حوارات مسرحية:\مجلة الخشبة                                        سامي عبد الحميد : المسرح العراقي: تقنيات غربيّة بطابع محلي / علي السومري
بتاريخ الجمعة 14 نيسان 2006
الموضوع: حوارات

سيرة ثقافية
ـ من مواليد” السماوة “ عام 1928 ومن آب موظف في الدولة.
ـ يحمل شهادة الليسانس في القانون ودبلوم معهد الفنون الجميلة بغداد ودبلوم الاكاديمية الملكية لفنون الدراما ـ لندن وماجستير العلوم المسرحية  ـ جامعة اوريغون ـ اميركا، ودكتوراه الفنون المسرحية ـ جامعة بغداد .
ـ عمل معاوناً لعميد كلية الفنون الجميلة ـ جامعة بغداد مدة طويلة. ويعمل حالياً استاذاً متمرساً في قسم الفنون المسرحية في الكلية وعمل لاربع سنوات رئيساً لقسم المسرح بدائرة السينما والمسرح/ وزارة الثقافة والاعلام.
 
ـ الف وترجم عدداً من الكتب في مجال اختصاصه ومنها ـ فن الالغاء، مدخل الى فن التمثيل، العناصر الاساسية لاخراج المسرحية ، المكان الخالي، تجربتي في المسرح. ـ اشرف على رسائل واطاريح للماجستير والدكتوراه لما يزيد عن ثلاثين طالباً وطالبة.ـ من ابرز اعماله في الاخراج المسرحي: القرد الكثيف الشعر، ملحمة كلكامش ، ثورة الزنج ، بيت برناردا البا، هاملت عربياً، عطيل في المطبخ، في انتظار غودو، الى اشعار اخر، الكفالة، المفتاح، الخان، تموز يقرع الناقوس، طقوس الندم والدم.

 

* كنت في قلب البعثات الأولى الى عالم الغرب” المملكة المتحدة  “ وغيرك ذهب باتجاه الولايات المتحدة، او ايطاليا... الخ، وفي اثر هذه البعثات تشكل مصطلح الريادة في العراق. ما اهم ملامح مفهوم هذا المصطلح في الحقل المسرحي. اعني كيف تسمي خارطة ”اسماء“ الريادة وكيف تحدد اتجاهاتها المسرحية؟


ـ افهم”الريادة “ على انها السبق في ارساء دعائم الكيان. وعليه فقد كان”حقي الشبلي “ اول الرواد لانه اول من وضع اللبنات العلمية للفن المسرحي في العراق وعلى يده تعلم الجيل الاول من المسرحيين الرواد: ابراهيم جلال وجعفر السعدي وجاسم العبودي واسعد عبد الرزاق وابراهيم الخطيب وآخرون. وعلى يد اولئك تعلم الجيل الثاني: يوسف العاني وبدري حسون فريد وسامي عبد الحميد وخليل شوقي وزملاؤهم... ثم جاء جيل ثالث من الرواد: قاسم محمد ومحسن العزاوي وسعدون العبيدي ومحسن سعدون وجواد الاسدي وسهام ميخائيل وصلاح القصب وسليم الجزائري وفاضل خليل وعوني كرومي وآخرون كثير. وكان للبعثات في دول الغرب . شرقها وغربها اثرها في صياغة تقنيات كل جيل من تلك الاجيال. وقد اختلفت المسارات والتوجهات على وفق المناهج التي تعلم افرادها بموجبها وعلى وفق الايدلوجيات التي كانوا يحملونها او حملوها قبل التحاقهم بالبعثات.
الشبلي “ نقل معه ملامح رومانتيكية في نهاياتها في فرنسا وجاء ليطبق”كلائشها “ على طلبته. وبرغم فوائدها في اعداد الممثلين الا ان عدداً من طلبته تمردوا عليها ووجدوا في تطبيقها تحديداً لتطلعاتهم الابداعية.
