في يوم المسرح العالمي
نستذكر رموز إبداع المسرح العراقي
عوني كرومي : سطوةالمنفى وجماليات التجربة
د. حسين الانصاري
اكاديمي وناقد عراقي مقيم في السويد
هذه الايام التي نستذكر فيها مناسبة عيد المسرح العالمي ، ومسرحنا العراقي مازال ينوء تحت اعباء واثار ماتركته السنيين العجاف وما زادها سوادا وحزنا وتراجعا تحت غياب الاهتمام بهذا الفن ودوره الثقافي والاعلامي وقدرته على رسم الصورة الافضل للواقع، وهو الفن الاكثر تضررا مما يتعرض له الخطاب الثقافي والمثقفين من شتى صنوف الاهمال والملاحقة والتنكيل والاغتيال للكلمة الصادقة والحرة والنزيهة التي مازالت تقاوم وجود المحتل واذنابه على ارض الوطن الجريح ، وان ما يحصل اليوم هو تواصلا لجهود العديد من رواد ومبدعي مسيرة المسرح العراقي الذين نذروا انفسهم وبذلوا ارواحهم من اجل اعلاء شأن مسرح الحقيقة والحياة والانسان وكان المبدع الراحل عوني كرومي احد هذه الرموز التي نذرت روحها لتكون نبعا ونسغا في شجرة الابداع العراقي ،
يعد الفنان الراحل عوني كرومي احد رموز المسرح العراقي الحديث , فهو مخرج ذو رؤية ابداعية , واكاديمي تتلمذ على يديه العشرات من طلبة المسرح في العراق والوطن العربي . امتزجت عبر انجازه المسرحي الممارسة التطبيقية الى جانب الافكار النظرية التي تستند الى خزين من الخبرة المتأتية عن طريق الدراسة الاكاديمية العليا في اعرق جامعات المانيا (همبولدت ) وهي الاقدم في برلين التي احتضنته طالبا لسنوات عديدة ثم مزاولته التدريس في جامعات عربية و المانية . حفلت مسيرته الفنية بتقديم عشرات العروض المسرحية بتنوع مصادرها ومناهجها و مضامينها التي تتسم بالجدية و الموضوعية و الجمالية فكرا و اسلوبا . كان حريصا على استثمار الزمن المتاح و استغلال كل الفرص لتقديم المزيد من العطاء للاخرين , كنا نراه دائم العمل متوزع الجهد ما بين التدريس الاكاديمي والفن المسرحي و الكتابة البحثية والاشراف على عديد الورش التدريبية في بغداد او العواصم العربية الاخرى ، كان دائب النشاط ، امتلك حيوية الشباب معبأ بالافكار و الرؤى المستقبلية فما كاد ان ينجز عملا او بحثا , حتى نراه منشغلا بجديده من الابداع والعطاء المستمر
لديه عديد المشاريع و الطموحات تلك التي جهد من اجلها ، وكم كان يؤمل النفس على ان ترى هذه المشاريع النور في بغداد او العواصم العربية ، وعلى اثر تحولات عام 2003 , كتب دراسة علمية شاملة عن رؤيته لمستقبل الوضع الثقافي في العراق و ركز على دور الفن المسرحي و اهميته في عمليتي التغيير و البناء واعادة وجه العراق الى حاضرة التأريخ الحديث , لكن سرعان ما تبددت طموحاته تلك وضاعت في دوامة السؤال والفوضى والدمار الذي يلف البلاد ، لقد احترقت الامال و ما كان يحلم به اصبح مجرد كلمات داخل اوراق غير قابلة للتحقيق الان . هذا الهدف الذي عاش من اجله سنين طوال كان يراه حلما صعب المنال وسط ما حل بالوطن من خراب وضياع الامن والامان . فالمسرح الذي كان يريد ان تنبت فوق ارضة الزهور قد احترق واصبحت تطوق اسواره عجلات الماريينز وتلوث خشبته اقدام الطارئين والعابثين ، والافكار الحداثية التي نظر لها وكتب عنها الكثير ارتدت الى الوراء بفعل امواج طوفان التخلف و التخريفات الظلامية و الطائفية التي لا ترى في الفن و الثقافة إلا ما هو سيئ وفاسد و محرم . متعامين و متناسين هذا الفعل الابداعي الخالد على مر الزمن الذي ارتبط بالانسان و همومه و تطلعاته و مستقبله بفاعلية افكاره النيرة وامكانياته المعبرة وجمالياته الساحرة .
