الإسلام / الماركسية علاقة الالتقاء و الاختلاف.....1

محمد الحنفي

 

 

 

و ما نيل المطالب بالتمني             و لكن تؤخذ الدنيا غلابا

احمد شوقي

 

 

 

* إلى كل الشهداء الذين اغتالتهم أيادي الظلام.

* إلى الشهيد عمر بن جلون الذي رحل قبل أن يؤدي دوره ...

* اهدي هذا العمل الذي لا ادعي انه ينال من العمق ما يستحق.

* من اجل أن نتذكر، و أن نعتبر، و أن نجتهد، و أن نبدع.

* من اجل أن نساهم في بناء ما بدأوه.

محمد الحنفي

 

 

 

قبل المقدمة واجب التوضيح :

إن موضوع " الإسلام / الماركسية : علاقة الالتقاء و الاختلاف " قد يجعل الكثيرين يستغربون طرحه الآن، و في هذه الظروف بالخصوص لكونه لم يعد واردا لا في فكر المتنبئين الجدد الذي يعمل كل مباضعه، و ما توفر لديه من إمكانيات لجعل الفكر الماركسي عدوا للإسلام، و عدوا للمسلمين. و يسعى فكر المتنبئين الجدد، و عن جهل بفكر الماركسية، إلى جعل المسلمين "يجاهدون" ضد الماركسية و الماركسيين، و بدون معرفة حقيقية لا بالماركسية و لا بالماركسيين لإتاحة الفرصة أمام السياسة الرأسمالية عن طريق عولمة اقتصاد السوق بطريقة همجية. نجد استمرار المتنبئين الجدد في تناول الماركسية و الماركسيين بالتجريح و النبذ، دعما لعولمة الاستغلال الرأسمالي و سعيا إلى تكريس التخلف عن طريق سيادة الفكر الذي يفتقد العقلانية التي اصبحت قاعدة في ممارسة الفكر البورجوازي، و البورجوازي الصغير، و الإقطاعي، و هو ما يتنافى مع تطور العلوم و التقنيات الحديثة كما يتنافى مع الدعوة إلى تعميم الممارسة الديمقراطية و حقوق الإنسان في جميع الدول التابعة التي يسود فيها النظام الاشتراكي دون الدول الرأسمالية أو المحكومة بالنظم المتخلفة المرتمية في أحضان أمريكا دون قيد أو شرط.

إن تناولنا لموضوع الإسلام و الماركسية، و معالجتنا لعلاقة الالتقاء و الاختلاف، إنما يهدف إلى تجديد التفكير فيهما سعيا إلى زحزحة ما اصبح أو ما أريد له أن يكون من الثوابت و هو العداء القائم بين الماركسية و الإسلام الذي لا يعبر عن العداء المطلق بقدر ما يعبر عن عداء مؤدلجي الدين الإسلامي للماركسية باعتبارها منهجا علميا يسعى إلى تحليل الواقع، و الكشف عن التناقضات القائمة فيه، و تفجيرها و التسريع بتجاوزها في أفق تحقيق المجتمع الاشتراكي، و هو ما لم يسع إليه الإقطاعيون و أشباههم البورجوازيون و كل من يتطلع إلى أن يكون كذلك.