وكان ”ابراهيم جلال“ في مقدمة المتمردين وجاء من بعده ”جاسم العبودي“ الذي اخذ يدعو لتطبيق ”طريقة ستانسلافسكي“ في اعداد الممثل وبناء الشخصية الدرامية، بعد ان تعلمها في معهد شيكاغو اخذ يشجع الطلبة على ترك الفعل الداخلي للشخصيات التي يمثلونها لغرض الوصول الى التعبير الخارجي. وبالضد من”العبودي “ راح”جلال “ يدعو لتطبيق تقنيات المسرح”البريختي الملحمي “. ولم يخرج افراد الجيل الثاني عن الاطارين السابقين بعد ان كانوا رواداً في تطبيق مبدأ”التزام المسرح بقضايا الشعوب “ متأثرين بالاتجاه اليساري ايديولوجياً وخصوصاً عندما التحقوا بفرع التمثيل في معهد الفنون الجميلة قبل التحاقهم بالبعثات العلمية خارج العراق وعلى المسارات نفسها تبعهم الجيل الثالث وبعد عودتهم الى الوطن تنوعت توجهاتهم واختلفت اساليبهم فمنهم من كان انتقائياً لا يلتزم باسلوب محدد، ومنهم من التزم بالواقعية واخرون اعتمدوا مبدأ”التمسرح “ في معالجاتهم الاخراجية. وقد انفرد صلاح القصب في اعتماد ما سماه”مسرح الصورة “، كما انفرد قاسم محمد في احياء التراث الادبي العربي وتوظيفه في الاعمال المسرحية. وكان الجميع ناقلاً تقنيات المسرح الغربي ولكن بمحاولة إضفاء الطابع المحلي.
ـ كملاحظ لتاريخ المسرح العراقي المعاصر، ارى ان المسرح العراقي تمركز في النص الشكسبيري اعداداً واخراجا ولهذا قويت روح الاعداد في المسرح العراقي وضعفت روح التاليف، بمعنى ان تأسيسكم كان يحتوي على خطأ تاريخي. ام ان ”شكسبير “ كان نقطة ارتكاز لعالم المسرح الاوسع!
ـ الدراما جنس ادبي غاية في الصعوبة والتعقيد ذلك لان شروط نجاحه عند عرضه على خشبة المسرح كثيرة، تتعلق بتأثيره في نفوس المتفرجين وكيفية استقباله ومن ثم الدخول الى قلوبهم او ربما عقولهم. وتاليف الدراما يحتاج الى فطنة والى خيال والى تحسس الواقع، والى الوقوف على مدى استجابة المستقبلين وكل ذلك يستلزم تقنية متفردةً ، قد لا يحتاج نظم الشعر ، بانواعه ، الى جميع تلك الشروط لكي ينجح الشاعر في اثارة سامعيه... وربما الامر كذلك بالنسبة لكتابة القصة القصيرة. وتلك الصعوبة وذلك التعقيد في كتابة الدراما سببت الندرة في اعداد كتابها الناجحين في كل عصر من عصور تاريخ المسرح، فالبارزون من الناجحين يعدون على اصابع اليد. فمن الكلاسيكيين لم يذكر سوى اسخيلوس وسوفوكليس ويوريبيديس وارستوفانيس: وبالتاكيد كان هناك كثيرون غير اولئك ممن مارس الكتابة للمسرح في عهد الاغريق القدماء. ومن الكلاسيكيين الجدد لم يبرز سوى كورني وراسيين وموليير ومن الرومانتيكيين كان شكسبير على رأس القائمة القصيرة. وربما استطالت القائمة بعد ذلك عند ظهور الواقعية والرمزية والتعبيرية . ومشتقاتها حتى نصل الى مسرح اللامعقول الذي لم يشهد سوى بيكت ويونسكو واداماوف وجينيه واربال والبي.
نعم، تمركز المسرح العراقي في النص الشكسبيري ، كما تمركز المسرح في بلدان اخرى على ذلك النص واسباب ذلك التمركز محددة بتناوله قضايا انسانية كونية حية في كل زمان ومكان”الغيرة “ مثالاً. وبتقنية الابسط في تفعيل الفعل الدرامي. وفي رسم واضح لدائرة العلاقات بين الشخوص. وفي نبش محركات الصراع. النص الشكسبيري يمسك بعصا الدراما من وسطها، فلا يطنب في الوصف ولا يبذر في السرد ولا يلجأ الى الغموض والايهام.