الاسلوب في مسرح عوني كرومي
ان مصادر الخبرة التي امدت الفنان الراحل بهذا الخزين من العطاء المسرحي يمتد الى سنوات
دراسته للمسرح الالماني في جامعة – همبولدت – التي حصل فيها على شهادة الدكتوراه اذ اهتم كثيرا بمسرح برخت و تأثربطروحاته الفكرية التي كان يشاهدها في مسرح البرلين انسامبل ، وسعى الى الافادة منه في عدة تجارب من بينها ( غاليلو غاليليه ، كوريولان ، رؤى سيمون ماشار ،القائل نعم القائل لا ، الانسان الطيب ، وغيرها حيث وجد في هذا الاتجاه اسلوبا مناسبا للتعبير عن ما تبناه من قيم و مضامين انسانية وفلسفية واجتماعية ، وبما ينسجم ورؤاه الفنية والجمالية .
كما انه جرب اسلوب المسرح الشعبي والمسرح داخل المسرح في العرض البالغ التأثير- ترنيمة الكرسي الهزاز – تأليف فاروق محمد حيث حاول هنا توظيف بعضا من تقنيات المسرح الشعبي ، ولعل في مقدمتها اختيار مكان العرض في بيت تراثي قديم ( فضاء منتدى المسرح ) حيث جعله مكانا شبه مهجور ومعزول مما عمق من حضور الشخصيتين اللتين جسدتا احداث العرض ، انه في هذا العرض لم يستخدم الا بضعة مفردات في الديكور وكان الفضاء عاريا الا من ذلك الكرسي الهزاز الذي اضفى على المكان مزيدا من السكونية والرتابة ، كما سعى لخلق اجواء طقسية صوفية مستمدة من التراث العراقي فكان لذلك كله ارتباطا موحيا بمرجعيات المتلقين ، لقد استند في صياغة هذا العرض الى فلسفة واقعية منفتحة على تيارات وتجارب متنوعة ، الامر الذي اكسب العمل خصوصية بيئية محلية تمتد بتفاصيلها الى الزمن المعاصر وهذا ما اوحى به الشكل البصري والفضاء العام والمفردات المستخدمة من ادوات وموسيقى وغناء وحركة عمقت العلاقة بين طرفي الارسال والتلقي .
وما يحسب للفنان الراحل هي قدرته الفائقة في التعامل مع المكان الذي يختاره لتقديم عروضه ، اذ انه يستطيع ان يكييف اي مكان بما يتلائم وافكاره الاخراجية المتجددة ، لقد عمل في مسارح محتلفة منها الكبيرة وذات التقنيات المتطورة مثل – المسرح الوطني ومسرح الرشيد - والصغيرة المتواضعة مثل مسرح الستين كرسي –المسرح الشعبي – الذي ارتبط به جسدا ووجدانا حيث كان يعتبره بيته الثاني الذي كان يقضي فيه معظم وقته حيت تجارب العمل والابتكار . كما فدم عروضا في قاعات دراسية في فضاءات الجامعات التي عمل فيها ، وكان للامكنة العامة حصتها من ابداعاته فقدم بعض عروضه في الكنيسة والمقهى والبيوت ايضا .
ومن السمات الاخرى التي تميز اعماله انها ورغم تواضع الجوانب الانتاحية فيها لكنها بقيت محافظة على جدية توجهاتها وعدم تخطيها للجانب الابداعي والقيم الجوهرية الانسانية التي تميزها .
حرص الفنان عوني كرومي على ايلاء الفنان – الممثل –اهتماما واضحا بل لطالما اعبتره اساس العرض وحامل رسالته كونه وسيط الارسال عبر وعيه وفكره وقدراته الادائية التي كان يسخرها وفق صياغات ماهرة ضمن حالات من التعبير المتنوع والتحولات الدلالية المحملة بالرموز والمعاني التي تتكامل بقابليتها لتعدد القراءات وانفتاحها لمستويات لاحصر لها من التأويل .
