لا عدالة ولا تنمية في خطاب العدالة والتنمية.....6

 

محمد الحنفي


sihanafi@hotmail.com

 

 

إلى:

*
كل من آمن بأن الدين لله و جسد على ارض الواقع قوله تعالى " و أن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا"
*
كل من ناهض ادلجة الدين الإسلامي فكان حظه في سبيل ذلك أن نال شرف الاستشهاد.
*
كل الأجيال التي أصابها ضلال مؤدلجي الدين الإسلامي، فانساقت وراءهم، و أغمضت عينها عن رؤية الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي المتردي من اجل أن تستعيد وعيها بأن الدين الإسلامي ليس ما يدعو إليه مؤدلجو الدين الإسلامي.
*
كل من أدرك خطورة ادلجة الدين الإسلامي منذ البداية و لم ينسق وراء مؤدلجيه.
*
من اجل دين إسلامي بلا ادلجة.
*
من اجل مجتمع بلا إرهاب.


محمد الحنفي

 

 

 

 

 

 

التنمية في إنتاج خطاب التخلف:


و نظرا لكون خطاب العدالة في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) خطابا تضليليا، فإن خطاب التنمية في هذا الحزب لا يمكن أن يسعى إلى التنمية أبدا، و بأي شكل من أشكالها. لأن التنمية بالنسبة لحزب العدالة و التنمية هي دعوة إلى الرجوع إلى الوراء، دعوة إلى تقمص الماضي، و العمل على استعادة ذلك الماضي الذي اعتبر في نظرهم مثالا للاقتداء على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. لأن استعادة نموذج الماضي معناه استعادة الدين الإسلامي الذي لم يعد قائما، و لم تعد شريعته مطبقة، و النموذج الذي يعملون على استعادته لا يوجد إلا في أذهانهم هم، و لا يمكن أن يتجسد على ارض الواقع. لأنه لا يمكن أن نطوي أربعة عشر قرنا من التطور لنعود إلى نقطة الانطلاق، خاصة و أن التاريخ لا يمكن أن يقبل ذلك أبدا، لأنه لا يعود إلى نقطة الصفر. لأن العودة إلى ما قبل أربعة عشر قرنا يقتضي المعرفة الكاملة بذلك الواقع، و المرحلة التي يعمل الحزبوسلاميون على استعادتها غير معروفة تمام المعرفة، لأن ما كتب عنها جاء بعد مرور قرون، و اعتمد في كتابته على روايات قد تصل إلى درجة التناقض أحيانا، و بأن ذلك التناقض قد يصل إلى درجة النفي، و نفي النفي، و الذي نعرفه و يعرفه معنا الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) أن الظاهرة عندما تحدث لا تتكرر، و التكرر يعني أن الظاهرة لازالت قائمة، و ما دامت المرحلة الأولى من حكم المسلمين كظاهرة قد مر عليها ما يقارب من أربعة عشر قرنا، فإن معنى ذلك أن ذلك الحكم بما له و ما عليه هو مجرد حلقة من الحلقات التاريخية التي أصبحت في ذمة التاريخ. و الصورة التي وجدت في أذهان الحزبوسلاميين عن تلك المرحلة (الحلقة) هي صورة مضببة محكومة بالرؤيا المطلقة التي ترى في الأشياء اكتمالا مطلقا، و صلاحية مطلقة. و كان أولئك البشر الذين انجزوا ذلك الحكم كانوا مكتملين من كل الجوانب لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم و لا من خلفهم، ليشبهوا في ذلك الله، و حاشا أن يكونوا كذلك ، لأنهم مجرد بشر كسائر البشر في أي زمان، و في أي مكان، و الرسول نفسه ليس معصوما من الخطأ بنص القرءان الذي جاء فيه "عبس و تولى أن جاءه الأعمى" و جاء أيضا "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي" فما بالنا بغير مما يطلب منا أن نستعيد حكمهم في عصرنا هذا، حتى و إن كان أبو بكر، أو عمر أو عثمان أو علي، فهؤلاء جميعا يصيبون و يخطئون، و هؤلاء جميعا ينطلقون في حكمهم من انهم يعملون على تطبيق الشريعة، و هؤلاء جميعا قاموا بدورهم في مرحلة تاريخية معينة ، كل من وجهة نظره، و لا أحد فيهم كان كالآخر، و لا أحد فيهم اتفق مع الآخر، حسب ما تقول كتب التاريخ التي