لمناسبة يوم المسرح العراقي

حداثات غائصة في الماضي: الجدل ومصيره

 

 

عادل كامل*

 

     ليس بدافع البحث عن (جذور) يتاح لنا وصف المحاورات الشهيرة في الأدب السومري؛ محاورات: السيد والعبد/ المتفائل والمتشائم/ الهي المواشي والحبوب/ الشجر والقصب..الخ إلا مقدمة لا تنفصل عن المحاورات الأقدم الخاصة بالآلهة وبخلق الإنسان، والشرائع، والأدوات..ذلك لأنها اعتمدت تشخيص فجوة بين الحدود: بين الآلهة في البدء.. وبين الآلهة والبشر.. وبين طبقات الناس. وهي المسافة ذاتها التي ركزت على التوتر، والتقاطع، والتي أفضت إلى ما سيعرف بالجدل. انه الحوار بمختلف درجاته الذي شيّده (الكاتب/والمتلقي) للوجود: إشكالية تطلبت تمهيدا ً ـ ووسطا ًـ ونهاية. وقد بينت الدراسات المتأخرة أن الحضارات القديمة، لم تكن منعزلة، فبحسب قدم ظهور الكتابة، يمكن تتبع الأصول والانتقالات وتبادل ما هو ابعد من النص (المحلي) نحو ثقافة لها سمات شاملة،مع التمسك بما سيشكل الهوية.

     أقول: ليس بدافع من لا يمتلك إلا ماضيه الغابر ـ يمكن إرجاع المسرح إلى تلك الحقب الزمنية، بل لان ذلك الماضي، لم يعد إلا ماضيا ًمشاعا ً، لحضارات غدا عملها ألتشفيري يعمل طالما وجد من يعيد إليه الحياة. فحضارة البحر المتوسط، لا تجاريا ولا سياسيا ً، كان ينقصها الاتصال بحضارة الشرق القديم، وفي مقدمتها حضارة وادي الرافدين فالثقافة لها امتياز عمل البذور.

     فهل نشأت خشبة المسرح، تحت سقف المعبد، بعد أن تكّونت مدن الحداثة، بدءا ً بالمدن السومرية، والاكدية، والبابلية، والكلدانية، وصولا إلى نينوى ومدن الحضارة الآشورية؟ بمعنى: هل كان للمعبد، وقد شكل ـ مع السلطة السياسية ـ مركزاً للنظام الثيوقراطي، بنية لنشوء السرديات الكبرى: ظهور الآلهة.. ومن ثم: ظهور الإنسان؟ الآلهة التي لا معنى لوجودها إلا عبر الكتابة ـ التدّوين.

     إن فك ملغزات نصوص ذلك الماضي، منذ الألف الخامس، مازال ينتظر من يستكمل ما قام به عدد من كبار علماء الآثار ـ والمؤرخين. فالوصف العام للسرديات ينتظر دراسات تخص تخصصات بالغة الدقة ـ كدراسة لغاتها، وإجراء مقارنات لعلوم أدت إلى أشكال المعرفة ورموزها، كي لا تشكل التحليلات والتأويلات المتأخرة، نهاية لتلك الحقب التدشينية لأفكار مكثت تجد امتدادها، في حضارات لاحقة، أو مجاورة.

     إن موت اللغة السومرية، وانتشار اللغات الجزرية، منذ سرجون الاكدي، حتى نهاية الإمبراطورية الآشورية، سيشكل احد أهم المداخل لدراسة حقائق الصراع. فالجدل لا يمكن فصله لا عن اللغة ـ كبناء ظاهراتي/ صوري ـ ولا عن مكوناتها، كمفاهيم لحتميات اجتماعية ستغدو (مجتمعية) على صعيد بنية النصوص الفلسفية، والأدبية، والتشريعية أيضا ً. فاللغة السومرية لم (تكتشف) بل صاغت، نظام هوية التفكيرـ عبر نظام الكتابة، كل ما سيتكرر في الحضارة الأكدية، والبابلية، والكلدانية، والأشورية، إلى جانب التأثيرات المتشعبة في الحضارات المجاورة، كالمصرية، ولحضارات البحر المتوسط، وبلاد عيلام ـ فارس.