والاهم من هذا او ذاك، تحقيقه البلاغة اللغوية فكلماته لا تدفع الفعل الى التقدم وحسب بل ترسم صوراً يستطيع تمثيلها القارئ الشكسبيري - ومن النص الاجنبي المترجم عموماً، حيث لم تتوفر نصوص عديدة لكتاب عراقيين بالمستوى الفني والفكري المطلوب بوقتها. وليس هناك من خطأ تاريخي وهناك اقوام اخرى غير الانكليز سبقتنا بممارسة الفن المسرحي كما عرفناه. وكان كتاب المسرحية العراقيون الاوائل ما زالوا مبتدئين ، تنقصهم المعرفة والخبرة، ولم يتمكنوا من تحقيق الشروط المذكورة سلفاً في النصوص التي كتبوها، وكان الميل عنها بأتجاه النص الاجنبي يتناوله المخرجون اعداداً واخراجاً حيث وجدوا فيه ضالتهم في تحقيق طموحهم الفني وساهم التدريس في معاهد وكليات الفنون في ترجيح النص الشكسبيري حيث اعتمده التدريسيون في تدريبهم الطلبة. ولا بد من الاستدراك، حيث ان الميل باتجاه النص العراقي اخذ يزداد تدريجياً تبعاً لتقدم الحركة المسرحية واتساع رقعتها. ولا بد ايضاً من استدراك آخر هو محدودية المعرفة المسرحية لدى العاملين في حقل المسرح ولدى المعلمين وخصوصاً في بدايات مراحل التعلم والتعليم حيث لم تكن مطالعاتهم مقتصرة على ما توفر لديهم من ترجمات للنصوص المسرحية وكان اكثرها لنصوص شكسبير.
 
ـ استخدمت في مسرحية”عطيل في المطبخ“ الطابع العلامي للالوان ” الاسود والابيض “ فحل صراع الاشارات محل عالم الكثافة الفيزيقيةالمادية “ عطيل وعرقه وشفاهه الغليظة: و ” ياغو “ وطمعه ونفاقه وشراكه. هل يعد هذا تحولاً من الواقعية الى الحداثة في مسارك الاخراجي؟
ـ من مغريات النص المسرحي الشكسبيري فتحه الابواب العديدة للتفسير التأويل والتحديث. وهاجس التحديث طبيعة تفرضها المتغيرات في الواقع وفي التذوق. وقد دفعني ذلك الهاجس ، كما دفع غيري، الى التحول من الواقعية او من التقليدية الى الحداثة في الرؤية الاخراجية حيث وجدنا في عدد من نصوص شكسبير مرونة كافية للتحديث. هكذا فعل صلاح القصب ومع”هاملت “ عندما وضعها في بيئة قبلية افريقية، مع”الملك لير “ عندما وضعه في بيئة تجريدية. وسبق ان فعلت مثل تلك المقاربة مع”هاملت “ عندما وضعته في بيئة قبلية عربية وكما فعلت مع”ماكبثعندما تلاعبت بمشاهد المسرحية فاضفت اليها مقاطع من مسرحيات اخرى لمؤلفين من جنسيات وعصور مختلفة تصب كلها في المسار الذي سار بذلك الطموح الدموي، بينما قام القصب بأختزال النص الشكسبيري نفسه وحاول ان يلفه بأجواء عصابات المافيا .
الاخراجية حيث وجدنا في عدد من نصوص شكسبير مرونة كافية للتحديث. هكذا فعل صلاح القصب ومع”هاملت “ عندما وضعها في بيئة قبلية افريقية، مع”الملك لير “ عندما وضعه في بيئة تجريدية. وسبق ان فعلت مثل تلك المقاربة مع”هاملت “ عندما وضعته في بيئة قبلية عربية وكما فعلت مع”ماكبث “ عندما تلاعبت بمشاهد المسرحية فاضفت اليها مقاطع من مسرحيات اخرى لمؤلفين من جنسيات وعصور مختلفة تصب كلها في المسار الذي سار بذلك الطموح الدموي، بينما قام القصب بأختزال النص الشكسبيري نفسه وحاول ان يلفه بأجواء عصابات المافيا .
