محمد عارف
الفن تراث الشعب
عادل كامل
[ يرجع هذا الحوار إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث كان الفنان قد عاد توا ً من موسكو، ليدرس في معهد الفنون الجميلة، ببغداد. ومنذ ذلك الزمن، كنت اقدر أية شخصية تضافرت فيها عوامل الإبداع، والمثل الأخلاقية النبيلة، هي تلك الشخصية الإبداعية، كمثال غدا نادرا ً، كندرة هؤلاء الرواد الكبار وهم، يحفرون في ذاكرة الإبداع العراقي، وما يمتلكه من قدرات على الانبعاث والتجدد. محمد عارف، بهذا الرحيل، يترك لنا طريقا ً يصعب المضي فيه من غير استذكار الذين تركوا لنا علامات يصعب محوها، أو مقارنتها بما هو زائل، ومضاد للجمال. فالواقعية التي عمل عليها، هي امتداد لجهود فائق حسن وإسماعيل الشيخلي والدروبي، ومحمود صبري، وإبراهيم العبدلي، الواقعية الحديثة، بما تمتلكه من جذور، وحنين، ومخيال، وخبرة، وتقدير عميق للجمال، والإنسان معاً.]
كتب الشاعر شفيق الكمالي كلمة موجزة عن الفنان محمد عارف، قبل أحد عشر عاماً جاء فيها "العطاء، شيء رائع، والأروع أن يكون هذا العطاء مجبولاً برائحة الأرض وعذابات الإنسان وأفراحه. وهذا ما توصل إليه الفنان محمد عارف، ففي كل لوحة تحس أنين الأرض وفورة الدماء وكركرة المرح "
أنه بكلمة أخرى يستلهم قضايا الحياة ضمن متغيراتها دون أن يهمل الطبيعة باعتبارها مصدر الجمال ومصدر الهام الفنان الأول، أختار الفنان الواقعية بمعناها الدقيق للتعبير عن مختلف الأفكار والأساطير والبصريات المرئية أنه واحد من جيل كرس حياته للفن. لأن الفن، كالموسيقى ((روح الشعب)) ونبضه المتوقد الأصيل. ولكونه واقعياً فقد سألته:
· أنت فنان واقعي، وأكدت على مرئيات الواقع .. نود أن تعّرف لنا مفهومك لهذه الواقعية ؟
- ((أعتقد أن الجواب على مثل هذا السؤال يكون صعباً، وغير مباشر، ذلك لأن مفهوم الواقعية، مفهوم يتجاوز الواقع المرئي ويمتد بجذوره إلى أعماق اللا مرئيات. فإذا ما أطر الفنان نفسه من منطلق ((بدائي)) للواقعية، فأنه يرسم السطح الخارجي ويكون بذلك أسيراً للشكلية. الواقعية تعني الموقف الفكري والطبقي والاجتماعي للفنان من خلال فن مفهوم ليس حساب الحد الأدنى من ثقافة الجماهير وإنما من منطلق التفاعل والأيمان بقابلية الشعب على فهم هذه الواقعية. وأعتقد دائماً أن الشعب يستجيب لهذا البعد ..
· عموماً، أهتم الفنان العراقي المعاصر بالواقعية .. هل تكمن أصالة التشكيل في هذا الاتجاه ؟
- ((بالرغم من كوني فناناً واقعياً، ألا أنه من المجحف بحسب ما أعتقد، حصر الأصالة في أطار الواقعية فقط. ففي تاريخ الحركة التشكيلية المعاصرة في العراق توجد اتجاهات غير ((واقعية)) ألا أنها أصيلة وتعتبر امتداداً للتراث الفني العراقي القديم والعربي الإسلامي ..))
· ما أبرز هذه الاتجاهات ؟
- ((أبرزها يتمثل في نتاجات بعض الفنانين الذين يمتلكون نظرة جمالية وموقفاً اجتماعياً متماسكاً. وأعني بشكل خاص أعمال الفنان شاكر حسن آل سعيد ..))
· نعود إلى الواقعية .. من أبرز روادها ؟ قال بصراحة تامة، وهي وجهة نظر قابلة للنقاش طبعاً!
- لا توجد تجارب واقعية عظيمة في الفن العراقي ))!