ان مسرح عوني كرومي بكل تجاربه انتمى للانسان والشعب والوطن الذي منحه كل جهده وطاقته ووقته وحياته التي قضاها في العراق او الاردن اوبرلين استاذا ومخرجا وباحثا ومجربا في فن المسرح بما يختزنه من امكانات تعبيرية خلاقة ، ليكون بذلك سلاحه في النضال ورسالته في الفكر والابداع والجمال الذي اعتاد ان يزرعه في كل مكان حل فيه .
كان فناننا الراحل متمردا على كثير من الممارسات والسياقات التقليدية في العمل والحياة ، لانه وجد في تجاوزه ذاك حالة من حالات اعادة بناء الذات والوجود، لهذا كان دائم البحث عن الخصوصية والتفرد ، لم يرضخ الى المألوف والجاهز والمستهلك ، كان مؤمنا تماما بجماعية الانجاز وتلاقح الخبرات ، لهذا كان دائم التحاور مصغيا لمختلف الاراء ، مارس التجريب من اوسع ابوابه ـ
كان كاتبه المفضل هو هاينر ميللر واعتبره نموذجه في التمرد الفني لما يتوفر في اعماله من قدرة واضحة على التجاوز كونها تنحو لسقوط المعنى الاحادي وتشظي الاهداف واختلاف المقاصد والرغبات التي يسعى اليها الانسان لاسيما في هذا الزمن الصعب وما أل اليه العالم في ظل التفرد للقوى الكبرى وتسييد لغة الحرب وتفشي الكوارث وانتشار الفوضى والدمار والتخلف وفقدان الامل لدى الناس البسطاء الذين حلموا كثيرا بالغد ولكنهم لم يجنوا سوى اليأس والانتظارالطويل .
مسرح المهجر: التجربة والمعاناة
في عودته الثانية والقسرية للمهجر حمل الراحل اسئلته المقلقة ، من انا ؟
من الاخر ؟ اين أنا ؟ الى اين أذهب ؟ ماذا أريد ؟ هذه الاسئلة وغيرها دفعته الى اجراء مراجعة ذاتية شاملة محاولا خلق ميكانيزمات جديدة وابتداع أليات مناسبة للتوافق مع متغيرات الواقع الجديد .
ان ضريبة الاغتراب والمنفى لها تأثيرات بالغة على نفسية المثقف الفنان وادائه ومستوى عطائه نتيجة اسباب شتى منها ما يرتبط بالحالة الذاتية ومنها ما تمليه طبيعة الظروف الخارجية ، ومن هنا يتوجب على الانسان المغترب ايجاد السبل الدفاعية عن النفس والوجود ، فأذا كان فناننا الراحل يدافع عن اثبات وطنيته في بلده الذي هيمنت فيه ارادة الحاكم الديكتاتور وتسيدت فيه قوانين الرأي الواحد والحزب الواحد والولاء الاوحد والفن الدعائي المؤدلج، فقد اصبح هنا مدافعا عن انسانيته واثبات وجوده الفني ، اذ لم تعد حدود الوطن والقومية هي التي تربطه بالمشاكل الاجتماعية والاسئلة القائمة .
وفي هذا الصعيد عمل المخرج عوني كرومي مع جهات مسرحية عالمية ،اذ تعامل مع فرق من النرويج وقدم نصا بعنوان –من السماء – للكاتب ايريل كيتلسون ومع المسرح الالماني عبر عدة نصوص المانية التأليف تارة وعربية مترجمة لعل أخرها كان عرض – مسافر ليل – للشاعر صلاح عبد الصبور . كما كانت له تجربة او اكثر مع المسرح البريطاني والكردي ايضا .
وتعد تجربة المخرج الراحل مع المسرح في المهجر تجربة عسيرة بل قاسية احيانا
حيث إن ما قدمه من اعمال وتجارب لم تشفع له بفتح الابواب الموصودة تجاه الثقافة الوافدة ، وفي هذا الصدد قال : كنا نعتقد ان المسرح في بلدان المهجر سيفتح ابوابه مشرعة ويرحب بنا ، ولكن رغم منافستنا لهم ان لم نقل تفوقنا في هذا الشأن فأن جدار القطيعة مازال عاليا ، والواقع خلاف كل التوقعات ، لان الاخر لا يقيمك مادام لايعرفك ، وان تنازل قليلا وحاول ذلك فأنه في احسن الاحوال سيعرفك من خلال تجربتك معه واستنادا الى قدرتك للانصهارفي ثقافته ، ومن هنا تنشأ المعاناة في مسرح المهجر حيث يتوجب عليك الى جانب هذا ان تبحث عمن يمول انتاجك ، ومن ثم عن الفريق الذي سيشاركك التجربة وتنتمي لها بصدق ، وهذا ليس امرا سهلا ان تجعل الاخر قريبا منك وهو لايعرفك جيدا ، عليك انت ان تفهمه وتفهم افكاره وطريقة عمله واهدافه لان الاخر لايريدنا ان نراه بعيون غريبة ودخيلة ، كونه ينطلق من خلفية بأننا قدمنا من عالم مازال لم يلتحق بركب التحضر من وجهة نظره .
