مسارات التدليس والتدنيس.. احتلال العراق في عامه السادس

عبدالحسين شعبان

2008-03-24
اعترفت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في سابقة خطيرة بحجم الكذب الذي مارسته بشأن الحرب على العراق. وأكدت دراسة تم نشرها مؤخرا عدم وجود روابط بين النظام السابق وتنظيم القاعدة، وهو أحد المبررات التي استخدمتها واشنطن في شن الحرب على العراق، لاسيما بعد شروعها بالتحضير لها بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية عام 2001، وهي الحرب التي تدخل عامها السادس هذه الأيام. أما مشروع «الوعد الديمقراطي» فلم يحمل أي برهان، فقد سكتت واشنطن عنه بعد أن تحول إلى كابوس مرعب، عناصره الإرهاب الأعمى، والتشظي الطائفي، والميليشيات المستفحلة، والفساد المستشري، وانعدام الأمن.
جدير بالذكر أنه بعد احتلال العراق بخمس سنوات ومراجعة قرابة 600 ألف وثيقة عراقية وضعت واشنطن اليد عليها بعد الإطاحة بالنظام السابق والسيطرة على بغداد، لم تعثر على أي أدلة تدمغ العراق بالعلاقة مع التنظيمات الإرهابية وجماعة القاعدة. ورغم أسر واعتقال عشرات من المسؤولين السابقين وإجراء تحقيقات معهم، فلم تتوصل الإدارة الأميركية إلى أي خيط يذكر بوجود علاقة بين أحداث 11 سبتمبر والحكومة العراقية السابقة.


وإذا كان هناك من تورط للنظام السابق فيما يتعلق ببعض الأعمال الإرهابية، فإنها في الغالب شملت قمع حركات معارضة وشخصيات ناشطة وملاحقتها في داخل العراق وفي المنافي، خارج نطاق القضاء وبوسائل غير قانونية. لكن هذا الأمر بلا أدنى شك، يختلف عن التورط في موضوع العلاقة مع تنظيم القاعدة أو أحداث 11 سبتمبر، ناهيك من وجود أسلحة دمار شامل، وهو الركن الثاني الذي حاولت الإدارة الأميركية أن توظفه كمبرر في الحرب على العراق عام 2003.

وللأسف الشديد، فإن بعض السياسيين العراقيين الذين برروا الأجندة الخارجية وزينوا التعويل على القوى الدولية التي ادعت أنها تريد تحرير العراق لا احتلاله بمن فيهم مثقفون، كانوا قد سوغوا غزو العراق، بل إنهم نشروا طائفة من الأكاذيب لا تقل عن أكاذيب الإدارة الأميركية بشأن وجود أسلحة دمار شامل، حتى أن بعضهم كان يصرح أو يلمح وكأنه خبير بالعلوم العسكرية والفيزياء النووية- بوجود مادة الأنثراكس التي يمكنها بظرف 45 دقيقة قتل مئات الملايين! وطالب هؤلاء -على نحو مباشر أو غير مباشر- بعقود تم توقيعها مع البنتاغون -أو بدونها- من واشنطن «انتشال» البشرية وإنقاذها من النظام السابق، وهو الأمر الذي برروه لحصار دولي جائر استمر 13 عاما!

لم تكن تصريحات وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد بعيدة عن هذه الأجواء حين قال: إن الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) وفرت أدلة دامغة عن وجود علاقة للنظام العراقي السابق مع تنظيمات القاعدة، وهو ما دفع كولن باول وزير الخارجية الأميركي السابق إلى تأكيد ذلك أمام أكبر محفل دولي في خطابه الشهير في الأمم المتحدة، رغم اعترافه لاحقا بعدم صحة المعلومات التي استند إليها، وهي التي روجها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير استنادا إلى معلومات استخبارية مزيفة من أطروحة أحد الطلبة العراقيين قبل أكثر من 10 سنوات على شن الحرب.

وكان هذا أمر سبعة مسؤولين أميركيين كبار آخرين، منهم ديك تشيني نائب الرئيس وكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الحالية ومستشارة الأمن القومي في حينها، وهؤلاء جميعا قدموا شهادات وأدلوا بآراء ونقلوا معلومات قالوا إنها دقيقة خلال عامين بين 2001 و2003 لتبرير الغزو الأميركي للعراق وقبله لأفغانستان. ويذكر أن 935 شهادة رسمية خاطئة أو «كاذبة» تم استعراضها خلال تلك الفترة بعد 11 سبتمبر بشأن المخاطر التي تهدد واشنطن!

ومؤخرا نشرت منظمة غير حكومية تدعى «صندوق دعم الصحافة المستقلة» معلومات قالت فيها إن إدارة بوش قادت الأمة إلى حرب على أساس معلومات خاطئة، بدأت تتكشف يوما بعد يوم.

وكان كولن باول الذي اعترف منذ وقت مبكر بأخطائه وعدم دقة معلوماته عن وجود أسلحة دمار شامل في العراق أو علاقة الأخير بالإرهاب الدولي، وهو ما فعله عدد من المسؤولين أو المؤيدين للحرب، وتلك ميزة للديمقراطية الغربية والأميركية تحديدا رغم كل ما لحق بشعوب المنطقة عن مساوئها في العراق وفلسطين ولبنان، إلا أن المصارحة والمكاشفة تتطلبان الإقرار بذلك. وكما يقال: الاعتراف سيد الأدلة، والخطوة الأولى لتحديد المسؤولية، وهو يتطلب في الوقت نفسه كشف الحقيقة كاملة والتعويض عما أصاب الضحايا وجبر الضرر وإصلاح ما تم تخريبه وإعمار ما تم تهديمه، فضلا عن ذلك إنزال العقوبة بمن كان المتسبب وفقا لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1949 وقواعد القانون الدولي الإنساني. إذ إن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، لاسيما وقد شملت جريمة العدوان وجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ذاتها.

ولنا أن نتساءل: ألم يحن الوقت لكي يعترف بذنبه من كان يدعو لاستمرار الحصار وينظّر للحرب على العراق ويحرض عليه بحجة نظامه الديكتاتوري الاستبدادي، لاسيما أولئك الذين خفتت أصواتهم بعد الاحتلال وهم يسمعون ويشاهدون كل يوم ما يجري من تطهير وقتل مذهبي وطائفي وعلى الهوية، وإرهاب منفلت من عقاله، وهدر للمال العام والفساد الإداري والمالي، وسوء الأوضاع المعيشية والصحية والتربوية، وانهيار المجتمع العراقي لاسيما بهجرة الطبقة الوسطى وقتل العلماء والأكاديميين، ووصول عدد اللاجئين والنازحين منذ الاحتلال ولحد الآن إلى نحو 4 ملايين و600 ألف عراقي حسب إحصاءات الأمم المتحدة؟
أليس من وخزة ضمير..؟ أم أن الضمير أصبح في غيبوبة ولن يستعاد بالوخز أو حتى بالصدمات؟!


• كاتب ومفكر عراقي

 

 

 

 

 

 

 

صحيفة العرب القطرية العدد 7225 الإثنين 24 مارس 2008 م ـ الموافق 16 ربيع الأول 1429 هـ