بين إسلام أمريكا، وإسلام الطالبان، أي إسلام نريد ؟!!.....3

محمد الحنفي

 

" إن الدين عند الله الإسلام "

قرءان كريم

" و أن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا "

قرءان كريم

" و أمرهم شورى بينهم "

قرءان كريم

 

 

 

 

 

إسلام أمريكا في مواجهة المد الاشتراكي :

و الأصل في الإسلام أن يتوجه إلى بناء القيم الإنسانية في الفرد وفي المجتمع سواء تعلق الأمر بالعقيدة أو الشريعة. فجميع العبادات تهدف إلى إشاعة القيم في المجتمع ابتداء بالشهادتين، و أداء الصلاة في وقتها، و مرورا بالزكاة والصيام، و انتهاء بأداء فريضة الحج لمن استطاع إليه سبيلا. فنحن نجد أن كل عبادة تحمل من القيم النبيلة ما يجعل الفرد و المجتمع يعرضان معا عن التماس الأذى للآخر مهما كان جنسه أو لونه، أو دينه، أو لا دين له، و هذا التوجه في بناء القيم النبيلة هو الذي جعل الرسول (ص) يقول الدين "المعاملة" و يقول "الدين النصيحة".

و نفس الشيء بالنسبة للشريعة التي تهدف إلى تكريس نظام من العلاقات الاجتماعية التي تحضر فيها القيم بشكل مكثف من أجل مجتمع خال من العاهات، و الأمراض  الاجتماعية، و ينحو في اتجاه نفض كل أشكال الظلم و القهر و الاستبداد، و إتاحة الفرصة للجميع لبذل التضحية من أجل ذلك.

و على هذا الأساس كانت شحنة القيم التي تشبع بها المسلمون خير مساعد على التوحد في مواجهة الاستعمار الغربي سواء كانت البلاد المستعمرة عربية أو غير عربية. و قد وظف قادة حركة التحرر الوطني الدين الإسلامي توظيفا إيجابيا في هذا الاتجاه من اجل :

1) توحيد صفوف المسلمين، و شحنهم بالقيم الموحدة ضد المستعمر، و توضيح بشاعة القيم الوافدة مع المستعمرين.

2) شحن المسلمين بالقيم الوطنية المستمدة من الارتباط بالأرض و التي لا تتناقض مع القيم الإنسانية في الإسلام.

3) استغلال تلك الوحدة على كل أشكال المواجهة للاحتلال الأجنبي.

4) الدخول في عملية المواجهة، و تقديم كل أشكال التضحيات المادية و المعنوية إلى أن يتحقق دحر الاستعمار.

5) توظيف شحنة النصر على المعتدي باعتبارها قيمة إنسانية في بناء الدول المتحررة من الاستعمار.