· أذن كيف تنظر إلى تجربة جواد سليم ؟
- لا شك أن أستاذنا جواد سليم، عدا كونه فناناً عظيماً – وأقصد به نحاتاً بالدرجة الأولى – نجح في فنه إلى مدى بعيد لأنه كان مثقفاً مخلصاً لفنه. أنني لا أؤمن بفنان ناجح إذا لم يكن فناناً مثقفاً ومنتمياً إلى وطنه
· أنا أتحدث عن واقعية جواد سليم ؟
- ((أعمال جواد سليم في النحت تختلف عناه في الرسم فهو كنحات أنجح بكثير منه كرسام. وربما الموروث النحتي العراقي القديم أغنى منا هله وتجاربه الفنية))
· هل تقصد أنه لم يكن واقعياً ؟
- (( أنه واقعي دون شك. ولكن حسبما أعتقد أنه كان يقع تحت سيطرة بعض التجارب الشكلية .. وبعض التأثيرات بالمدارس الأجنبية ..))
· نعود إلى فائق حسن .. أليس هو من الفنانين الواقعيين ؟
- ((أنه فنان واقعي. ألا أن واقعيته تختلف عن واقعية جواد سليم)).
· كيف ؟
- ((أنه أكثر اهتماماً بالشكل. ولكنني لا أستطيع أن أنفي أنه من الأساتذة الكبار في الرسم )).
· رسمت القرية كثيراً .. لماذا ؟
- ((القرية هي المنهل، وهي الأساس. وكل ابتعاد عنهما، هي الخطوة الأولى للضياع، ومن ثم فقدان الشخصية الفنية ..))
· ماذا تعني القرية لديك ؟
- ((قد يعتبر البعض أن تمسكي بالقرية عبارة عن ((التقوقع)) أو عندما أستلهم الحياة القروية، وخاصة الجوانب التي تشعر الإنسان بأصالته وتجذره وعدم انجرافه في التيارات الأجنبية ..))
· في لوحاتك، عامة ثمة حنين غامض ملغز، ماذا تقصد بذلك .. أو إلى ماذا تشير ؟
- ((السؤال ذاته ملغز .. كيف أجيب ؟))
· أقصد بالحنين: ذلك الرمز الصريح للطفولة ..؟
- هذا السؤال يرتبط بالسؤال السابق عن القرية والمنهل المذكور سابقاً، فهو شيء غير ملغز، أنما هي عاطفة وحنين إنساني أصيل، ولي الحق أن أسبغ حقيقة الشمولية بالنسبة لهذا الموضوع. فأنا
منذ ربع قرن اغتربت عن قريتي، وهي قرية الطفولة، كفنان باحث عن الثقافة والوسائل التي أستطيع من خلالها التعبير عن مشاعري ..))
· كيف تفسر صلة الفن بالبعد القومي .. وهل يمكن النظر للفم خارج التراث الروحي القومي ؟
- ((أرى أن التعبير عن مشاعر وأحاسيس غريبة وبعيدة عن تكويني النفسي والاجتماعي والقومي مغامرة لا أمتلك الشجاعة الكاملة لخوضها. قد يقول البعض بأنني اؤطر نفسي بإطار ضيق .. ألا أنني أجد أرحب الأجواء وأكثرها إنسانية من خلال الموقف القومي الذي أنطلق منه. وهو موقف ليس ضيقاً، وهو يشعرني بأنني لا أكذب على نفسي، بل أنني امتداد لتراث العراق العظيم ..))
· بين القومي والإنساني صلة عميقة .. كيف تفسر لنا هذه العلاقة ؟
- ((إذا كانت الصفة القومية غير عنصرية فهي إنسانية، وكمحصلة تكون صفة مكملة ورافدة للصفات الإنسانية الأخرى، وهي بالتالي توسع المفهوم العميق للإنسانية ..))
· هل تعتبر نفسك من الفنانين المجددين أم من المقلدين ؟
- ((في البدء عليك أن توضح مفهومك للفنان المقلد بشكل دقيق ؟))
· أقصد الفنان المجدد ؟
- ((أنني لا أعتبر نفسي مقلداً لأي فنان أخر .. ذلك لأنني أعتقد بأن كل فنان يكون وسيلته التعبيرية لظروف وأفكار معينة تختلف عن كل ما سبقه. عندما يدرك الفنان موقفه فلا شك أن يترفع عن تقاليد أي فنان أخر ..))
· لماذا لم تجرب الأساليب الجديدة أو الحديثة في الفن ؟
- ((ألأساليب الحديثة هي انعكاسات لتطورات قد تكون غير طبيعية لمجتمعنا .. وأعتبر أن مفهوم ((الحديث)) هو مفهوم نسبي. ليس من الضرورة أن أرتدي ملابساً تمثل الموديلات الحديثة لكي يصفونني فناناً معاصراً !
