بدون الديمقراطية والسلم ، لا تدوم ظاهرة المسرح في المجتمع

 

 

 

      ( لطيف حسن)

 

   أعلن قبل فترة العديد من المسرحيين العراقيين  في يأس ، عن موت المسرح في ظروف كابوس تراجع العقل العراقي المتنور وسيادة التفكير الظلامي على الثقافة وعلى المجتمع ،بسبب ما أعقب الاحتلال من مرحلة هدم وحشية مبرمجة  لكل معالم حضارة العراق المعاصرة ، بدءا من نهب أنفس كنوز متاحفنا ألآثارية  التي لاتعوض، ولوحات وأعمال فنانينا  المعاصرين العظام  و حرق المكتبات والأراشيف الرسمية التي كانت تحوي على أندر المخطوطات ، التي من بينها ارشيف المسرح العراقي ، وارشيف السينما الذي كان موجودا في مصلحة السينما والمسرح ، فكل مسودات و نسخ الافلام السينمائية  العراقية القديمة قد اتلفت ، بما فيها الافلام العراقية الاولى الرائدة التي كانت نسخها الوحيدة  محفوظة في الارشيف كفيلم ( ابن الشرق ) بطولة حقي الشبلي وفيلم ( عليا وعصام ) بطولة ابراهيم جلال وغيرها و كل الآفلام التي انتجت في فترة النظام السابق، بحيث صرخ بعض مثقفينا  بهلع على هذه الخسارة الكارئة ( لقد فقدنا ذاكرتنا الثقافية تماما  )  وهم على حق.

 

و في ظل ما حدث بعد ذلك من انقسام وانحطاط المجتمع والتمدن وابتعاده عن قيمه المشرقة  .  تشرذم الوسط المسرحي كأنعكاس لهذا الواقع فيما بين مسرحي المهجراوالخارج ، وما بين مسرحي الداخل المقهور ، و ما بين محاولات المسرح الأصيل للنهوض رغم الظروف العصيبة من الرماد ، مستمدا قوته من جذوره وهويته الوطنية المعروفة ، وبين مسرح ملفق آخر رفع رأسه عقب الاحتلال من قبل لمة مغمورة من الوسط الذين يجيدون  تبديل العبائات والولائات بما ينسجم مع كل ظرف ، مستغلين موجة الفوضى الاجتماعية المدمرة ، وفي ظل الفراغ الثقافي ، مبدلين ماكانوا يقدمونه  في السابق من المساخروالتهريج ويحيا القائد ، الى مسرح اللطمية والبكائيات والنحيب . .. .

 

 وبالرغم من هذه الصورة القاتمة لواقع حال المسرح العراقي اليوم ، وصمت المسرح الأصيل الجاد ، فأن المسرح العراقي مازال بخير ، وجذوره التي  غرسها الرواد الأوائل بدأب وأصرارخلال  قرن ونصف قرن من الزمان و مارافق ذلك من  تضحيات شخصية جسيمة ، لن تكون سهلة القلع بهذه السهولة .   

 

أن ظاهرة المسرح في العراق هي نتاج وأنعكاس  للصورة المتغيرة لخصائص المجتمع العراقي في تفاعلاته مع محيطه وزمانه  ، والظاهرة صورة  لتطور وعي الفرد العراقي في غضون القرنين الماضيين من خلال علاقة ثقافته الشخصية العامة المجسدة بالدين والتقاليد والموروث  الشعبي ، وبالزمان والمكان ، فهو نتاج صيرورة هذا المجتمع وهو يلج عالم المدنية المعاصرة بشكل مفاجيء وعاصف  بعد سقوط الامبراطورية العثمانية  ، وتقبله التدريجي المؤلم الطويل لفكرة المسرح الوافد اليه فيما بعد ، عبر محطات هامة من الأنتكاسات و التقدم الأجتماعي، فالمسرح كمظهر أحتفالي وحال المجتمع  لايمكن  تناولهما الا كوحدة و نسيج متشابك الخيوط ،  من الصعب تناول أحدهما بمعزل عن الآخر، بأعتبار ان المجتمع هو الذي يفرز نوعيا في كل زمان شكل مظاهره الأحتفالية الملائمة  ، والمظاهر الأحتفالية بالضرورة تعكس أفتراضيا صورة ذهنية ومزاج هذا المجتمع في ذلك الزمان.

 

ان المسرح العراقي الذي اعلن عن  انتصاره على التقاليد الاجتماعية التي كانت ترفضه في ثورة 14 تموز 1958 ، عندما وفرت في  بداياتها أجواء الحرية و الدبمقراطية الحقيقية للناس  ( قبل ان تلتف الرجعية على هاذين المكسبين الى الأبد)، تحولت بغداد والمدن الاخرى الى ساحة واسعة للمهرجانات المسرحية  ، في المسارح القليلة التي كانت متوفرة  و الشوارع والمنتزهات  ومقرات المنظمات الاجتماعية والديمقراطية ، صعدن النساء بشكل واسع لأول مره على المسرح بالعشرات بدون حرج من عاملات  وموظفات وطالبات وكلهن من الهواة  ، و في هذه الفترة الثورية ، حطمت  آزادوهي صاموئيل التقاليد القديمة  بدخولها كأ ول رائدة لدراسة المسرح في معهد الفنون الجميلة ، لقد وجهت في هذه الفترة الديمقراطية الوجيزة من تاريخ العراق ، بأنتصار المسرح على التقاليد القديمة التي كانت ترفضه وتقاومه ، ضربة موجعة  لأخلاق وقيم الاقطاع  الأجتماعية التى كانت سائدة في الفترة الملكية .

 

 ان مسرحا قدم  ( وحيدة ) و ( بيدبا ) و ( آني امك ياشاكر ) و (  النخلة والجيران )  و ( الطوفان ) و ( بيت ابو كمال ) و ( البيك والسايق ) و ( الست حسيبة ) و ( كلكامش )  لايمكن ان يموت بجملة تقال ، او رغبة احد في ذلك ، المسرح صنو التقدم الأجتماعي والتحرك الى الامام  ، فأذا تعثرهذا التقدم في يوم ما ، أنتكس المسرح بدوره ، المسرح رمز لهذا الحراك الموضوعي ، بيئته الديمقراطية والحرية  والسلم الاجتماعي ، وأن صَمَتَ المسرح اليوم في ظل الكارثة المحيقة بالجميع فهو صمت مؤقت ، والمستقبل في كل الأحوال هو مع منطق التقدم الحتمي .