الالواح النذرية (السومرية)
ان دراسة تحليلية لمنظومة العلاقات الموضوعية والمادية والشكلية، والتي تنتظم بشكل انساق، في بنية الابداعات التشكيلية السومرية ممثلة، (بالالواح النذرية). تُظهر ان عملية فهم واحتواء وتفسير ، هذه الروائع التشكيلية، تعتبر عقيمة، دون الالمام بالمحركات الفكرية المهيمنة في بنية الفكر الاجتماعي. وفي ذلك نوع من تفعيل (المرجعية) في بنية مثل هذه (الالواح)، باعتبارها افرازاً من افرازات البنية الثقافية السومرية، هذه البنية المغلقة على ذاتها، والمكتفية بذاتها ، كيفّت انساقاً من الضغوط الفكرية، وبفاعلية مغناطيسية ، مغنطت الاشكال بروحية المايثولوجيا. فقبلتها الذات السومرية (الجمعية) دون قهر، باعتبارها نظاماً (اعلائياً) للشكل في مثاليته الموقرة.
فالنشاط الفني السومري ، جزء لا يتجزأ من ابداعات الانسان، لبلوغ فهم اعمق للواقع وتطويره . فالفن (اللوح النذري) هو ذلك الجزء الهام من تاريخ (سومر)، ولم يكن الا تعبيراً اختاره المبدع بعناية لتوثيق الافكار المجردة. انه بذاته هو الفكرة، وهو تمثيل لصورة التجربة التي بدت واعية بذاتها. ومن جهة اخرى فان الشكل (اللوح)، يُمثل حقيقة صورية ، ومن هنا كان التوجه نحو المظاهر التجريدية ، والتوقف عند الصور الذهنية غير المادية ، والقائمة على التنظيم الشكلي المتناغم ، فالفنانون السومريين، لم يرما ما في الطبيعة باعينهم، بل بافكارهم، وهم لم ينسخوا الموضوع كما هو في الواقع، بل يؤولونه نحو الجوهر ، فالحقيقة لم تكن في حواسهم ، بل في حدوسهم الفكرية. ومن هنا تفرض مادة الموضوع (النص) تقصياً للجواهر الفكرية ، وبذات الوقت ، تثير الاهتمام، بتفعّيل (التقنية) وسمات الاشكال التعبيرية.
والالواح النذرية ابداع سومري (اصيل) ، وهي بمثابة قطع حجرية ذوات اشكال مُهندمة . تكون مربعة او مستطيلة الشكل في اغلب الاحيان. وهي مثقوبة في وسطها، بثقب دائري او مربع ، لغرض تعليقها على جدران المعابد او القصور. وفكرة الثقب في مركز (اللوح) تهيمن على فكرته، انها الاشارة اولاً الى فكرة التعليق، تعليق (الوثيقة) والتي هي ابلاغ لمحتوياتها. وتجسيداً لاهميتها. انه فن (الاعلان) ولاول مرة في تاريخ الفكر الانساني (شكل 1-4).
واللوح (النذري) خطاب تواصل في العلاقات والبُنى الذهنية المشتركة، وقد ارتبطت بقيمها التعبيرية والرمزية بوجود الجماعة. ومن جهة اخرى، فان تضايق خاماتها الحجرية الصلبة، مع جدران المعابد الطينية يؤكد حرص (محتوى) اللوح على تحقيق الديمومة لكينونة المعبد ، فالفكرة هي بمثابة توثيق لتاريخ المعبد وتواريخ الاحداث، واعمال الشخصيات بدلالة تضايق قدسية المعبد وفكرة بقاء وصمود اللوح الحجري، ازاء العاتيات من احداث الزمن.