في”عطيل في المطبخ “ احالتني مراجع خارجية لاستخدام الطابع العلامي للاسود والابيض ولأعكسها على المراجع الداخلية الموجودة في النص ومن ثم لم يكن يهم الجانب الفيزيقي لعطيل بقدر اهتمامي بالاشارات القريبة بمظهر وجوهر الشخصيتين الرئيسيتين وكانت مقالة الدكتور”مالك المطلبي “ التي نشرت في جريدة الجمهورية بعنوان”عطيل الاسود والابيض “ من تلك المصادر وكانت مسرحية”المطبخللكاتب المسرحي الانكليزي”ارنولد ديسكر “ وتقع احداثها في مطبخ مطعم كبير وسط لندن ويدور الصراع فيها بين طباخين من جنسيات مختلفة مرجعاً ثانياً. اما المرجع الثالث فكان مشاهدة جمع من طباخي مطعم فندق الرشيد يخرجون من الداخل الى حدائق الفندق بملابسهم الرسمية البيضاء وكنت وصلاح القصب نجلس قريباً من حوض السباحة نتخيل مشاهد المسرحية تقع في تلك البيئة وكما افترضها القصب ولم يتمكن من تحقيقها لاحقاً.
في مجال التجول من الواقعية الى الحداثة جاءت مقارباتي لعدد من النصوص الاجنبية والمحلية الاخرى. ففي نص للادبية”لطفية الدليميبعنوان”الليالي السومرية “ حاولت وضع ملحمة كلكامش في اطار حداثوي عندما افترضت وقوع احداثها اليوم وفي منطقة الفرات الاوسط والنساء”الآلهة “ ليسوا سوى مواطنات قرويات من جهة، وتمثل رموزاً للطبيعة من جهة اخرى وفي مسرحية الشاعر الاسباني”لوركا“ ”ينبت رنارداً الياً “ افترضت ذلك البيت قفصاً كبيراً للطيور - النبات - وهو في ذات الوقت سجن. ومن منطلق الحداثة عالجت مسرحية جورج شحادة”مهاجر بريسيان “ ومسرحية دورنمات”الزيارة “.
 

 

ـ حاورت ” مسرح الصورة “ بالاشتراك فيه ممثلاً!
ما تقويمك لتجربة هذا المسرح في العراق؟
علماً بأن هناك الكثير ممن يعتقد انه جزء من عمليات فوضى لا فنية.
ـ يفتقر مصطلح”مسرح الصورة “ الى الدقة، فاذا غابت الصورة عن المسرح غاب المسرح. من هذا المنطلق سأقوم بتجربة هذا المسرح في العراق .
