بين إسلام أمريكا، وإسلام الطالبان، أي إسلام نريد ؟!!.....5
مأزق إسلام أمريكا :
و إن ما قاد إليه الإغراق في التوظيف الأيديولوجي للدين الإسلامي بدعم من أمريكا، و ربيبتها إسرائيل تحت ذريعة محاربة المد الشيوعي، أو محاربة الشيوعية، و بدعم من الأنظمة التابعة التي لا تتورع عن التوظيف الإيديولوجي للدين الإسلامي، لابد أن يوقع أمريكا، و الأنظمة التابعة لها، و معها التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي في مأزق الدخول في الإبادة الجماعية المتبادلة بين أمريكا من جهة، و تلك التنظيمات ، و بعض الأنظمة المؤدلجة للدين الإسلامي من جهة أخرى، و هو ما يمكن وصفه بالانفلات من الرقابة الذاتية، و الانخراط في الممارسة الهمجية التي لا حدود لها، و لا يعرف مداها، و يمكن تصنيف مأزق أمريكا في :
1) مأزق الأنظمة التابعة المؤدلجة للدين الإسلامي التي وجدت نفسها مضطرة للانسياق وراء أمريكا في حربها ضد ما تسميه ب " الإرهاب " و تتنكر في نفس الوقت لأولئك الذين ربتهم و شبوا عن طوقها، و انفلتوا مستقلين عنها، بعد أن قدموا خدمات جلى للنظام الأمريكي لا حدود لها.
فالأنظمة التابعة المؤدلجة للدين الإسلامي وقعت فيما يسميه العرب القدامى ب " حيص بيص " فهي لا تدري ماذا تفعل ؟
أ – هل تتبنى أطروحة أمريكا حول " الإرهاب" ؟ هل تتخلى عن أد لجتها للدين الإسلامي ؟ هل تتخلى عن دعم التنظيمات التي شبت و ترعرعت تحت رعايتها ؟ إن ما يمارس في هذا الإطار هو أن الدول التابعة المؤدلجة للدين الإسلامي أصبحت مقرة بأطروحة أمريكا حول الإرهاب ولكنها في نفس الوقت تستمر في أد لجتها للدين الإسلامي ولكن هذه المرة لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار ما تريده أمريكا من تلك الادلجة حتى لا يتحول الإسلام مستقبلا إلى وسيلة لإزعاج استقرار النظام العالمي الأمريكي أو النظام الرأسمالي العالمي ولذلك فهي تتحول إلى متكلم باسم أمريكا وتصبح مختبرة لها فيما يخص تتبع ورصد الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي حتى لا تتعرض إلى عقاب أمريكا عن طريق الاستهداف بصواريخ كروز و توماهوك وما تلقيه الطائرات من أطنان المتفجرات في حالة الاستهداف كما حصل في أفغانستان
ب - هل ترفض تلك الأطروحة حول الإرهاب إنها ولا شك لن تجرؤ على ذلك بحكم تبعيتها وارتباط مصلحتها بالنظام الرأسمالي العالمي ولأنها إن فعلت ستصبح مهددة كما هو الشان بالنسبة للعراق بالضربة الأمريكية باعتبارها ضربة قد تؤدي إلى القضاء على النظام أو إغراقه في الكثير من المشاكل التي لا حلول لها بسبب الحصار الذي قد يستمر لعدة عقود بهدف القضاء على النظام أو إخضاعه لمشيئة النظام الرأسمالي العالمي وفي احسن الأحوال فإنها تلجا إلى المطالبة بالتمييز بين الإرهاب وبين مقاومة الاحتلال حتى لا تتحول تلك المقاومة إلى إرهاب وهو المطلب الذي لجأت إلى طرحه مجموعة من الدول العربية وفي مقدمتها دولة لبنان.
وفي جميع الحالات فالموقف ينبني على أساس التبعية أو التحرر منها . وهو ما يمكن أن يحدد لنا : هل النظام القائم في بلد ما مع أمريكا أو ضدها . فإذا كان مع أمريكا فهو ضد الإرهاب وإذا كان ضدها فهو مع الإرهاب وهو ما تعتمده أمريكا لإرغام جميع الدول على تبني موقفها من الإرهاب ، وانتزاع شرعية إبادة المخالفين .