فالكشف عن خلفيات تكريس عداء "الإسلام" للماركسية يعتبر من مهمة المثقفين الثوريين الذين تقتضي الأمانة العلمية أن يكونوا على معرفة عميقة بالإسلام و بالماركسية معا، من اجل البحث العميق في العلاقة بينهما، و إزالة اللبس الذي يبثه مؤدلجوا الدين الإسلامي لتشويه صورة الإسلام. فالإسلام إسلام، و الماركسية ماركسية، و شروط ظهور كل منهما مختلفة، و أهدافهما مختلفة، مع إمكانية التقاطع بينهما. و هو ما يمكن اعتماده للقول بأن العداء بين "الإسلام" و الماركسية عداء مفتعل، و هو ما يستلزم التصدي لهذا الافتعال لإرجاع الصراع إلى وضعه الحقيقي كصراع بين الطبقات الموجودة على ارض الواقع، لا بين السماء و الأرض، لأن صراعا من هذا النوع هو تحريف للحقيقة، و ظلم للواقع، وفقدان للعلم، و ابتئاس للمنهج. و لذلك رأينا انه من الضروري تناول الموضوع أعلاه، إثارة له، و مساهمة في النقاش الذي يجب استرجاعه إلى الساحة النظرية بصفة عامة و الفكرية بصفة خاصة حتى تتم إعادة النظر في المقولات الجاهزة عند مؤدلجي الدين الإسلامي و محولي الماركسية إلى عقيدة. و ذلك فهو المبتغى الأسمى الذي نسعى إليه، لأن إعادة النظر إذا تم الاقتناع بها تعني أننا نعترف بالجناية على الإسلام، و على الماركسية معا، و المستفيد الأول من تلك الجناية هم المستغلون الحاكمون المستبدون من "المسلمين" في بلاد المسلمين أنى كان لونهم، أو كانت هويتهم، سواء كانوا إقطاعيين أو شبه إقطاعيين أو رأسماليين أو شبه رأسماليين. فهم المستفيدون وحدهم من كل صراع غير حقيقي و غير مشروع. لأن الصراع المشروع وحده يرعبهم، انه الصراع الحقيقي بكل تجلياته الذي يعملون على تغييبه و استبداله بأشكال أخرى من الصراع . كالصراع بين مذاهب الدين الواحد كالسنة و الشيعة في الإسلام، و الكاثوليك و البروتستانت في المسيحية. و قد وجدوا في "الإسلام" و الماركسية مبتغاهم، فافتعلوا الصراع بينهما في الوقت الذي لم يسبق لهم أن افتعلوا الصراع بين "الإسلام" و الرأسمالية. و كان المفروض أن يكون الأمر كذلك، إلا أن المستغلين المنتمين إلى طبقة الرأسماليين و ما يشابهها استطاعت بذكائها الاستغلالي افتعال الصراع بين "الإسلام" و الماركسية بعد أن اكتسبوا المتنبئين الجدد إلى جانبهم بشراء ذمتهم : و هو ما يساعد على تغييب المعنيين بالصراع، و المعنيين بالاستغلال، و ذلك هو مبتغى الاستغلاليين الحاكمين المستبدين.

فهل يعمل المثقفون الثوريون، و المتنورون على إزالة الغشاوة عن أعين الناس ؟

إنها مسافة الزمن بين التضليل و بين الرؤيا الواضحة للطريق الصحيح . و الطريق الصحيح هو عودة الوعي الحقيقي إلى أصحابه الحقيقيين.

 

مقدمة :

مع حلول عصر العولمة، و انهيار المعسكر الاشتراكي و سيادة الرأسمالية الهمجية المتجسدة في اقتصاد السوق. و ظهور بوادر مقاومة من نوع جديد لهذا الاقتصاد، و تكثيف الحديث عن حقوق الإنسان الذي يعكس الغياب الفعلي لهذه الحقوق، و حلول خطر "الإرهاب"  محل "الخطر الشيوعي" الذي وظفت لمقاومته إمكانيات ضخمة، لا من اجل القضاء عليه، لأنه ليس موجودا أصلا، بل من اجل القضاء على النظام الاشتراكي الذي يستقطب أنظار الشعوب المقهورة، و كاد الحديث عن الماركسية يختفي من الكتب، و المجلات، و الصحف، و سائر وسائل الإعلام، و كأن الماركسية أصبحت سبة يتجنب الجميع أن ينعت بها. و اصبح العديد من الماركسيين، الذين نفتخر بكتاباتهم يعلنون توبتهم أمام أعتاب أنظمة البترودولار. و في نفس الوقت يتم الترويج لخطابات المتنبئين الجدد بكل الوسائل الممكنة و خاصة إذا كانوا "ماركسيين" سابقين، و غير الممكنة لمحاربة الفكر الاشتراكي العلمي، و تصبح الشعارات الأيديولوجية المنسوبة إلى "الإسلام" هي الهدف الذي تستقطب شعوب المتنبئين الجدد إلى تحقيقه.