العرض المسرحي مركب من ثلاثة اجزاء لكل منها عناصرها يضعها المخرج جميعاً في خدمة مركب آخر هو الدراما المكونة من عناصر تمركز في الفعل الدرامي وتطوره. والاجزاء الثلاثة هي الجزء المسموع النص وكلماته والممثل ونطقه للكلمات والصمت ودلالاته والمؤثرات الصوتية والموسيقية ومسانداتها . الجزء المرئي- الممثل والشخصية والمنظر الاضاءة والملحات. الجزء المتحرك- الممثل والديكور والضوء. باستثناء عروض الباليه والتمثيل الصامت والرقص فان فنون العرض الاخرى،


 
بما فيها المسرحية، تحوي الاجزاء الثلاثة. وقد سار المخرجون منذ القدم وحتى اليوم على خلق التوازن بينها لغرض اسناد العناصر الدرامية وتوضيحها وتأكيدها . وفي كل مرحلة من مراحل تاريخ المسرح في هذا البلد او ذاك من يعطي اهمية اكثر لهذا الجزء دون الجزء الاخر من دون إلغائه. ويمكنني القول بان الانكليزي”ادورد غوردن كريغ “ هو اول من نادى بأعطاء الاهمية الاولى للجزء المرئي حيث اشار الى ان الجزء المسموع نستطيع الوصول اليه من خلال قراءة النص اما الجزء المرئي والجزء الحركي فلا يمكن التقاطه الا عن طريق المشاهدة. فالمتفرج يجيء الى المسرح ليرى صوراً متلاحقة، صوراً تتحرك. الجزء المسموع فن زماني والجزء المرئي فن مكاني اما الجزء المتحرك يجمع الفنين . واستطيع القول ايضاً ان الايطالي”فرانكو زفريللي “، وهو مخرج سينمائي واوبرالي ودرامي، اول من صنفت انتاجاته على انها باذخة في الصور مما عرضته للاتهام بانه يغرق تلك الانتاجات بالتفاصيل البصرية كما نال المديح للسبب نفسه، علماً ان هذا المخرج غالباً ما يصمم ديكورات مسرحياته اضافة الى اخراجها. ولا بد لي هنا من ان اقدم وصفاً لاحدى المسرحيات الشكسبيرية التي اخرجتها الفرقة”اولدفيك “ الانكليزية وهي”روميو وجوليت “ فقد التزم بالدقة التاريخية لمناظر مدينة فيرونا الايطالية من حيث الشكل المعماري وبأزياء شخوص المسرحية من حيث طرازها، ولم يفعل من اجل تحديثها سوى التخفيف من الحدة الايقاعية لالقاء الشعر وتقريبه من الكلام الاعتيادي واستبدال طرازية الحركة بطبيعتها. وقد عدت مقاربته تلك نموذجاً من نماذج الحداثة في القرن العشرين.
شاركت في تمثيل دور رئيس في ثلاثة من انتاجات صلاح القصب تحت لافتة”مسرح الصورةوهي”الملك لير “ و”الخال فانياو”الشقيقات الثلاثوشاهدت عددا اخر من انتاجاته بعين المراقب الدرامي ووجدت ان القصب لم يستطع الاستغناء عن الظلمة لتحل الصورة محلها ، بل وجدت انه اعطى للكلمة اهمية اكثر من اهمية الصورة كما فعل مع مشهد مناجاة ماكبث للخنجر الموهوم. واكتشفت ان القصب يشتغل على الاجواء اكثر من اشتغاله على المعاني والدلالات ولذلك نادراً ما يلجأ الى تحليل النص واستكشاف ابعاد الشخصيات ولذلك ايضاً نراه يستغني بسهولة عن عدد من الشخصيات التي افترضها المؤلف: في”الشقيقات الثلاث “ لميكوف لم يستخدم سوى ممثلة واحدة. ويجيء ذكر شقيقتيها على لسان الشخصيات الاخرى. واكتشفت ايضاً ان الاتجاه الذي سار به القصب هو التيار السوريالي حيث الصور الكابوسية والمبالغة وتعدد البؤر والتشويه واللامألوف. وقد استهوى ذلك الاسلوب عدداً من شباب المسرح في العراق فراحوا يتخبطون وقد يخطئون احياناً وقد يصيبون. وقاد مثل ذلك التوجه الى الاستسهال من جهة والى تشويه ابداع الاخرين. وراح البعض يتجرأ بادعاء موت المؤلف والغاء دور الكلمة في المسرح. وقد اثبت الواقع المسرحي لا في العراق حسب بل في جميع انحاء العالم بان الكلمة باقية بل هي ركيزة المسرح الاساسية خصوصاً عندما ترسم هي بالذات الصور المختلفة صحيح ان تأثير الصورة اقوى ولكن اليس استخدام وسيلتين للتعبير افضل من استخدالم وسيلة واحدة؟