ح- هل تستمر في دعم الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي ؟إن هذا الاستمرار إن حصل وبعد 11 شتنبر 2001 يجب أن يكون بموافقة أمريكا من جهة ومشروطا بعدم ضرب المصالح الأمريكية من جهة أخرى ، وشرط من هذا النوع ليس مضمونا على المدى المتوسط والبعيد ، فقبوله يعتبر مجازفة بالنسبة للأنظمة التابعة ،خاصة وأن الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي تركب قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة " فتظهر بسبب ذلك ، خلاف ما تخفي ، و هو ما يرجع غالبا امتناع الأنظمة التابعة عن دعم تلك الحركات .
د- ولذلك فامتناعها الوارد سيؤدي إلى نتيجتين أساسيتين :
النتيجة الأولى : تعميق التبعية لأمريكا ، ومن خلالها للنظام الرأسمالي العالمي ، وهو تعميق سيمس السيادة نفسها التي تتمتع بها تلك الدول على بلدانها ، وشعوبها ، وهو ما يبيح لأمريكا ولغيرها التدخل في الشؤون الداخلية بدعوى محاربة " الإرهاب " .
النتيجة الثانية : دخولها في صراعات مريرة مع التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي عبر تنازع الادلجة والوصاية على الإسلام والمسلمين وتوظيف المؤسسات الدينية وصولا إلى مصادرة الحريات والحق في الحياة .
وهذه النتيجة الثانية هي التي ترشح بلاد المسلمين إلى المرور بتحول عميق يقضي بإعادة النظر في أساليب الأنظمة التابعة و إعداد الأجيال الصاعدة من خلال مضاعفة الهاجس الأمني الذي يحكم ممارستها في جميع المجالات :
ه – و إذا كانت أدلجة الدول التابعة للدين الإسلامي قد فسحت المجال أمام إرهاب الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، فإن ما يطرح الآن هو : هل تتخلى هذه الدول عن أدلجة الدين الإسلامي ؟ و إذا حصل تخليها، فإنها ستحرص على فرض حيادية الدين الاسلامي، و ستتحول إلى دول علمانية بالضرورة، و ستحرم في دساتيرها و قوانينها استغلال الدين الإسلامي في الممارسة السياسية، و ستحرم ممارسة الادلجة، لأنها ستحول إلى ما يشبه جريمة " الإخلال بالأمن العام ". و كونها تتحول إلى أنظمة علمانية يمكن اعتباره أمرا مستبعدا، لأنها حينها ستوصف بالأنظمة الملحدة، و الكافرة، و هو ما يعطي الشرعية للحركات المؤدلجة للدين الإسلامي التي ستعمل على تحريك المسلمين ضد تلك الأنظمة كما حصل سابقا في العديد من بلدان المسلمين.
و لذلك فأدلجتها للدين الإسلامي ستعتبر واردة و لكن بالشكل الذي يكرس إسلام أمريكا التي تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تعاطف المسلمين معها ضد مسلمي الحركات المعادية لها، و المتعاطفة مع الطالبان.