يمكن الرجوع إليها. و لذلك فالدعوة إلى العودة إلى الماضي هي رغبة حاصلة في اعتماد ذلك الماضي لاعطاء الشرعية لتكريس الاستبداد القائم أو لفرض استبداد بديل من قبل الحزبوسلاميين في (العدالة و التنمية) فكأن هؤلاء الحزبوسلاميين هم الخلفاء الراشدون، أبو بكر، و عمر و عثمان و علي، و كأن هؤلاء الحزبوسلاميين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم و لا من خلفهم، أي انهم يؤلهون أنفسهم، و يصيرون شركاء لله، و يفرضون على المسلمين عبادتهم. و العبادة عندما تكون لغير الله يكون هناك شرك، و عندما يكون هناك شرك ينتفي الدين الإسلامي، لأن الدين الإسلامي يتناقض تناقضا مطلقا مع الشرك بالله. و لذلك فخطاب التنمية الذي يعمل الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) ليس إلا سعيا للرجوع إلى الوراء، و الرجوع إلى الوراء، معناه التخلف على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، بالعمل على إلغاء أربعة عشر قرنا من التطور. و هو ما يعني الرجوع إلى الصحراء و الخيمة، و الجمال و حروب الكر و الفر التي كانت سائدة بين القبائل، و محاربة عبادة الأوثان من اجل توحيد عبادة الله، و وجود الرسول، و نزول الوحي ...الخ مما لا يمكن حصوله في عصرنا هذا. و ما دام حصوله غير ممكن، فإن الحزبوسلامي يختصر كل ذلك في جعل المنتمين إليه بمثابة الرسل الذين يتلقون الوحي من الله، و تصير تأويلاتهم الإيديولوجية بمثابة ذلك الوحي، و يصير الشعب المغربي بمثابة عبدة الأوثان، و على الحزبوسلاميين أن يجاهدوا فيهم، و يصير ما حصل في 16 ماي في الدار البيضاء بمثابة بداية لذلك الجهاد، و لا يهمنا إن كان من قام به من خارج الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) لأن خطاب التنمية الحزبوسلامي في (العدالة و التنمية) يكمل خطاب التنمية في أي حزبوسلامي آخر. حتى و إن سمى نفسه ب(السلفية الجهادية) أو (العدل و الإحسان) أو غيرها من التسميات، لأنهم جميعا لا يروجون إلا لخطاب تنمية التخلف. فخطاب تنمية التخلف هو خطاب تراجع التنمية البشرية إلى الوراء، و كأنه يمكن استرجاع التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية العبودية، أو النظام القبلي، أو نظام كسرى، أو غيره من الأنظمة التي كانت معروفة في الزمن الماضي. و تراجع التنمية إلى الوراء يعتبر من باب المستحيلات و خاصة في عولمة اقتصاد السوق، الذي يقتضي من المخلصين للشعب المغربي العمل على الحد من آثار عولمة اقتصاد السوق على الشعب المغربي بمختلف الوسائل الممكنة بما فيها دعم المقاولة المغربية و الحفاظ على جودة الإنتاج الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي للحد من آثار عولمة اقتصاد السوق. و بما أن الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) يعمل على إشاعة تنمية التخلف، فإننا يمكن أن نعتبر أن إشاعة هذا الخطاب اكبر خدمة تقدم للدول الرأسمالية المستفيد الأول من عولمة اقتصاد السوق بالعمل على إغراق المغرب في التخلف الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي حتى يصير الفضاء المغربي مناسبا لاجتياح عولمة اقتصاد السوق. فماذا فعل الحزبوسلاميون بصفة عامة و الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) بصفة خاصة بإشاعة خطاب تنمية التخلف ؟
لقد عملوا على اعتبار المجتمع جاهليا، لاعطاء الشرعية لخطاب تنميتهم مستغلين في ذلك المساجد و المناسبات الدينية و العائلية لجعل الجماهير الشعبية الكادحة تقتنع بخطابهم لتنسحب تلك الجماهير و بسبب تدينها، و حرصها على عقيدتها من العمل الجماهيري و النقابي و الحزبي الحقيقي من منطلق انه لا حزبية في الإسلام حيث لا يوجد إلا حزب الله و ما سواه من الأحزاب يدخل في إطار حزب الشيطان موظفين في تحقيق ذلك ما ورد في القرءان "أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون"