*
كانت خريطة المسرح العراقي شأنها شأن الخرائط المصممة عن بعد ” وليست المنبثقة من الذات المسرحية “ قد تداولتها سلطتان: سلطة التوجيه الايديولوجي وسلطة التوجيه التجاري. كيف ترى واقع المسرح عبر مخاضه الديمقراطي الان..؟
ـ في الدول التي تسيّد فيها الحكم الشمولي وقع المسرح تحت ضغوط السلطتين- التوجيه الايديولوجي والتوجه التجاري. فمن جهة لا تريد السلطة الحاكمة ان يخرج المسرح عن مسارها وتراها تضغط من اجل وضع هذا الفن وغيره من الفنون في خدمتها او في خدمة الترويج لافكارها ومعتقداتها. وقد يستجيب بعض المسرحيين او قد يستلمون لتلك الضغوط فيستجيبون عندما يجدون تطابقاً او تقارباً بين افكارهم وافكار السلطة ويستسلمون عندما يجدون ان لا مجال لحركتهم الا في النطاق المرسوم لهم. وفي حال الاستسلام نادراً ما يستطيع المسرحيون انتاج عمل ابداعي فالابداع لا ينبع الا من داخل الفنان ولا على فرصة من الخارج. وقد يجد المسرحيون فرصة للزوغان او للتهرب من فرض السلطة الحاكمة تحقيقاً لطموحاتهم الفنية الفكرية. وهنا نذكر المسرحيين الدرس ابان الثورة البلشفية منذ استجاب اكثرهم لتوجهات الحزب الشيوعي الثورية حيناً ووجدوا فيها متنفساً لتطلعاتهم نحو التجديد، ولكن عندما تحولت تلك التوجهات الى ضغوط والى تحديد الاطر الابداعية رفضوها او تحايلوا عليها وهنا نذكر المخرج”فيزنولج ميرهولد “ ومحاولته تطويع الفن المسرحي لمتطلبات المجتمع الاشتراكي الجديد مشبهاً المسرح بالعمل والممثلون فيه اشبه بالعمال وفي تنظيراته عن”البايوميكانيكا “ استند الى النظرية”التايلرية “ في العمل والاقتصاد والتي حاول الحزب تطبيقها في الاتحاد السوفيتي ، وبعد حين تخلى عنها ولاقى الصدود من القيادة اكثر من ذلك كان الابعاد وكان آخرون امثال تايروف وناختانكوف لم يلتزموا بالواقعية الاشتراكية.
ومن الجهة الاخرى وجدت سلطة التوجه التجاري الابواب مشرعة لترسيخ نفوذها حيث استجاب جمهور غفير من العامة لعروضها ووجدوا فيها المجال الوحيد لقتل اوقات الفراغ والتسلية خارج اوقات الجلوس امام شاشة التلفزيون وحيث وجد تشجيعاً من السلطة الحاكمة لانها وسيلة لالهاء الناس وابعادهم عن التفكير بمشاكلهم. ولما زادت رقعة ذلك النوع من المسرح الذي اتخذ من التسلية وسيلة وهدفا، اخذ المستوى الفني والفكري لعروضه بالتدني تدريجياً حتى وصل الحضيض. وشكل اصحاب المسرح التجاري الهابط جبهة تدافع بقوة عن مشروعيتها واحقيتها وبالضد من المنادين بايقاف الموجة الغربية على المسرح العراقي.
واليوم وفي خضم الاضطراب الذي يمر به البلد وضمن الفهم الخاطيء للديمقراطية والمخاض الصعب فمن الصعب ان نعرف واقع المسرح ومستقبله فما زال المسار مظلما وسوف لن تضاء الاضواء. الا عندما يحل الاستقرار ويعم الامان. وبالتاكيد فسوف لن يأخذ المسرح التجاري المكانة التي اخذها سابقاً وبالتاكيد فسوف تتفتح براعم جديدة .
*
كيف ترى الدور الاكاديمي في حياتنا المسرحية : اهو جزيرة معزولة: تنتج عروضاً متعلقة بالتقويم الجامعي ، ام ان هناك املاً في ان يفتح الجدار الاكاديمي الرابع على الناس!
ـ بالتاكيد اصبح الدور الاكاديمي جزيرة معزولة حيث قلة ضئيلة من الخريجين من يتواصل مع الحركة المسرحية والاكثرية من الداخلين قد دخلوا من اجل الحصول على الشهادة ليس الا.