وتعرض (الالواح) في معظم امثلتها، مشاهد احتفالية. واشهر امثلتها ، لوح من حجر كلسي من خفاجي والمحفوظ في المتحف العراقي حالياً (شكل 1) . وبسبب صغر المساحة التصويرية، لسطح اللوح، فقد اكتفى الفنان بتاطير المشهد، بحدود ضيقة. ويظهر من فكرة التكوين ، ان النحات واع قبلياًُ بفكرة المشهد. فبعد هندمة سطح اللوح، نظمهُ هندسياً بشكل ثلاثة حقول متساوية تماماً. اما اليات سرد الحدث ، فيمكن قراءتها من الاسفل الى الاعلى . ففي الحقل الاول يعلن الحدث عن وصول الشخصية (الحاكم). وفي الحقل الذي يليه ، يُحتفى بالشخصية وذلك باحضار ما تتطلبه مائدة الاستقبال. وفي الحقل العلوي ، تقع ذروة الحدث، حين يجلس (الحاكم) مقابل شخصية الكاهنة العليا. وهما يرتشفان (نخب) مناسبة سعيدة (شكل 1). ويمكننا القول، بان السمة الغالبة على الزمن، في اليات سرد الحدث في مثل هذه (الالواح) هي سمة اللاواقعية ، لينسجم مع المظهر اللاواقعي لفضائها، ومع اللاتعيين الذي يُحيط بالاماكن التي تدور فيها الاحداث.
ان اللوح (الوثيقة) هنا يعرض حدثاً كونياً، يرتبط باحتفالات الزواج المقدس، والتي يجب ان تجري سنوياً لتنشيط مظاهر الطبيعة. فالشخصيات هنا تؤدي (ادوار) كونية، انها بمثابة (رموز) مثقلة باشكالات فكرية. كونها جزءً فاعلاً في الممارسات الطقوسية الناشطة في مستوى الوعي الاجتماعي. ذلك ان (الفن) في سومر، ينبع من صميم الحياة ذاتها، باعتباره نشاطاً اجتماعياً ، تنحصر غايته في الحياة او الواقع نفسه.
وفي لوح (اور- نانشة) المحفوظ في متحف اللوفر (شكل2)، تقدم (الوثيقة) دلالتها من خلال فعل الصورة والنص المكتوب . وكلاهما عُرضَ على مساحة تصويرية صغيرة ، فقد قُسم سطح اللوح الصغير الى حقلين، حيث يهيمن حجم الحاكم في الحقل العلوي، على مدلول الحدث. وهو يؤشر نقطة البداية لمشروع بناء المعبد ، بدلالة سلة البناء على راسه. وفي الحقل السفلي يحتفل (اور – نانشة) بأنتهاء بناء المعبد. وازاء تغييب الامكنة و الازمنة في نص (اسطوري) من هذا النوع، فمن الصعب حساب الزمن الاسطوري تبعاً لتسلسل الايام او السنوات، ولا يمكن فهمه فهماً صحيحاً ، الا من خلال نتائجه. فنحن نجهل كم من الوقت استغرق بناء المعبد، وكم من الوقت ايضاً استغرق الاحتفال. فالامر محكوم بنتائج الاحداث فقط. في بنية السرد النصية . فالوظيفة الزمنية في سرد الاحداث ، على سطوح هذه (الالواح) تؤدي الى خلق حالات نفسية متنوعة ، ولا تقدم للمتلقي. أي تحديد لاية واقعة او أي حدث من الناحية التاريخية. وهو امر يؤكده ، الطابع الغامض والشمولي، وبالتالي خصوصية البنية الاسطورية للقصة. فكل شيء يدخل في اطار الحُكم والتامل والمعاناة.
وبحوزتنا نص حلم (كوديا) حاكم مدينة لكش السومرية:- راى فيه عملاقاً يلبس تاجاً الهيا، وله جناحا طير عظيم، وجسم ينتهي اسفله بموجة فائضة. وعلى جانبيه اسود صاغرة. وقد امَرَ هذا الرجل (كوديا) ببناء المعبد ثم طلع النهار في الافق. وبرزت امراة وراحت تمحو المباني من احد الاماكن. في يدها قلم من ذهب ولوحة من طين. وقد رسمت فيها ابراج من النجوم. فتمعن فيها (كوديا) ودرسها. ثم جاء جندي يحمل لوحة من الزبرجد رُسم فيها تخطيط لبيت. وراى (كوديا) امامه قالب آجر وسلة، ورجالاً باجسام طيور يصبون الماء بلا انقطاع في جرن، وحماراً الى يمين الاله، يضرب الارض بحافره نافذ الصبر (فرانكفورت ، ص224).