· كيف تعرف الأسلوب الفني ؟
- ((الأسلوب الفني هو حصيلة قناعة آتية عبر تجارب طويلة ومتعبة، استقرت هذه التجارب بشكل أسلوب يميز الفنان عن سواه، ويكون أدق ما يمثل موقفه وأفكاره في خضم الأساليب المختلفة ..))
وأضاف متابعاً :
- ((من المؤسف في واقعنا الفني، ثمة وجود لعدد من الآراء التي أعتبرها غير منصفة، والتي تتهم الفنان بأنه يحافظ على أسلوب واحد، باعتباره من الفنانين التقليديين وغير المتطورين ..))
· الآن نود أن تعرف لنا معنى الفن ؟
- ((الفن الأصيل هو التعبير الصادق عن كيفية فهم الفنان للحياة والجمال وتبرير لماهية معنى وجود الفنان كفنان وكإنسان ..))
· نتوقف الآن لدى السؤال التالي: كيف تقيم الحركة التشكيلية المعاصرة في العراق ؟
- ((أية فترة))
· الرواد ؟
- ((لم تسألني عن الأوائل ..؟
· ماذا تقصد ؟
- ((أقصد الجيل الذي سبق الرواد .. ومع ذلك فأن تجارب الرواد أكثر تخصصاً من أساتذتهم ! الرواد يمثلون، بجلاء، أساتذتنا الذين لولاهم لصعب علينا تكوين جيل الستينات ..)) !!
وأضاف متابعاً بعد صمت قصير :
- ((ألا أن تجارب جيل الستينات لم تتوصل إلى مستواها المعروف لولا أنها استكملت دراستها في الخارج. ذلك لأنها كانت على تماس مع التجارب الحديثة في العالم ..))
· كيف تنظر إلى إبداعات الشباب .. أي جيل ما بعد الثورة ؟
- ((لقد نجح بعض الفنانين من هذا الجيل. ألا أن بعض تجاربهم تنقصها الدراسة العلمية للفن بشكل يخلق توازنا سليماً مع ما يحملونه من أفكار وعواطف ..))
· نعود إلى سؤال سابق: الفنان يعمل بدافعين : الفلسفة أو الرؤية أولاً، والموهبة ثانياً .. ما هي فلسفتك في الفن ؟
- في الحقيقة بدأ الموهبة قبل الفلسفة. ذلك لآن الموهبة، كمحصلة، تكون في خدمة الفلسفة التي تتكون نتيجة قناعة الفنان باتخاذ موقف واضح ..))
· حسناً، كيف تتعامل مع اللون ؟
- ((أعتقد أن اللون يرتبط بالعاطفة أكثر من أي شيء أخر في اللوحة ))
· لكنك تفتقد إلى تجريب اللون خارج حدود العاطفة ؟
- ((في هذه النقطة يتجسد مفهومي عن الواقعية التي تتجاوز السطوح المرئية إلى السطوح اللا مرئية، والتي تحدثنا عنها سابقاً ..))
· ثمة محاولات لاستعمال الألوان الشعبية، ضمن تجاربك الجديدة ؟
- ((على الفنان أن يتفاعل مع خصوصية الحياة ببعدها القومي والوطني. ولهذا سيكون اللون ((الشعبي)) مرتبطاً بهذا الاتجاه الواقعي )).
وأضاف :
- ((اللون الشعبي يشكل ميداناً لدراسة غير مطروقة تقريباً، وبشكل جدي ..))
وقال بعد قليل :
- ((أن تعبيرية الألوان المستعملة في الفن الشعبي العراقي ليست وليدة تجارب شكلية، وإنما هي تعبير عن أعماق وأصالة الشعب، والشمس القوية ..!
· ماذا تقصد بالشمس القوية ؟
- ((من المعروف أن العلاقات اللونية تكون عندنا في غاية التناقض، نتيجة الإنارة القوية الآتية من الشمس، وهنا يكون التناقض على أشده ..))!
· أخيراً، كيف تعامل النقد الفني مع تجاربك الفنية ؟
- (( لا أعرف .. قد أسيئ للموضوع. ولكن يوجد بعض النقاد الذين تفهموا بعمق التجارب الفنية. وهؤلاء تربطني علاقة طويلة الأمد بهم، وهم يعرفون الجذور التي كونتني ..))