    فثمة، في تلك النصوص، مسرحا ًلم يكن مندمجا ً، بنيويا ً، بالوظائف الحياتية فقط، بل كان يمتلك وظيفة استعراضية أيضا ً. فعندما سيعاد سرد قصص صراع الآلهة، وخلق الإنسان، ومعاقبته، بلغات ما بعد اللغة السومرية، فان مفهوم الصراع سيشكل مغزى لدينامية الوعي، وأساليبه في البناء. فإذا لم تجب تلك النصوص عن أسباب ظهور الآلهة، السابقة على ظهور الإنسان ـ ولغته ـ فان ثمة إجابات، بحدود الفلسفة السائدة، وبحدود الفكر الأسطوري، ستحاول معالجة هذه الإشكاليات الانطولوجية ـ والخاصة بمصائر الإنسان.

     وإذا لم تكن طقوس الدفن، كأقدم الأسئلة الخاصة بالمسافة بين الوجود والغياب، أي، بالمسافة بين الحدود، قد شكلت مسرحا ً حتم ظهور البدائل، ضمن دورة الحياة، فان الحكمة المستقاة من الخبرة، وبكل ما سيشكل المنهج البراغماتي لاحقاً، قد نشأ مستندا ً إلى مكوناتها.

     وقد يكون المسرح البابلي، بظهور عاصمة كبرى كبابل، متأخرا ً، إلا أن هذا المسرح، لم يكن ـ وكان تقسيم العمل، والاختلافات، ومنها الاقتصادية، والفلسفية، والثقافية، قد نضج ـ منفصلا ً عن كل ما سيشكل أساسات المسرح الاغريقي. ففي حدود الألف الرابع، كان الصراع مازال خاصا ً بالآلهة، ومن ثم، غدا اكثر واقعية وأكثر صلة بالحياة اليومية ورموزها. وعندما ستسلط الأضواء ـ من منظور الحاضر ـ عليها، فان كثيرا ً من التأويل سيشكل عازلا ً عن فهم الوقائع، ومراحل الوعي، وما هو مشفر، فيها.

