من نوادر التراث (3)                                   سهر العامري

 

* أنشد الشاعر الفرزق الخليفة سليمان بن عبد الملك قصيدته التي يصف بها ليلة قضاها بين نساء فقال منها :


       فبتن بجانبي مُصرعات ٍ .... وبت أفض أغلاق الختام  ِ
       كأن مفالق الرمان فيها... وجمر غضا جلسن عليه حام  ِ


فقال له: ويحك ـ يا فرزدق ـ ! اعترفت عندي بالزنا ، ولابد لي من أن أقيم الحد عليك ، فقال : كتاب الله يمنع عني الحد قال سليمان: وأين ؟ قال: " والشعراء يتبعهم الغاوون " إلى قوله : " أنهم يقولون ما لا يفعلون " فضحك وأجازه.

 

* كان الخليفة عمر بن الخطاب مارا في طريقه من المدينة على بيت فيه امرأة كان تلهج بحب فتى غاية في الجمال والوسامة من قبيلة بني سليم يقال له : نصر بن حجاج ، وكان عشقها لهذا الفتى قد أضناها فيه ، فسمعها عمر تنشد شعرا لها وبصوت عال ٍ من دارها تقول فيه:

 ألا سبيل إلى خمر فأشربها ... أم لا سبيل إلى نصر بن حجاج

 

     فقال عمر : من هذه المتمنية ! فسار ذلك مثلا يطلق على كل امرأة تجاهر بحبها .

 

     * أحبت فتاة فتى قرشيا من أهل قرطبة في الأندلس، وقد أصابها عطش من الغرام إليه ، فألهمها حبها له هذا البيت :

 

يا مُعطشي من وصال كنت واردَهُ.....هل منك لي علّة إن صحتُ وا عطشي !

والعلّة في البيت هي الشربة الثانية من الماء.

ولكنها لم تستطع أن تزيد أبياتا عليه ، فتوجهت للشاعر المعروف ابن زيدون ، وكان هو على علم بعلاقتها مع الفتي القرشي هذا ، فطلبت منه أن يكمل ما بدأت به ، فقال :

 

يا مُعطشي من وصال كنت واردَهُ..... هل منك لي علّة إن صحتُ وا عطشي !

كسوتني من ثياب السقم أسبغها ....... ظلما وصيرتَ من لُحف الضنى فرشي

     لو شئتَ زرتَ ـ وسلك النجم منتظم....... والأفق يختال في ثوب من الغبش ِ ـ

     صبّا ، إذ التذت الأجفان طعم كرى ،..... جفا المنام وصاح الليل : يا قرشي !

 

     * قالت ليلى العامرية في مجنونها قيس :

 

      باحَ مجنون عامر بهواهُ........وكتمتُ الهوى فمتُ بوجدي

      فإذا كانت القيامة نُودي.......من قتيل الهوى تقدمتُ وحدي

 

* سأل تاجر رجلا عن اسمه فقال له : ما اسمك ؟ وأردف قوله : قل ولا تطل في قولك ! فقال الرجل : أنا أبو عبد منزل المطر عليكم من السماء تنزيلا ، الذي يمسك السماء من أن لا تقع على الأرض إلا بإذنه ! فقال التاجر : مرحبا بك يا ثلث القرآن !

 

*عاد أحدهم رجلا مريضا فقال له : ما علتك ؟ قال : وجع الركبتين .  فقال : والله لقد قال جرير الشاعر بيتا ذهب مني صدره وبقي عجزه ، وهو قوله :

 

وليس لداء الركبتين طبيب !

 

فقال المريض لا بشرك الله بالخير ليتك ذكرتَ صدره ونسيتَ عجزه !

 

* دخل ثمامة بن أشرس المعتزلي دار المأمون ، وكان روح بن عبادة القيسي جالسا معه ، فقال له روح وهو من رجال الحديث في البصرة : المعتزلة حمقى ! وذلك أنهم يزعمون أن التوبة بأيديهم ، وأنهم يقدرون عليها متى شاؤوا ، وهم مع ذلك دائبون يسألون الله تعالى أن يتوب عليهم ، فما معنى مسألتهم لله عن شيء هو بأيديهم ، والأمر فيه يعود إليهم لولا الحمق ؟ فقال له ثمامة : ألست تزعم أن التوبة من الله ، وهو يطلبها من العباد أجمع في كلامه ، وعلى لسان أنبيائه ؟ فكيف يطلب الله تعالى من العباد شيئا ليس بأيديهم ، ولا يجدون إليه سبيلا ؟ فأجب حتى أجيب.

 

* قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، حظيتُ ذات يوم بمجالسة أستاذي ثُمامةَ بن أشرس فسألتُه عن طبائع أهل مدينة مَرْو  في البخل : لِمَ خصُّوا به دون سائر الناس ؟
قال : تلك جبلّة مُستحكِمةٌ فيهم ، فلم أرَ الديك في بلدة قطُّ إلا وهو يلقط الحَبََّّة من الأرض بمِنقاره ثمّ يلفِظُها قُدّامَ الدجاجة إلا ديكة مَرْو، فإنّها تسلُبُ الدجاج ما في مناقيرها من الحَبّ ! فعلمتُ أنَّ البخل طبعٌ فيهم، ومن ثَمَّ عمَّ جميعَ حَيَوَاناتهم .

 

* كانت الأديبة المعروفة مي زيادة تعقد ندوة في منزلها من القاهرة كل يوم ثلاثاء ، وكان عدد كثير من الأدباء يحضر ندوتها هذه ، وقد تعشقها الشاعر المصري محمود صبري على كبر من سنة ، فأنشدها يوما قائلا :

 

روحي على دور بعض الحى حائمة.... كظامي الطير تواقا إلى ماء  ِ
إن لم أمتع بميّ ناظرى غدا ........... أنكرتُ صبحك يا يوم الثلاثاء  ِ

سأل بعض الأعراب ابن عباس عم النبي : من يحاسب الناس يوم القيامة ؟ قال : يحاسبهم الله تعالى . فقال الأعرابي: نجونا إذن ورب الكعبة لأن الكريم لا يدقق في الحساب !