و سعوا إلى إفراغ الجامعة المغربية من محتواها التقدمي و الديمقراطي و التنويري و العلمي و تحويلها في مختلف مراكزها إلى منابر للإشعاع الظلامي، لأن الإشعاع الظلامي بواسطة الجامعة يؤدي إلى قطع شرايين تغذية الحركة التقدمية و الديمقراطية مما أدى بالضرورة إلى إضعاف الحركة التقدمية و الديمقراطية.
الشروع في بناء المنظمات الجماهيرية الجمعوية على أساس ادلجة الدين الإسلامي من اجل توجيه الشباب، و الكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملة نحو الاعتقاد بأن "الإسلام هو الحل" و لاضعاف الحركة الجماهيرية الديمقراطية و التقدمية و هو ما حصل فعلا في الساحة الجماهيرية.
العمل على إشاعة الفكر الخرافي في المجتمع، و شن الهجوم على الفكر العلمي حتى و إن كان هذا الفكر طبيعيا، لأنه يتطاول على علم الغيب. مما يؤدي بالضرورة إلى إيجاد عداء مطلق للمعرفة العلمية و خاصة إذا كانت تلك المعرفة اجتماعية.
العمل على استئصال الفكر العلماني من المجتمع و إقامة التطابق بينه و بين الكفر و الإلحاد حتى لا يفكر الناس في يوم ما بإقامة الدولة التي تفصل بين حكم الدولة كحكم و ضعي بشرى، و بين الدين لأن ذلك الفصل في نظرهم هو عين الكفر.
و العمل على إشاعة العداء لحقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية باعتبارها من وضع الكفار، و المسلمون لا يأخذون بما يقول به الكفار.
العمل على إحياء الأنماط الاقتصادية و الاجتماعية باعتبارها أنماطا إسلامية، مما يخلق تناقضا بين تلك الحرف و المهن التقليدية و بين التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي.
و هؤلاء عندما يقومون بكل ذلك إنما يعملون من اجل تنمية التخلف على جميع المستويات فما هو المقابل الذي يستفيده هؤلاء من إشاعة تنمية التخلف ؟
إن أول مقابل يستفيده هؤلاء هو قيامهم بتجييش المسلمين المضللين وراء حزبوسلامهم، و وراء تنظيماتهم الحزبوسلامية المختلفة ذات البعد الجماهيري، ليتمكنوا بذلك من توجيه المجيشين التوجيه الذي يتناسب مع تحقيق مصلحتهم الطبقية المتمثلة في الوصول إلى المؤسسات التي تشكل مراكز القرار على المستويين المحلي و الوطني، حتى يتم استغلال الموارد الوطنية و المحلية لصالح تحقيق تطلعاتهم الطبقية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و في ممارسة الابتزاز على الطبقة الحاكمة، و على المؤسسة المخزنية حتى لا يقوم الحزبوسلامي بتحريك اتباعه ضد السياسة القائمة ذات المصدر الطبقي الحاكم، و ذات المصدر المخزني في نفس الوقت.
و ثاني مقابل يستفيده هؤلاء هو السكوت عن استغلالهم للمساجد المختلفة و على مستوى التراب الوطني لنشر ادلجتهم للدين الإسلامي و لتعبئة المسلمين ضد الحركة اليسارية، و ضد الحركة الديمقراطية و العمل على خلق العداء المطلق في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة ضد الفكر التقدمي و الديمقراطي، أي العمل على استئصال التقدمية و الديمقراطية من المجتمع باعتبارهما ممارسات للكفار و الغربيين حتى يتأتى للرجعية، و للاستبداد أن يتموقعا في أذهان و مسلكية الجماهير الشعبية الكادحة,