و- و بناء على ذلك، هل تتوقف عند تقديم العطاء السخي للمتنبئين الجدد الذين تسميهم ب " العلماء" في الوقت الذي لا يجمع بينهم و بين العلم إلا الوهم ؟ هل تدخر تلك العطاءات اللامحدودة من أجل التخطيط لصرفها فيما يعود على الشعوب المسلمة بما فيه فائدة لها، بدل شراء ذمم المتنبئين الجدد ؟ إننا أمام إشكالية كبيرة و عميقة في نفس الوقت، لأن ما يقوم به المتنبئون الجدد المبثوثون في نسيج مجتمعات المسلمين يخدم بطريقة مباشرة مصالح الأنظمة التابعة المؤدلجة للدين الإسلامي، و بطريقة غير مباشرة مصالح الحركات التي لها تأويلها المخالف في عملية الادلجة، و لذلك فالمهمة المطروحة اليوم، و بعد شيوع الاعتقاد بإسلام الطالبان، هي كيف يفرق المتنبئون الجدد بين الإسلاميين/ الادلجتين ؟ أو كيف يعملون على نقض الادلجة التي تدخل في تناقض مع أد لجة الأنظمة التابعة ؟ و هم بذلك سيقضون عقودا من البحث، مصحوبة بعقود من القمع/الرقابة على إنتاجاهم حتى لا تخدم المعتنقين لإسلام الطالبان، و سيلجأون إلى قائمة من التبريرات/الاجتهادات التي تستدر المزيد من العطاءات، سواء تعلق الأمر بأمريكا، ليكون الإسلام خالصا سائغا لإسلام أمريكا .فدور المتنبئين الجدد المخلصين للأنظمة التابعة هو الاستماتة في خدمة تلك الأنظمة، و الإخلاص في خدمة أمريكا. و هو ما يفرض على المسلمين الانتباه إلى تراكم تحريف النص الديني خدمة للأنظمة التابعة و لأمريكا.
ز- و بذلك نخلص إلى طرح السؤال : هل تعيد الأنظمة التابعة النظر في المراجع الدراسية من أجل حذف ما له علاقة بأدلجة الدين الإسلامي ؟ إن الإقدام على هذا النوع من العمل يقتضي :
أولا : الإقرار بأن البرامج الدراسية صيغت لخدمة مصالح الطبقات الحاكمة التي من جملتها أد لجة الدين الإسلامي لمصلحة تلك الطبقات.
ثانيا : ضرورة علمنة مؤسسة الدولة التابعة أسوة بدول المركز.
و لذلك نجد أن الإقرار بالعلمنة المشار إليها غير وارد في عرف دول المسلمين التابعة، و ما يمكن أن يحصل هو مضاعفة الرقابة و بالقدر الذي يمنع من أد لجة الدين الإسلامي لغير صالح الدول التابعة في بلاد المسلمين.
ح) وهل تقوم بفصل الدين عن الدولة إرضاء لأمريكا ودول المركز الأخرى إن عملية الفصل معناها أن نحدد ما لله وما للبشر " وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا " " و أمرهم شورى بينهم".
و عملية الفصل هي ممارسة علمانية، و علمانيتها ستكون غير واردة، لأن عدم تبنيها لا يعني إلا إعطاء الشرعية للحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، و لكن بالقدر الذي يجعل الدين الإسلامي منفتحا على ممارسة أمريكا، و في نفس الوقت، موهما المسلمين بأن تلك الادلجة الرسمية للدين الإسلامي هي الإسلام الحقيقي، ودور كهذا لا يمكن أن يقوم به إلا جيل جديد من المتنبئين الجدد الذين يمزجون في خطابهم الأيديولوجية بين تمجيد أمريكا، و تمجيد الأنظمة التابعة لها انطلاقا من تأويل معين للنص الديني لأداء الوظيفتين معا.
ي- و يبقى أن نتساءل : هل تدفع الدول التابعة في اتجاه تأسيس هيئات مستقلة للإشراف على المؤسسات الدينية من الدول التابعة، لأن كل ما يؤدي إلى استقلال المؤسسات الدينية من الدول التابعة، يرشحها لاستغلال الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، و ما دام الأمر كذلك، فإن عملية ضمان حياد المؤسسة الدينية يقتضي ترسيخ نوع من الوعي يحفظ كرامة الانسان، و يحترم قناعته، و يرسخ حرية التدين ، و العبادة و التمذهب بعيدا عن تدخل الدولة، ، و بعيدا عن الادلجة المؤدية إلى توظيف الدين الإسلامي في الأمور السياسية، و في إطار الممارسة الديمقراطية التي تتخلل أنسجة المجتمع كصمام أمان ضد كل أشكال التحريف السياسي و العقائدي الهادف إلى خدمة مصالح الطبقة أو التحالف الطبقي الحاكم.