وقد ادرك (كوديا) مجمل المغزى في هذا الحلم، وهو ان عليه ان يعيد تشييد معبد (الاله ننكوسو). ومن هنا ، فان الانسان لا يفلح نهائياً في جعل نفسه موضوعاً علمياً لنفسه. وحاجاته للسمو على فوضى التجربة، والحقائق المتناقضة، تؤدي به الى البحث عن فرضية ميتافيزيقية، قد توضح له مشاكله الملحة. فالانسان اذا ما تناول موضوع (ذاته) لن يحيد عن التامل- حتى يومنا هذا.
وفي لوح تكريم الالهة (ننخرساك) (شكل 3). الهة النبات والخضرة. يظهر متعبد عارٍ، وهو يسكب من ابريق فخاري، ماءً مقدساً ، على حزمة من نبات، وقد نمت في اناء فخاري. امام (ننخرساك) التي احتلت بحجمها المهيمن نصف المشهد المصور. واهمية هذا المشهد ، تكمن ، في ان الانسان قد تطاول لاول مرة، من ان يُمثل الالهة باشكال بشرية. ومع ذلك فان شكل الالهة في نظامه الشكلي ، يسمو على صورة البشر الفانية. فقد نمت من اكتافها ، حزم من الاغصان والاوراق النباتية. ففي الفضاءات الاسطورية، تلعب الشخصيات دوراً يقع في منطقة ما بعد النص، في منطقة المُتخيل ، لان الاسطورة، لا تستند الى الشخصية (الالهة)، الا بمقدار العلاقة التي تقيمها هذه الشخصية مع اللاواقع.
وتشير اشكال انصاف الدوائر الحرشفية ، الى ان الحدث (المكان)، يجري في منطقة جبلية (شكل3). فالمكان هنا مغيب، انه ليس حاضراً كما هو في الوجود المُتعين . ففي الاحداث الاسطورية ، تلعب الامكنة ، دوراً مموهاً، يتوقف على مقدار العلاقة التي تقيمها مع اللاواقع. وشكل الالهة ، يتعدى ايضا محدودية الصورة ، الى اللاتشخيص ، ليصبح رمزاً كونياً، انه الطبيعة بشموليتها وكونيتها العامة.
ويعرض لوح الكاتب السومري (دودو) منظومة قوى رمزية، تصنف في المشهد ، على انها تنتمي الى فئتين متصارعتين هي قوى الحياة المهيمنة على قوى الموت (شكل4) ففي يسار (اللوح) يهيمن (الكاتب) بحركته التعبدية على الفضاء التصويري وفي اعلى اللوح يحكم الاله الحامي لقوة الحياة (سوكورو) قبضته على اسدين متدابرين. وقد مثل في تركيبه الهجين المعتاد، براس اسد وجسم طائر عملاق في حين يضطجع في الاسفل عجل صغير وهو على وشك النهوض (شكل 4).
فالاشياء هنا وكذلك الظواهر ، اكثر تعقيداً وغرابة مما هي عليه في الواقع. ذلك ان الكاتب (دودو) بحركته التعبدية ، يؤدي دور (الرمز) الدائم لذلك الكائن البشري الباحث عن سر الحياة. وبتجريد الكاتب –دودو- عن حدود الشخصية ، فانه يصبح (دوراً) لا زمنياً ولا مكانياً ، أي انه رمز صالحاً لكل الاماكن ولكل الازمنة ، فقد مَرَّ عبر الواقع الى (التاريخ)، التاريخ الذي اختاره ، ليحوله بدوره الى كلام او حديث دائم.
د.زهير صاحب