ان مؤسسة المسرح الاوربية مازالت مرتبطة بنظرة انانية و عنصرية احيانا , رغو شمولية الفكر الانساني لذا من الصعب ان تجد لك موقعا فيها, فهذه المؤسسة استهلكت الكثير من الحرفيين وانصاف المبدعين و تجار المسرح , من اجل تصل لهؤلاء عليك ان تمر بطريق شائك و طويل , يتوجب ان تدخل هذه الثقافات وانت متسلح بمعرفة كبيرة وان تكون على دراية وفهم للذات المطلقة عند الاخر, لقد كنا على الهامش تماما . و لكن لم نستكين للواقع و بدانا نعمل ونجدد من خلال _ الكيتو _ القريب كي نقدم و نبلور قدراتنا للاعتراف بها و بوجودنا هنا ... الشعراء عملوا من قبل على تهديم الاسس القديمة والانماط التقليدية فجأت الحداثة و ما بعد الحداثة كي تفرض نفسها على واقع المسرح الاوروبي و تفرض نمط جديد . ان التجديد الذي تحقق في المسرح الالماني كان من خلال الاجانب الذين ازداد وجودهم بعد الحرب العالمية الثانية واستطاعو ان يكسروا التقاليد و يبحثوا عن منافذ للنفس الانسانية الكامنة في شخصية المغترب وما تحمله من تداعيات على الذات و الوجود ضمن دوامة النظام الراسمالي و ما الت اليه االبشرية بعد شيوع عولمتها الجديدة ومعطياتها النافذة في كل الاركان. انهم لا يريدوننا كما نحن بل كما يرغبون , و لكن علينا ان لا نكون مثلهم . لان ما وصلوا اليه لا يحتاجون له مرة اخرى , علينا ان نتجاوز ذواتنا ، ونعترف اننا نزرع في ارض غير ارضنا ، ولكن كيف ونحن وسط امواج الحداثة الغربية ؟
ان صيرورة العمل في المهجر لا تحسب فقط برغبة البقاء و الاستمرار في الحياة وانما رغبة في تأكيد الذات واثبات الوجود وهذا لايتأتى الا بالاجتهاد والمثابرة و التطور وهي اليات مرهونة بالزمن و العمر و الخبرة التي نحملها .
قد يحتاجوننا كجزء من الديكور الحياتي العام او ربما يجعلوننا رتوشا لثقافتهم ، يجملون فيها صورة العربي في مجتمعاتهم ، يريدوننا ان نكون سياحين اكثر من السواح وفولكلوريين اكثر من الفولكلور ، يريدونك ان تشوه وتمسخ وتدين شخصيتك لتكون اكثر مقبولية في مجتمع يستهلكك ويحولك الى رقم مجهول ضمن الخارطة الاستشراقية .ان المجتمعات الاوربية والغربية عموما هي ليست مجتمعات الحرية والديمقراطية التي كنا نظن لان مفهوم الحرية الحقيقية يرتبط بحرية العمل والتعبير عن الذات وليس ات تعيش فقط ، المجتمعات الحديثة قد تجاوزت اسئلة المأكل والملبس والمسكن وانتقلت الى مستوى حريات الفكر والابداع ،
ان المهاجر هنا يكون محددا بالشروط الاستهلاكية ومجبرا على التنازل عن حقوقه في ممارسة العمل الذي يرغب لا سيما في الميدان الثقافي وان وجد فرصة ما فتكون في المواقع الخلفية دائما . انهم يمنحوننا فرصة العيش على الهامش وان نستهلك ما ينتج لنا وليس ما ننتجه نحن ، وصحيح ان هناك مؤسسات عنوانها العمل من اجل التكييف والاندماج في المجتمع الجديد ، ولكن من يستطيع ان يشارك او يؤثر في خططها المرسومة وقراراتها النافذة ، ولكي تواصل طريقك الذي اخترت عليك ان تعمل وتصبر وتنتج في كل الظروف واحيانا يكون الزمن ليس في صالحك، فتموت وانت ما زلت تلهث في الكواليس الخلفية ، لهذا نرى ان الكثير من البراعم التي تفتحت وابدعت في اوطانها قد اضمحلت وذبلت في بلدان المهجر.