و ثالث مقابل يستفيده هؤلاء هو تركهم يعملون على نشر الفكر الظلامي ، و بواسطة الكتب المؤدلجة للدين الإسلامي، و الممتلئة بالتحريض على الإرهاب، إرهاب المرأة التي تشكل نصف المجتمع، و إرهاب المخالفين لتأويلات الحزبوسلاميين (العدالة و التنمية) من المفكرين المتنورين، و إرهاب الديمقراطيين الذين يعملون على تحقيق الديمقراطية في المجتمع، و إرهاب اليساريين باعتبارهم "كفرة" و "ملحدين" و إرهاب جميع العلمانيين، و في جميع الأحزاب الديمقراطية و التقدمية، و بقدر ما يقتنع الناس بمضامين تلك الكتب التي تمتلئ بها الأرصفة، و تمتلئ بها أبواب المساجد، و توزع بالمجان في المعاهد و في المدارس و غيرها من الأماكن التي تعرف إقبالا كبيرا من القراء.
و رابع مقابل هو الدعم الرجعي العربي و غير العربي للحزبوسلامي (العدالة و التنمية) الذي لا يعرف أحد مداه، نظرا لتعبير برنامجه عن تطلعات الرجعية العربية و غير العربية في تعميم الاستبداد على جميع المستويات في المغرب حتى لا يتحول إلى بلد ديمقراطي حقيقي، تكرس فيه الديمقراطية المعبرة عن إرادة الشعب المغربي، حتى لا يشكل ذلك حرجا للممارسة الرجعية في البلاد العربية.
و خامس مقابل هو الدعم الرأسمالي العالمي للحركة الحزبوسلامية على المستوى العالمي، حتى تلعب دورها كاملا ضد الحركة التقدمية، و ضد الحركة الديمقراطية باعتبارهما وسيلتين لتحرير المغرب من التبعية للبلدان الرأسمالية حتى لا ينفلت المغرب من تلك التبعية. و إذا كانت ضربة 11 شتنبر 2001 لأمريكا قد فعلت ما فعلت بأمريكا التي أعادت النظر في علاقتها مع الحزبوسلاميين على المستوى العالمي، فإن دهاء الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) المغربي وانخراطه في الشرعية القانونية و تحوله إلى حزب سياسي يحمل اسم (العدالة و التنمية)، و مساهمته في مختلف المحطات الانتخابية يجعل العلاقة بين الحزبوسلامي و النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية متواصلة، و لا شيء يحول دون استمرار ذلك الدعم.
و هذه الاستفادات التي أشرنا إليها تبقى قائمة في الواقع إلى جانب استفادة الحزبوسلامي من التواجد في البرلمان المغربي، و في العديد من المجالس المحلية. و ما يمكن جمعه من تبرعات عن طريق الحملات "الاحسانية" التي يقوم بها الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) لإيهام الناس بأنهم يستعدون بذلك "الإحسان" للدخول إلي الجنة و هم في الواقع لا يعملون إلا على تحقيق تطلعاتهم. لأن كل شيء بالنسبة للحزبوسلاميين يجب أن يصب في خدمة تلك التطلعات، حتى و إن كان هذا الشيء هو الدين الإسلامي نفسه. فما بالنا ب"الإحسان" و بغيره من الممارسات التي يقوم بها الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) و التي تستهدف جمع الأموال و بدون حساب و في المساجد، و في مختلف المناسبات الدينية، و لا أحد يسألهم عن مصير تلك الأموال التي تجمع أحيانا باسم الشعب الفلسطيني ، و دون حياء و دون خوف من الحرج في العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية، و مع الدولة الفلسطينية.
فإنتاج خطاب التخلف إذن يتناسب مع طبيعة التنظيم الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) كما ينسجم مع طبيعة الأنظمة الاستبدادية القائمة في العالم العربي و في جميع بلدان المسلمين، كما يتناسب مع رغبة الحزبوسلاميين في (العدالة و التنمية) في تحقيق تطلعاتهم الطبقية. و يجب أن لا نستغرب صدور خطاب تنمية التخلف عن هذا الحزبوسلامي (العدالة و التنمية)، لأن المسألة طبيعية جدا. فهل يراجع الحزبوسلامي نفسه حتى لا يصير عرقلة في طريق تقدم الشعب المغربي ؟ هل يتخلى عن الاستغلال الإيديولوجي و السياسي للدين الإسلامي ؟ إننا نقتنع بأن الظلام لا يدوم، و أن شمس الوعي بخطورة الحزبوسلامي (العدالة و التنمية÷ على مستقبل الشعب لابد أن تشرق، و لابد أن يرى المغاربة واقعهم، و لابد أن يدركوا ما يجب عمله لإنقاذه.