و بناء على ما ذكر فإن مأزق الأنظمة التابعة المؤدلجة للدين الإسلامي، سيبقى قائما، و بسببه ستزداد استبدادا، و به ستلجأ إلى المزيد من القمع المادي و المعنوي للحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، ما دامت أدلجتها لا تخدم مصالح الطبقات الحاكمة، أو تتعارض معها.
2) مأزق الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي المدعومة من قبل الأنظمة التابعة، و من أمريكا لأن استمرار هذه الحركات في عملية الادلجة سيكشف الخدمات التي تكمن وراءها. و سيعرف المسلمون أن ما تقوم به هو لصالح الأنظمة التابعة، و لصالح أمريكا نظرا لاكتواء جماهير المسلمين بالاختيارات الرأسمالية التبعية، و تكمن مأزقتها في:
أ – إصابة الأنظمة التابعة في دعمها للحركات المؤدلجة للدين الإسلامي بالحرج بسبب كون تلك الحركات مفرخة للأطر التي تقود عملية الادلجة و توظفها ضد الأنظمة التابعة و ضد أمريكا كما حصل في العديد من الدول التي عرفت قمعا شرسا ضد الاشتراكيين، بمساهمة الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي إلى جانب الدول التابعة، و كذلك نجد الأنظمة التابعة تتردد بين الاستمرار في الدعم، و بين الامتناع عنه حتى لا تشملها قائمة الدول الداعمة للارهاب، و التي تلوح بها أمريكا بعد 11 شتنبر 2001.
ب- تحرش الحركات بالأنظمة و بأمريكا بسبب موقفها الجديد ، قد يقودها إلى الوصف بالإرهاب، و اتخاذ قرار ملاحقتها، و محاصرتها، و القضاء عليها، و لتجنب ذلك، ، فتحرش الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي بالأنظمة التابعة،و بأمريكا يجب أن يزول من فكرها و ممارستها، و أن يحل محله ما أصبح يعرف في خطاب أمريكا، و أذنابها ب " الإسلام المعتدل ". هذا الإسلام الذي تم الشروع في التنظير له، فكأن هناك إسلام يساري، و إسلام يميني، و إسلام معتدل، و الواقع غير ذلك. فالذي يكون يساريا أو يمينيا أو معتدلا هو القناعة الأيديولوجية التي يستند إليها البشر لاتخاذ موقف سياسي يساري أو يميني، أو معتدل، و الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي هي التي يمكن أن تكون يمينية أو متطرفة أو معتدلة. و الاعتدال هنا ليس إسلاما، إنه موقف سياسي يستند إلى أيديولوجية الوسط التي لا يمكن أن تكون إلا توفيقية/تلفيقية. و ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى : " لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محصورا " و قوله : " الله نور السماوات و الأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب ذري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية " مما يمكن أن نستنتج منه أن الإسلام دين الوسط و الاعتدال ما هو إلا شيء يدخل في طبيعة الدين الإسلامي حتى يكون صالحا لكل الطبقات الاجتماعية في كل زمان و مكان. و لا علاقة لذلك بالأيديولوجية التي هي من خاصيات الطبقات الاجتماعية التي تكون يمينية أو يسارية أو وسطية على المستوى الأيديولوجي الذي قد توظف فيه العقيدة السلامية البريئة من الأيديولوجية.
و نظرا لما لأدلجة الدين الإسلامي من دور في تفجير الصراع التناحري مع الأنظمة، و مع أمريكا، فإن الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي تصبح محرجة في الاستمرار في التوظيف الأيديولوجي للدين الإسلامي، فتدخل في ممارسة التبرير الممل، و التضليل، و التمويه حتى تغطي على أدلجتها، أو تعلن عن تقمصها لحزب سياسي معين، تتستر وراءه، و تحول أدلجتها إلى ممارسة سياسية، و تصبح مهاجمة سياسيا، و لكن على الجماهير الشعبية الكادحة ، الساعية إلى الانعتاق و التحرر و الاشتراكية، و على المنظمات السياسية، و الجماهيرية المؤطرة للجماهير الكادحة و تشويه سمعتها لصالح الأنظمة التابعة و سيدتها أمريكا، و هو ما يضمن لها الاستمرار، و يزيل عنها الحرج.