وامام هذا الواقع المرير ليس امامنا سوى خيارين ، اما ان نذوب في الثقافة الهامشية واما ان نواصل الدرب رغم وعورته ونواجه المصاعب الجمة بأتجاه الثقافة الرصينة متخذين من محليتنا سبيلا الى العالمية ، ولكن ماذا يفعل المبدع إذا كانت هذه المحلية تسير نحو المزيد من التراجع والتخلف والتدجين والاصولية والتحنيط ، انها نتائج ومعطيات السياسة الخاطئة ، والاقتصاد المتدهور ، وبرامج الثقافة الكسيحة التي يخططها السياسيون بما ينسجم وشروط سلطتهم وبقائهم .
إذن انت مغترب في وطنك اولا ، فكيف الحال في مدن الاغتراب والمنافي والشتات
اننا ندور، نعمل ، نتذكر ، نترصد الفرص ، وننتظر كما انتظر نيوتن سقوط تفاحته
بل اصبحنا مع السنين ننتظر غودو الجديد .ان ترويج العمل الثقافي هنا من الامور البالغة الصعوبة، ورغم كل هذه المعوقات واصل الفنان الراحل جهوده ولم يتوانى او يتلكىء يوما عن العطاء الملتزم والواعي واستطاع ان يخطو الى الامام مما جعل الاخر يحترم عروضه ورقي اعماله ، حيث قدم العديد من النصوص العربية باللغة الالمانية وبالعكس ، لقد فتح نافذة للعلاقة الجديدة بين الشرق والغرب ، كما اسهم عبرتجاربه المتنوعة التعريف بمبدعي المسرح العراقي في الداخل كتابا وممثلين ومخرحين وتقنيين – اولئك الذين استدعاهم للمشاركة في مشاريعه الابداعية سواء في العروض او الورش الفنية او عبر الندوات والحلقات الدراسية. ظل وفيا لمبادئه وحريصا على مواصلة العطاء رغم جراحة والامه واحزانه المتراكمة جراء الغربة والاغتراب والابتعاد عن الوطن واهمال ماتم انجازه هناك حيث ربطته علاقة وشيجة مع جمهوره العربي ، كان يقول اتمنى ان لااموت سريعا لان الانسان كلما يكبر يزداد نضوجا وتتعمق تجربته لكن في الوقت ذاته يشعر انه غير قادر على تقديم كل ما يمتلك من ابداع وسط هذه الظروف وقصر الزمن . كان يحلم بان يتمتع العراقيون بطعم الديمقراطية في العراق لانها اجمل والذ من ان يعيشونها داخل الديمقراطيات التي لم يساهموا في انجازها هنا , انها ليست لنا بل نحن نتذوق طعم ماانجزه غيرنا.
خاتمة
لقد رحل المبدع عوني الذي رافقته طالبا في الدراسات العليا وزميلا في هيئة التدريس في كلية الفنون الجميلة ببغداد ورفيقا في النشاطات الفنية والثقافية في بعض العواصم العربية والاجنبية ، رحل هذا المبدع الكبير وهو مهموما بحب الوطن النازف الذي عمق جراح قلبه الواهن من ثقل محبته للعراق ، رحل لكنه سيبقى ذكره خالدا في العقول والنفوس والقلوب التي احبته ، وسيبقى تراثه الابداعي خالدا لدى الاجيال التي تتلمذت على يديه فزرع لديها قداسة المسرح والعمل المتواصل والتجديد والمحبة التي كان نبعها في كل وقت ومكان
ايها الراحل الجليل ياغاليلو المسرح العراقي ، ودعتنا جسدا لكن فكرك النير سيبقى هاديا لنا في دروب العطاء والمسرح والحياة الكريمة التي نريد.