ونادراً ما تجد واحداً محباً للفن المسرحي ضمن الاعداد الكبيرة من الطلبة المقبولين . وكان لندرة المحبين”الموهوبين الجادين “ اثرها في الانتاج الاكاديمي المسرحي كماً ونوعاً مقارنة بما كان الحال في مرحلتي الستينيات والسبعينيات . التدريسيون من جانبهم لم يعودوا يمتلكون الحماسة الكافية للانتاج كما وكانوا من قبل حيث وجدوا من العمل خارج نطاق الاكاديمي المجال ارحب للمردود المادي والمعنوي ولا اعتقد ان هناك املاً لفتح الجدار الاكاديمي الرابع على الناس في المستقبل القريب. ربما بعد ان تزول مسببات النكوص.
*
يقوم مفهوم التجريب بالمسرح على الوصول الى بقاع لم تطأها قدم مسرحي
الا تلاحظ انه كان عندنا اقرب الى” اللعب “ الشخصي منه الى الابداع الجمعي؟
 
ـ اسيء فهم” التجريب المسرحي “ فاختلط الحابل بالنابل وعمت العشوائية والنزوات الشخصية وراح كل من هب ودب يدعي التجريب ومناهضة التقليد وصار الامر الى ان يعد التجربب هو القاعدة والتقليد هو الاستثناء وليس العكس. المسرح التجريبي يقتضي وجود” منهج “ والمنهج يقتضي وجود فرضية واجراءات واهداف يتبع ذلك الخروج بنتائج تتعلق اساساً على العلاقة بين الممثل والمتفرج، اعتماداً على البحث عن اسرار التلقي.

*حزت في السبعينات على شهادة الماجستير في الفن المسرحي من امريكا وبعد ربع قرن تقدمت لنيل شهادة الدكتوراه في علوم المسرح من اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد التي لم تكن تحتاج اليها اصلا الا يبدو الأمر غريباً؟!
ـ حين قبلت مبعوثاً لدراسة التمثيل من ”الاكاديمية الملكية لفنون الدراما “ في لندن لم اكن افكر بالحصول على شهادة عليا بقدر تفكيري في التحصيل العلمي وبقدر التفكير بالتفاخر بأنني درست الفن في معهد مشهور خارج البلد وبالفعل فقد كانت الشهادة التي حصلت عليها من تلك الاكاديمية لم تكن تؤهلني لمرتبة علمية بل كانت تأهلني لاحتراف المهنة. ولم يكن في ذهني يومها ان اكون اخر اعضاء هيئة التدريس في كلية جامعية بل ان اصبح ممثلاً ومخرجاً مشهوراً. وعندما التحقت مع عدد من امثالي من العاملين في الحقل الفني ، ضمن الكادر التدريسي في اكاديمية الفنون الجميلة يومها منحنا القاباً فنية خاصة وعندما اندمجت في اجواء التعليم الجامعي ومجالات البحث العلمي وجدت ان الحصول على المؤهل العلمي امر ضروري بل واجب وهكذا عملت على الحصول على شهادة الماجستير من جامعة اوريغون في الولايات المتحدة الاميركية حيث ضربت عصفورين بحجر واحد، اولهما جمع المعلومات للبحث الذي قدمته لنيل شهادة الدكتوراه وثانيهما نيل الشهادة الجامعية العليا. واقولها صراحة ان هدفي من الحصول على  الدكتوراه كان الحصول على مردود مالي اعلى وما زلت عند الرأي القائل ان العاملين في حقول الفن لا يحتاجون الى الشهادة العلمية بقدر احتياجهم الى تطوير نتاجهم الابداعي. فممثلة مقتدرة مثل” شذى سالملا تضيف لمركزها الفني شهادة الدكتوراه شيئاً ـ واناسامي عبد الحميد “ الممثل والمخرج لا تضيف شهادة الدكتوراه رقماً لرصيدي الفني ولكن يبدو اننا ما زلنا نحس بعقدة النقص من انتمائنا للوسط الفني ولا يمكن التخلص من تلك العقدة الا بالحصول على الشهادة العليا وبذلك يمكن تغيير النظرة المتخلفة تجاة عملنا الفني!