د- و نظرا لأن الأصل في استراتيجيتها، و تاكتيكها، قائم على الهجوم على الأنظمة التابعة ، و على أمريكا، فإن تراجعها عن ذلك الهجوم من أجل المحافظة على استمراريتها سيقود الى انفلات الاتباع الذين سيتوقف إغواؤهم بالذي يأتي و لا يأتي، و تبشيرهم بجنات عدن ينالها " الشهداء " بسبب المصير الذي ينتظرهم في حالة الاستمرار في انسياقهم وراء أدلجة الدين الإسلامي، فعملية الانفلات اللامحدود ستبقى واردة للاعتبارات الآتية :
الاعتبار الأول : أن الأنظمة التابعة و أمريكا ستتوقفان عن دعم الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي.
و الاعتبار الثاني : تخلي هذه الحركات عن ممارسة الصراع ضد الأنظمة التابعة و ضد أمريكا.
و الاعتبار الثالث : انسداد الآفاق أمام هذه الحركات بسبب الحصار الذي سيضرب حولها.
و الاعتبار الرابع : اهتمام المثقفين بإخضاع أدلجة الدين الإسلامي للمناقشة و التشريح عبر وسائل الإعلام المختلفة.
و بناء على عملية الانفلات المحكومة بالاعتبارات المذكورة يتضح بالملموس أن أكبر جريمة ارتكبت و لازالت ترتكب في حق الدين الإسلامي هي أدلجته، و توظيفه لأغراض سياسية دنيئة.
و لذلك فمن واجب المثقفين الحقيقيين العمل على الكشف عن الادلجة التي شوهت العقيدة، و ضللت المسلمين، و قادتهم إلى عبادة زعماء المؤدلجين بدل عبادة الله تعالى.
ه – و بفعل فقدان مصادر التمويل الخارجية نظرا لتشديد الرقابة عليها من قبل الأنظمة التابعة و من قبل أمريكا.فإن الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي ستعرف تراجعا إلى الوراء و سوف تتقلص حركتها وطنيا، و قوميا، و عالميا. و كنتيجة لذلك ستعرف تقوقعا و تقلصا.
و- و سيساهم شيوع انتقاد ممارستها السياسية، و الاجتماعية و الدينية من قبل العامة كامتداد لانتقاد الخاصة في عملية الانحسار و التقوقع، و التراجع إلى الوراء، و تقديم التنازلات، و الذوبان في أيديولوجية الطبقات أو التحالف الطبقي الحاكم، و بذلك تتحول الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي إلى مجرد حركات صورية يشكل تأويلها الأيديولوجي نسخة طبق الأصل للتأويل الأيديولوجي للطبقة أو التحالف الطبقي الحاكم.
و هكذا نجد أن خروج الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي من مأزقها، لا يتم إلا بالوقوع في مأزق آخر، و هو شأن الحركات التي تقف ضد التاريخ، و تحاول إدخال الوجود البشري إلى اللاتاريخ. و هو ما يجعلها تؤول الى مزبلة التاريخ.
3) وتكمن دلالة المأزق المزدوج لإسلام أمريكا في التمظهرات الآتية :
أ)على مستوى إعادة النظر في التعامل مع التوظيف الأيديولوجي للعقيدة، لأن إعادة النظر تلك ستقود إلى :
أولا : إما الى المزيد من التطرف اليميني المغرق في إطلاقيته، كما فعلت حركة الطالبان التي قادتها إطلاقيتها الى الاعتقاد بأنها أعتى دولة في العالم، فإذا بها تتحول أمام الضربات الأمريكية الهمجية الى نمر من ورق.
ثانيا : و إما الى التخلي عن تأويلها الأيديولوجي، و تبني تأويل الأنظمة التابعة حتى تنجو من ضربات أمريكا، و من ضربات الأنظمة التابعة لها.
و في الحالتين ما، فالمأزق يبقى قائما.
