

نحو اللانهاية؟

كيف صرنا نقبل القمح

دون حقل تموج فيه السنابل؟

 

وفي قصيدة طريق الشمس تتحرك لدى الشاعر رؤيا فلسفية هادئة تتحرك بتأن في طريق معبدة معروفة المعالم. ربما كان ذلك بتأثير قراءات ذاتية لتجارب ناجحة لشعوب وأبطال شعبيين استمدها حالمون عرب متوهمين بأن تجارب الغير تغني تجاربهم، وأملاً في ظهيرٍ انهار بالتجربة، فكشف الصدور العربية عارية لكل احتمال. ربما وضحت هذه الرؤيا بعد التسعينات. فمرحلة غيفارا وكارلوس بريستس وسلفادور أليندي وأمثالهم، صحيح أنها لم تتعثر، لكنها فوجئت بزلزال مفاجئ عنيف فتح في طريقها هوة ابتلعت التجربة بكاملها دون فرصة لنجاة، وبقي في الحياة منها رموز هم أشبه بخيال الظل. كانت هذه الرموز ستصبح أوفر حظاً لو أنها غادرت مبكراً مع الراحلين الذين حصدوا المجد والتاريخ بموت شاعري مفاجئ.

 

بوذياً.. يأتي لونك

يحمل موسيقى الكون الآخر

والزمن المتمرد فرحاً

أسأل نهر الأحزان العابر أنسجتي

ماذا يوجد عند ضفاف الموت؟

أتقدم صوبك

قرباني باقات زهور العالم

أهمس عند جذور التين

من يملك كل الأشياء

لا يأبه لمصير الشيء الواحد

من يملك نصف الأرض

لا يعنيه مصير الأكواخ

هل يمكن إخفاء البحر؟

 

سؤال وجيه وثري، سنعود إليه بسؤال آخر حول البحر أيضاً. تستمر القصائد الأخرى في لغتها الشابة الغنية التي تعد بمستقبل لشاعر لم أقرأ له شيئاً بعد "أفراح الحزن القارس" شاعر محب للقصيدة، محتفٍ بنتاج غيره من الآخرين وسعيد مؤمن بالمسيرة الأدبية ومستقبل الإبداع الناجز حتى نصل إلى قصيدة المجموعة الأخيرة "أفراح الحزن القارس" والتي تتشكل من تسع لوحات مرسومة بدقة. نشير إلى اللوحة الأخيرة منها وهي "التدفق".

 

هدير الشلالات

يملك سر الينابيع

مثلما نزف الشرايين

يفضح القلب

غرباً، بحاصرنا الظمأ

لكننا نتدفق ككتلة واحدة إلى الفرح

 

لعل تدفق الفرح في لوحة أفراح نزار بني المرجة الأخيرة، تمنعني من العودة إلى سؤالي عن البحر. وعذراً لكنني مضطراً أقول:

لا يمكن إخفاء البحر. هذا صحيح تماماً. لكننا بعد حلم ضائع، أجبرنا على شرب البحر.

وشربناه يا نزار!

 

عن الشاعر بني المرجة

ولد في مدينة دمشق 1954.

طبيب أسنان اختصاصي في أمراض اللثة

رئيس فرع نقابة أطباء الأسنان بدمشق.

المدير التنفيذي لاتحاد منظمات أطباء الأسنان العرب

أمين سر نقابة أطباء الأسنان في سورية

عضو مجلس فرع ريف دمشق لاتحاد الكتاب العرب

رئيس تحرير(مجلة طبيب الأسنان العربي)

مدير تحرير(مجلة طب الفم السورية)

نشر قصائده الأولى في الصحف السورية واللبنانية.

عضو جمعية الشعر.

صدر له:

1- أفراح الحزن القارس- شعر - 1982.

2- سيد الماء والتراب - شعر - 1991.

3- شعلة الغيم- شعر- 1998.

4- الصحافة الطبية العربية -دراسة- 1998.

5- بين الأدب والطب -دراسة قيد الطبع.

 

عن الشاعر فايز خضور:

- ولد في القامشلي 1942.

- إجازة في الأدب العربي من جامعة دمشق 1966.

- درّس مدة عام واحد، ثم عمل في الصحافة الثقافية في دمشق، وبيروت.

- يعمل حالياً في اتحاد الكتاب العرب اعتباراً من 1972 وحتى اليوم، وقد تسلم مهمات أمانة تحرير جريدة الأسبوع الأدبي، والموقف الأدبي حتى الآن.

- نشر للمرة الأولى في صحف ومجلات فلسطين، ولبنان، وسورية. منذ أواخر 1957.

- عضو جمعية الشعر- وهو الآن كاتب متقاعد منذ عام 1996.

مؤلفاته:

1-الظل وحارس المقبرة- شعر- دار ابن زيدون- دمشق 1966.

2-صهيل الرياح الخرساء- شعر- دار الأجيال- دمشق 1970.

3-عندما يهاجر السنونو- شعر- اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1972.

4-أمطار في حريق المدينة- شعر- وزارة الثقافة- دمشق 1973.

5-كتاب الانتظار- شعر- اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1974.

6-ويبدأ طقس المقابر- شعر- اتحاد الكتاب العرب- دمشق1977.

7-غبار الشتاء- شعر- اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1979.

8-الرصاص لايحب المبيت باكراً- شعر- اتحاد الكتاب العرب-دمشق 1980.

9-آداد- شعر- دار فكر للنشر- بيروت 1982.

10-ثمار الجليد- شعر- وزارة الثقافة- دمشق 1984.

11-سلماس- شعر- اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1986.

12-ديوان فايز خضور- المجلد الأول- دار الأدهم- دمشق 1987.

13-فضاء الوجه الآخر- نثر- اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1988.

14-نذير الارجوان- شعر- دار فكر للنشر- بيروت 1989.

15-ستائر الأيام الرجيمة- شعر- دار فكر للنشر- بيروت 1991.

16-حصار الجهات العشر- شعر- دار فكر- بيروت 1993.

17-قدارس الهلاك- شعر- دار فكر- بيروت 1995.

18- مصادفات - شعر- وزارة الثقافة دمشق 1999.