     هذا الموروث العام، منذ سومر، أنتج مئات النصوص التي لا يمكن فصلها عن مفهوم المسرح، بكل مدارسه المعاصرة: لا الواقعية.. ولا المضادة لها. لا التي ستكشف أنظمة اللاوعي ـ اللاشعور على صعيد النفس ـ ولا الأكثر لا معقولا ً، أو حكمة، أو فكاهة سوداء فحسب، بل مجتمعة، كي نتلمس تلك الوظيفة التي سمحت بصياغة إعادة تأمل المنجز ذاته. فالنص المدوّن، لم يعد منشغلا ً بما يجري، على صعيد آليات عمل المجتمع والدولة، بل على صعيد تأمل النص ذاته. فالفن ـ هنا ـ أسس وظيفة رمزية تمتلك واقعيتها تماما ً، الامر الذي سيثير الانتباه، حقبة بعد أخرى، لإشكاليات انتقلت من الفلسفة إلى اللغة، والى وظائها المتعددة. فالمسرح، عبر هذه الحقب، فسر الفجوات: من البرية إلى المدينة. ومن الآلهة إلى البشر. ومن الوجود إلى الخلود. ومن الثابت إلى الفكاهي. ومن الأبدي إلى الزائل... الخ وهي ذاتها تفصح عن درجة متقدمة في تأمل ما تم انجازه: فالمسرح، ليس إعادة تمثل ما حل واقعيا ً، كدروس، بل كعمل له استقلاله. لان الوعي ـ هنا ـ غدا وعيا ً  بالمسرح ذاته: الحوار. فالأخير، عبر مئات النصوص، غدا مهارة في الكلام ـ ومن ثم مهارة بنيوية على صعيد الكتابة، حتى أن ما تم نقله من تلك النصوص القديمة، يتطلب مراجعة جديدة لفهم طرق التشفير، كعلاقة الحروف الزائدة في مطلع كل سطر، والتكرار، ومعان الكلمة الواحدة واستخداماتها الرمزية... الخ إلى جانب ظهور المسرح ـ المكان مؤثثا ً وثقافيا ً ـ كمستويات متعددة ومتنوعة لمغزى الاختلاف ـ الجدل ـ في تصوير عناصر الصراع، ونهايته، وما يمثله (الوعي) على صعيد (الكتابة) الممسرحة للمرح ذاته. فثمة تنصيصات ـ بالمعنى المعاصر ـ عبر تحولات النص الواحد/ من السومرية إلى الآشورية، على سبيل المثال، لم يغفل مدونها ـ بوعي أو ضمن آليات عمل أنظمة اللاوعي الجمعي/ الفردي ـ للإفصاح عن بلورة مغزى التشذيب، لا كصراع بين حدين؛ كصراع الراعي والمزارع، أو ما سيحدث بن المعادن، بعد أمثلة  الصراع بين عناصر الطبيعة، وفئات الناس المختلفة فحسب، بل لبناء نصوص بلغت ذروتها كي تدفن، كما دفن تموز، بظهور فلسفات كلية عطلت عمل الجدل، لصالحها. لكن تموز لم يختف إلى الأبد. فالعمل الاثاري، منذ قرنين، ما انفك لا يعمل على نبش الماضي، بل على إعادة رؤيته بما بلغه من درجات فلسفية وتقنية في صياغة انطولوجيا العصور السحيقة، التي لم تغفل حكمتها، في أزمنتها. بل لأنها مازالت تمتلك أسباب استحالة إبقاءها تحت الأرض، أو في العتمة.

     لان النصوص المتوفرة، التي صاغت، معالم المسرح اليوناني، والأوربي خلال الآلف سنة الأخيرة، وصولا ً إلى القرن العشرين، لم يغب عنها ما هو معاصر: مغزى التصادم/ والحوار. مغزى كل ما هو مستحيل، وكل ما هو مبتذل. مغزى الشر أو البحث عن العدل. فالإنسان مكث، علامة لإنسانية كانت مهددة في وجودها. فلم تكن إشكالية (الاغتراب) محض مصادفة، أو فائضة، قياسا ً بإشكالية الموت، أو تدمير الملكيات ..الخ وهو الإنسان، مرة ثانية، بعد خمسة آلاف سنة، يقف أمام مشهد آخر لطوفان بمعناه الواقعي، أو الرمزي، الذي سيشكل مادة (خامة) فلسفية كبرى لن تغادر المجال السردي للإشكاليات الواقعية. ألا تشكل هذه المحاور ـ بما تأسس عبر الجدل والفجوات والانبثاقات ـ دعوة مسرح سيستعاد ـ ويستعيد ـ فيه المتلقي، بعد المؤلف وكل العاملين فيه ـ لمكانة تجعل أوهام الأمل، اقل غواية، من الطابع الاستهلاكي للذات ـ والجماعات/ والموارد ـ على صعيد الفن عامة، والمسرح على نحو خاص؟ لان سلاسل موت [الفن/ الفلسفة/ والإنسان] ليست إلا مظهرا ً، سبق للنصوص القديمة أن لفتت النظر إليها، مما يجعل (الموت) بحسب عمل التشفيرات الكامنة في النصوص، وظيفة تعمل على صياغة تمثلات لا تجعل الحياة فكاهة بلا مغزى، أو عبئا ً، كالذي حمله (أيوب) السومري، أو السيد المسيخ، أو قلب مشهد الموت العام، إلى احتفالية لعصر شفاف، بل فعلا ً ممتداً، كي لا يغدو الجذرمندرسا ً، بل عنيدا ً في عمله: الانبثاق.

* عضو رابطة نقاد الفن [الايكا]

Ak47882@yahoo.com