ب- ظهور توجه يسعى الى حيادية العقيدة، و إبعادها عن السياسة و هو توجه ليس صادرا عن قناعة راسخة بذلك، بقدر ما أملته شروط الصراع التناحري، القائم بين أمريكا و الطالبان، و تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، و هذا التوجه تقوده أمريكا و الدول الغربية، وبعض دول المسلمين التابعة، و هو صادر عن علمانية الغرب و عن جنوح بعض الدول التابعة الى العلمانية.
و ما يؤخذ على هذا التوجه هو :
أولا : أنه صادر عن دول لا علاقة لها بالإسلام، و كل ما تفعله أنها تستغل المسلمين، و تستذلهم.
ثانيا : أنها اكتفت بمحاربة التنظيمات التي توظف الدين الإسلامي نظرا لدوره في استنهاض الجماهير الكادحة و المحرومة ضد أمريكا، و ضد الصهيونية، و ضد الأنظمة التابعة لهما.
ثالثا : أنها لم تسع أبدا الى اعتبار الدول التابعة المؤدلجة للدين الإسلامي مرتعا لتفريخ التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي.
و قد كان المفروض أن يصدر هذا التوجه عن المسلمين لا عن غيرهم سعيا الى حفظ العقيدة الإسلامية من التحريف، و اعتبار التنظيمات و الدول المؤدلجة للدين الإسلامي خارجة عن الانتماء الى عقيدة المسلمين. لأن سعيها ليس هو الحفاظ على سلامة عقيدة المسلمين من التحريف، بل تحريفها، و توظيفها من أجل الوصول الى السلطة حتى تتمكن من استغلال المسلمين لصالح الطبقة أو التحالف الطبقي المؤدلج للدين الإسلامي.
و إذا كانت أمريكا، و معها حلفاؤها، غير راضية عن أدلجة الدين الاسلامي، و توظيفه لأغراض سياسية منحطة، فإنها هي التي شجعت في البداية هذه الادلجة، ودفعت في اتجاه إنشاء تنظيمات على هذا الأساس لمحاربة المد الشيوعي في البلاد العربية و غيرها من بلاد المسلمين، و حتى إذا غيرت موقفها، فإن عليها أن تقدم نقدا ذاتيا. و أن تقدم تعويضات مادية الى كل الذي الذين طال أفراد عائلاتهم إرهاب مؤدلجي الدين الإسلامي.
و يبقى السؤال لماذا لا تلجأ أمريكا و حلفاؤها الى تفعيل القانون الدولي المتمثل في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان بدل اللجوء الى احتلال العالم، و بقوة أمريكية صرفة ؟
لماذا لا يتم التعامل مع التوظيف الأيديولوجي لليهودية في إطار الصهيونية المتمثلة في دولة إسرائيل ؟ لماذا لا توجه الضربات الى الدولة الصهيونية، و العنصرية بدل حمايتها و دعمها، و الوقوف وراءها ؟
لماذا لا تعمل أمريكا و حلفاؤها على محاصرتها، و تفكيك التنظيمات الداعمة لها في أمريكا و أوربا؟
لماذا تقوم أمريكا بمحاصرة و ضرب الأنظمة التابعة المؤدلجة للدين الإسلامي أسوة بنظام الطالبان؟
إن الغاية من طرح الأسئلة أعلاه هي بيان أن أمريكا و حلفاءها لا يهمها إلا حفظ مصالحها المتمثلة في امتصاص دماء البشرية لصالح الشركات العابرة للقارات، و ما سوى ذلك من إصدار فتاوى باسم الإسلام ما هو إلا تضليل للمسلمين، و شكل من أشكال أدلجة الدين الإسلامي، تملقا للأنظمة المؤدلجة للدين الإسلامي و المسلمين. أما حفظ الإسلام و تطهيره من التحريف الذي لحقه على يد المتنبئين الجدد، فهو مهمة المسلمين، و مهمة الشعوب المومنة بالدين الإسلامي، و ما على أمريكا و حلفائها إلا أن ترفع يدها عن هذه الشعوب حتى تقرر مصيرها طبقا للمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وخاصة البنود المتعلقة بحق تقرير المصير وتحت إشراف المنظمات الدولية المعنية
ح) وللوصول الى تطهير الدين الإسلامي من التحريف السياسي لابد من الشروع في إعادة الاعتبار للتنوير الذي يجب أن يقوم على أسس سليمة تتجسد في نشر الوعي الحقيقي.