فحلول عصر العولمة هو تتويج لخطة رأسمالية إمبريالية همجية تسعى إلى تحقيق السيطرة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية على شعوب الأرض التي توظف لمحاربة الفكر الماركسي على أساس انه ينشر "الإلحاد" و "الكفر" بين المسلمين، و تقديم الدعم الذي لا حدود له لأقلام المتنبئين الجدد التي تبشر ب"الإسلام". و تنشر "الفكر الإسلامي" الذي لا يمكن اعتباره إلا أيديولوجية ظلامية تستهدف تقويض الفكر العلمي، و زعزعة المنهج العلمي الذي هو جوهر الماركسية لتمهيد الطريق أمام اكتساح النظام الرأسمالي العالمي للقارات الخمس، و السطو على الخيرات الاقتصادية و استغلال الموارد البشرية و تعميم اقتصاد السوق، و بسط الطرق و الممرات أمام الشركات العابرة للقارات، و إغراق الأنظمة التابعة بالمزيد من الديون.

و بالمقابل ف "الإسلام" انطبع في أذهان الناس في جميع أنحاء العالم بما اصبح يعرف بالإسلام السياسي الذي يقود الثورة المضادة للحركة الماركسية بكل الوسائل الممكنة، و ضد الأنظمة التابعة، و على رأسها الدولة الصهيونية التي قاومها الماركسيون منذ البداية، من اجل الوصول إلى السيطرة على الكرة الأرضية بعد أن تلقوا دعما محدودا من قبل أمريكا لمقاومة "المد الشيوعي" و إلى جانب "الإسلام السياسي" هناك "الإسلام" الرسمي الذي تحتمي به الأنظمة التابعة التي توظفه لقهر شعوب المسلمين المقهورة خدمة لأمريكا، و محاربة الماركسية المتجسدة في حركاتها كأحد اوجه تلك الخدمة.

أما الإسلام الحقيقي الذي يبث القيم النبيلة في نفوس المسلمين و مسلكياتهم الفردية و الجماعية، و يوطد الروابط الروحية و الاجتماعية بين المسلمين في كل البلاد الإسلامية، هذا الإسلام هو ما يصطلح على تسميته بالإسلام الشعبي لامتزاجه بالعادات و التقاليد و الأعراف، و براءته من الممارسة الاسلاموية الرسمية و التي تختزل الإسلام في مجموعة من التيارات "الإسلامية".

و في هذا الإطار سنعالج العلاقة بين الإسلام كعقيدة و كشريعة ، و بين الماركسية كمنهج للتحليل و كهدف، واقفين على الشروط التاريخية التي ظهر فيها الإسلام، و الشروط التاريخية التي ظهرت فيها الماركسية، و اختلاف دور الإسلام عن دور الماركسية، و لجوء التيارات "الإسلامية" إلى تحويل "الإسلام" إلى ممارسة أيديولوجية مما يمكن اعتباره ممارسة تحريفية، واقفين على أهداف الإسلام و أهداف الماركسية و مجيبين على السؤال : ما هي نقط الالتقاء، و نقط الاختلاف ؟ و مستشفين حقيقة عداء الإسلام للماركسية و هل هو عداء حقيقي و أصيل في الإسلام ؟ أم هو مجرد ادعاء أيديولوجي ؟ و كذلك حقيقة عداء الماركسية للإسلام و هل هو قائم في الفكر الماركسي و الممارسة الماركسية ؟ أم انه مجرد افتعال من قبل المتمركسين ؟ و عاملين على الإجابة على السؤال هل يصح إطلاق المقولة الماركسية "الدين أفيون الشعوب" على   الإسلام ؟ أم انه مجرد زعم لا علاقة له بالشروط التاريخية التي جاءت فيها تلك المقولة ؟ و مستعرضين بعض اوجه ظلم بعض الماركسيين للإسلام، و ظلم الإسلاميين للماركسية و واقفين على إمكانية لاهوت إسلامي ماركسي، و على كرامة الإنسان بين الإسلام و الماركسية مستقبلا. و بذلك نكون قد قمنا بتحليل موضوعي للعلاقة بين الإسلام و الماركسية كمساهمة لمد الجسور بينهما من اجل مواجهة المد الرجعي المتخلف المتمثل في واجهتين : واجهة همجية اقتصاد السوق، و واجهة المتأسلمين الذين يؤدلجون الدين الإسلامي لتحقيق أهداف طبقية و سياسية معينة.