إن التحول الذي عرفته التشكيلة الاقتصادية/الاجتماعية بفعل التحديث الذي أحدثه الاستعمار أدى إلى انفراز طبقة تمكنت من السيطرة على أجهزة الدولة، و تكمن مصلحتها في الارتباط بالدول المستعمرة، و بمؤسسات الاستعمار الاقتصادي، فتشرع مباشرة في أدلجة الدين الإسلامي، و احتكار تأويله عبر جيش من المتنبئين الجدد الذين يتلقون أتاوات لا حدود لها بفعل ما تؤدي إليه تأويلاتهم لجعل الدين الإسلامي يؤدي دورا آخر غير الدور الذي قام به في مواجهة الاستعمار. ولذلك نجد أن توظيف الإسلام بقيم غير قيمه ولغاية غير الغايات الدينية الصرفة اصبح يطفو على السطح بمجرد تمكن الطبقات التي ترتبط مصلحتها بالاستعمار في شكليه القديم والجديد من السيطرة على أجهزة الدولة لتسخيرها لتنفيذ مخططات الاستعمار في كل بلد من بلدان المسلمين وهو ما أوجد مبرر استمرار حركة التحرر الوطني التي استمر خطابها مهيمنا في مجموع البلاد العربية والإسلامية عقودا بأكملها خاصة وان تلك الحركة ترتبط بالدول الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفياتي سابقا والذي كان يمدها بالإمكانيات الفكرية والأيديولوجية، ويدفع بها في اتجاه تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية. ونظرا لأن الصراع الأيديولوجي كان قائما على الصعيد العالمي في ظل الحرب الباردة فقد استطاعت الأنظمة القائمة في مجموعة من البلاد الإسلامية وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين وربيبتها الصهيونية،  استنبات مجموعة من التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي وخلقت لها امتدادات على مدى الوطن العربي الإسلامي في إطار ما اصبح يعرف بالقومية الإسلامية كشعار تلتف حوله التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي لإيهام المسلمين بإمكانية الجهاد من اجل دولة المسلمين من حدود الصين إلى المحيط الأطلسي. وقد لفتت هذه التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي نظر جميع المسلمين الذين انساقوا وراء وهم قيام الدولة الإسلامية الموحدة  للمسلمين. وهذا الانسياق وراء هذه الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي لا يعني الانفلات من خطاب حركات التحرر الوطني، نظرا لانغراس الخطاب المؤدلج للدين الإسلامي في نفوسهم ليكون ذلك بداية تعميم الثورة المضادة التي ستلعب دورا أساسيا لصالح الأنظمة الرجعية التي شرعت تمد الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي بدون جدوى، مما سهل أمامها العمل على جميع المستويات وفي جميع الأماكن بالإضافة إلى إتاحة الفرصة أمامها لاستغلال المؤسسات الدينية للغرض نفسه وهو ما جعل خطاب تلك الحركات يتغلغل في صفوف المسلمين ويفرض حصارا غير مباشر على الحركات ذات الارتباط بحركات التحرر الوطني بمضامينه الاشتراكية والقومية والوطنية، ليتحول إلى حصار مباشر في الجامعات والمؤسسات الرسمية بالإضافة إلى الحصار الإعلامي الذي يحرم الإعلام الرسمي على مكونات حركة التحرر الوطني ويضعه رهن إشارة الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي حتى تلعب دورها  في تضليل المسلمين في أفق التجييش الذي تعكسه المظاهر التي تميز هؤلاء على سائر المسلمين، ثم الانتقال إلى الهجوم على حركة التحرر الوطني باستهداف الحركات التي لها علاقة بها، وتصفية قادتها ثم المتنورين من الأدباء والمفكرين والفنانين، ثم استهداف عامة الناس الذين لا ينساقون معهم والانتقال إلى استهداف الدول الاشتراكية كما حصل في العديد من بلدان  المسلمين في مصر وفي أفغانستان وفي يوغوسلافيا سابقا. كل ذلك بدعم الغرب وأمريكا.

وفي هذا السياق تقدم الأنظمة الرجعية، ومن ورائها الإمبريالية دعما لا محدود للمؤدلجين للدين الإسلامي لصالح الأنظمة القائمة أو لصالح التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي، ونعت ما يكتبونه عبر الكتب والمجلات والصحف التي تدعي الدعاية لنشر الإسلام بالفكر الاسلامي.

وهؤلاء الكتاب المؤدلجون للدين الإسلامي و المدعومون من قبل الأنظمة الرجعية أو من قبل الإمبريالية مباشرة لا يتحرجون من كتابة و نشر ما يتنافى مع حقيقة الإسلام خدمة للأنظمة التي تعمي أبصارهم بالعطاء، و أكثر من هذا فإن هؤلاء الكتاب يستعدون قراءهم على المتنورين من المسلمين، و على التنظيمات الرافضة لأدلجة الدين الإسلامي، و هذا الاستعداء يجدون له مبررا، أو يختلقونه من الكتاب و السنة حتى ينساق القراء وراء ما يدعون إليه، و ما يدعونه و هم بذلك يشملهم قوله تعالى بوعي أو بدون وعي - : " يحرفون الكلم عن مواضعه "

و تعمل وسائل الإعلام الرجعية : السمعية/البصرية التي تتحكم فيها الأنظمة الرجعية المتخلفة على الترويج لأفكار و كتابات هؤلاء الكتاب الذين يطلق عليهم  –ظلما كتاب إسلاميون، و هم في الواقع ليسوا إلا مؤدلجي الدين الإسلامي مقابل عطاءات لا حدود لها.

و إلى جانب الكتاب المؤدلجين للدين الإسلامي تقدم الأنظمة الرجعية، و معها الإمبريالية : الدعم اللامحدود للمنابر الإعلامية " المستقلة " التي تروج لأدلجة الدين الإسلامي حتى تقوم بدورها كاملا في تضليل المسلمين، و جعلهم يعتقدون أن الدين الإسلامي المؤدلج هو الإسلام الحقيقي.