أولا : بحق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي. فوضع دستور يراعي التمتع بذلك الحق باعتباره مصدر السيادة.
ثانيا : بحقوق الأفراد والجماعات على المستوى الاقتصادي بضمان دخل مناسب لمستوى متطلبات الحياة . وعلى المستوى الاجتماعي بضمان الحق في التعلم ، والحق في التطبيب، والحق في السكن ، والحق في العمل ، والحق في الحماية الاجتماعية ، لا فرق في ذلك بين الذكور والإناث .وعلى المستوى الثقافي : إتاحة الفرصة للتفاعل بين الثقافات المعبر عنها في المجتمع وبمختلف اللغات واللهجات ، والعمل دعم الأشكال الثقافية المختلفة ، وتجنب ممارسة الميوعة الثقافية ، وعلى المستوى المدني ضمان المساواة بين جميع أفراد المجتمع أمام القانون ، لا فرق في ذلك بين الطبقات ، ولا بين الجنسين. وعلى المستوى السياسي : ضمان التمتع بالحريات العامة والثقافية ، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة .
ثالثا : الحق في إشاعة الممارسة الديموقراطية التي تمكن الأفراد والجماعات من التمتع بالحقوق المختلفة بما فيها حق التعبير وإبداء الرأي وحق الاختيار. ومن المؤكد أن التنوير عندما ينبني على هذه الأسس ، فإن المجتمع يتحول إلى واقع يستحيل فيه استغلال الدين لصالح السياسة ، لأن المجتمع المتنور هو مجتمع متسيس لا تنطلي عليه حيلة استغلال الدين لصالح السياسة .
و- إعادة الاعتبار للعمل الجماهيري الهادف إلى نشر الوعي الحقيقي في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة المستهدفة بخطاب أدلجة الدين الإسلامي لأن العمل الجماهيري المستند إلى مبادئ التقدمية و الديمقراطية، و الجماهيرية و الاستقلالية، هو وحده الكفيل بتفجير الطاقات الخلاقة في صفوف الأفراد و الجماعات، و في المجالات النقابية، و الثقافية، و التربوية، و العلمية. و بتلك القدرات الفاعلة يتحول العمل الجماهيري الى عامل لبث الوعي في صفوف الجماهير الكادحة، و الذي يتنوع بتنوع طبيعة المنظمات الجماهيرية العاملة في صفوف الجماهير و الساعية الى جعلها تمتلك وعيها الحقيقي الذي يعتبر حصانة لها ضد الانسياق وراء دعاوى أدلجة الدين الإسلامي الحنيف.
ه – النظر في عملية تطوير حركة التحرر الوطني للاستجابة للصيغة النضالية التي تقتضيها المرحلة التي تتسم بالتحولات العميقة التي تقتضيها عولمة اقتصاد السوق، و هذا النظر لا يتم إلا بتحمل الأحزاب و المنظمات مسؤولية تطوير برامجها المرحلية المبنية على معرفة دقيقة بتحولات الواقع ، حتى تكون أكثر نجاعة في خدمة البرامج الاستراتيجية. و عملية التطوير يجب أن تستهدف الصيغ التنظيمية، و الأيديولوجية و السياسية حتى تصبح أكثر تأثيرا في الوعي الجماهيري الذي يقودها الى الفعل في الساحة بقيادة فصائل حركة التحرير الوطني التي تسترجع بذلك دورها التاريخي، و تقود نضالات الشعوب من أجل الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية.
و- تطوير المنهج الاشتراكي العلمي عن طريق جعله يستفيد مما حصل من تطوير في مختلف المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و في العلوم الحقة. لأن أي تطور يحصل في الواقع يجب أن يكون مصحوبا بتوطير أدوات التعامل التي تساعد على تفكيك الواقع تفكيكا علميا صحيحا، و العمل على إعادة تركيبه بما يتناسب و تطلعات الجماهير الشعبية الكادحة. و كل تقاعس في هذا الإطار&