و هذا الدعم المقدم إلى الحركات و الأفراد و وسائل الإعلام يدخل في إطار الإعداد ، و الاستعداد لتنظيم حرب متعددة الأوجه ضد التفكير المتنور، و ضد الإعلام المتحرر، و ضد حركات التحرر الوطني و العالمي الساعية إلى تحرير الأرض و الإنسان، و تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، و قد تمظهرت هذه الحرب في عدة مستويات :

1) مستوى الحرب الفكرية حيث يلجأ منظرو الإسلام الأيديولوجي إلى تشويه قوانين الفكر الاشتراكي العلمي، و تهجين، و تنفير القراء منه عن طريق قذف حامليه، و وصفهم بأبشع الأوصاف و اعتبارهم أعداء للدين الإسلامي، و للمسلمين، و تحريض المسلمين ضدهم من أجل إزاحتهم حتى يبقى فكر المؤدلجين هو السائد، و في خدمة الأنظمة القائمة التي تتبع النظام الأمريكي الهمجي.

2) مستوى الحرب الأيديولوجية الموظفة لأدلجة الدين الإسلامي المقارعة لباقي الأيديولوجيات، و خاصة الأيديولوجية الاشتراكية العلمية التي تحول المقتنعين بها إلى "كفار" و توظف الجهات المعنية مختلف الوسائل، لتشويه الأيديولوجيات المتناقضة مع الأيديولوجية الموظفة لأدلجة الدين الإسلامي، و التي تقدم نفسها كحل نهائي للمشاكل القائمة في الكون بما في ذلك مشاكل الغيب الذي لا يعلم كنهه إلا الله.

3) مستوى الحرب السياسية التي يلجأ فيها مؤدلجو الدين الإسلامي الذين أطلقنا عليهم "المتنبئون الجدد " إلى تبني مواقف سياسية تهدف إلى مصادرة مواقف للتنظيمات الاشتراكية، و إعلان "الجهاد" ضد الاشتراكيين، و تنظيم عملية التحريض المكثف حتى لا ينساق الناس وراء الشعارات السياسية التي يرفعها الاشتراكيون. و الانتقال إلى عملية إقناع السلطات القائمة لممارسة عملية القمع الممنهج على الاشتراكية الذي يعتبر تتويجا لرغبة مؤدلجي الدين الإسلامي.

4) مستوى حرب الثورة المضادة التي يلجأ فيها المؤدلجون للدين الإسلامي إلي الدخول في عملية منظمة تصيب الاشتراكيين و مؤيديهم و القضاء على التواجد التنظيمي لهم، و مصادرة الكتب و الصحف و المجلات و المنابر الإعلامية التي تروج للفكر الاشتراكي العلمي حتى لا يبقى من يعارض المستفيدين من أدلجة الدين الاسلامي، سواء تعلق الأمر بالدول أو بالتنظيمات.

5) و بعد ذلك يتم الانتقال إلى خارج البلاد الإسلامية بدعوى الجهاد في الكفار و المارقين، من أجل إنهاك الدول الاشتراكية العظمى التي تنبعث من داخلها مشاكل تشغلها عن الأهداف الكبرى على يد مدعي "الجهاد" و نشر "الإسلام" و تشجيع المحرفين، و دعم الساعين إلى الإطاحة بالنظام الاشتراكي لصالح الدولة الرأسمالية العظمى و تمكينها من السيطرة على العالم.

6) و إلى جانب ذلك، و نظرا للإمكانيات الكبرى التي يتمتع بها مؤدلجوا الدين الإسلامي على المستوى الدولي، فإن أياديهم تمتد إلى كل البلدان التي يتواجد فيها المسلمون الذين يوظفون لتحقيق الأهداف المحددة في ضرب جميع الحركات التي تسعى إلى تحقيق الاشتراكية باستعمال جميع الوسائل بما فيها التصفية الجسدية.

و بذلك يؤدي مؤدلجو الدين الإسلامي خدمة عظيمة للأنظمة الاستبدادية القائمة، و سيدتها أمريكا التي أصبحت متربعة على عرش العالم لا ينازعها أحد في زعامتها، و كل شيء في خدمتها، و رهن إشارتها. موظفة في سبيل ذلك كل الإمكانيات بما فيها الدين الإسلامي المؤدلج، الذي أغدقت على مؤدلجيه عطاءات لا حدود لها، و تركتهم يفعلون ما يشاءون في هذا العالم ما داموا مخلصين لأمريكا ، و للأنظمة التابعة لها.