14 نيسان 1948 ومؤتمر السباع

    ألف ألف تهنئة للطلبة بعيدهم وحني القامات احتراماَ َ لنضالهم المجيد       

ناجي نهر 

 

حانت الساعة الموعودة والتقت فى صبيحة  14 نيسان 1948م في ساحة السباع ببغداد كوكبة من قادة الحركة الطلابية العراقية  الصاعدة وابتدأت منذ تلك اللحظة مسيرة طلابية حافلة بالتضحيات حيث,انبثق منها اول اتحاد طلابي عراقي تشكل من اغلب محافظات العراق، وحضره ممثلون من ثانويات ومعاهد وكليات العراق بدون تمييز وبلا استثناء وبلا نظر لخلفية الطالب القومية أوالعقائدية حيث ولد أتحاد الطلاب الجديد مجسدآ لنقاء تربة العراق وطهارة ناسه وماءه وهواءه فأصبح بحق رمزآ واضحآ للوحدة الوطنية ولتآخي مكونات الشعب العراقي فى النضال الوطني والأنساني المشترك الهادف والمبرمج حيث كان يحمل منذ ولادته راية التحريرمن براثن الأحتلال الأنكليزي آنذاك .               

لقد بنى 14 نيسان 1948 فى خلال ولادة دعامة فولاذية ارتكزت عليها مسيرة العراق النضالية فيما بعد واصبحت محطة كفاح اساسية للقاء المناضلين على اختلاف مشاربهم فكان لها الأثر الفعال فى تفجير كفاح الحركة الجماهيرية العارمة بهباتها ووثباتها ومآثرها التي تتوجت بثورة 14 / تموز /58 //الخالدة . اكتب عن هذه الذكرى العزيزة المشرقة كشاهد عصر متفاعل بأحداثها وليس كمؤرخ ممتهن كتابة التاريخ , اكتبها ووجهي تغسله الدموع الغزيرة وكأني فى وسط ساحة السباع الآن ومحاطآ بكوكبة من السباع الذين منهم من قضى نحبه وذبح كناذر نفسه فداء لقضية الشعب ومنهم من ينتظر ذبحه كمنذور للشعب يفديه حينما تتطلب ساعة الفداء ذلك ,فالمناضل لا يعرف غير التضحية ولم يتعلم الأبتزاز قط .

فلا زالت تلك الأسماء الكبيرة من النساء والرجال لإولئك المناضلين الأبطال خالدة فى ذاكرتي ولا زلت مستمرآ على ألتبرك بوجوههم الباسمة وافعالهم النادرة فهي تذكرني بأثرة السباع وصنائعها وتردني الى رسالتها الأنسانية اذاما جذبتني مغريات المفاسد المهلكة فلقد كانوا [ سباع قولآ وفعلآ ] وقد جاءوا الى ساحة السباع وهم يحملون صفات الفرسان الحقيقية فى الأثرة والتضحية الطوعية وحب الأنسان وكرم الأخلاق والوفاء لنضال شعبهم البطل.                                                                         لقد كنت آنئذ طالبآ في الصف الرابع الأدبي متقدمآ بثلاثة صفوف على اقراني كوني قد تعلمت القراءة والكتابة فى ( الملالي ) فوافق مدير مدرسة غازي الأبتدائية الواقعة فى محلة ارخيتة (محلة تابعة للكرادة الشرقية ) على دخولي الى الصف الرابع مباشرة وكان قد دخل عمري للتو فى سنته الرابعة عشر .                                                                                                      وكان قد اصطحبني معه الى ساحة السباع لحضور ولادة مؤتمر السباع (الضرورة) احد أقاربي الذي كان نقابيآ معروفآ فى نقابة عمال السكاير اسمه ( محمد مرهون ) ولكنه لم يخبرني ونحن بأتجاه الساحة بأنه احد العمال المكلفين بحماية المؤتمر وساحة السباع وما فيها برغم ثقته العالية بي والتي كانت كما اتصورها الآن لا تتناسب وسنين عمري  .                

 كانت ساحة السباع ساحة صغيرة تقع في منطقة عمالية معروفة( بتصنيع الحديد والمصارعة معه ولويه !! وتطويعه بقوة الزنود السمر) وكان يتوسط الساحة اربع اسود كل اسد يواجه احد الاتجاهات ويقال أن فنان روسي يدعى ألكسندر قد قام بصنع الأسود الأربعة خلال الأربعينيات من مادة الإسمنت وبواسطة قوالب جاهزة ، ولهذا سميت بساحة السباع ، يحيط بهذه الساحة التي اطلق عليها ( عاصمة الحدادين ) منطقة سكنية للعمال معروفة بمحلة السباع كذلك ، كما كان يحيط بهذه الساحة سياج حديدي صنعه الحدادون انفسهم مما اعطى السياج بهجة وجمال تجسد فيه التراث العراقي وحلاوته .

كما كان يحيط بهذه الساحة العشرات من محلات الحدادة تعلوها شقق سكنية قديمة غالبا" ما يسكنها العمال العاملين بهذه الساحة التي تتوسط شارع الشيخ عمر ، وعلى جانبيها تقع محلات الحدادين وورش عملهم التي تزدحم بمختلف الادوات كالمطارق الثقيلة والخفيفة والكلابات والمقصات و( الجواكيج  وما اليها من ادوات تستخدم في مهنة الحدادة اليدوية وصناعة الأبواب والشبابيك الحديدية وغيرها )( ويا ويل الجاذب والبواك ) .

لقد احتل العمل المهني الطلابي دوره المهم في تعبئة الجمهرة الطلابية منذ تأسيسه يوم 14 نيسان 1948 وعمل في سبيل الحياة الطلابية الحرة ومن اجل رفع المستوى العلمي واصطفاف الطلاب ضمن حركة شعبنا الوطنية التحررية للتخلص من المعاهدات الاستعمارية الاسترقاقية واستعادة السيادة الوطنية والاستقلال الناجز وبناء العراق الديمقراطي المزدهر والوصول بالوطن الحر والشعب السعيد الى بر الامان ... فلم يكن عفويا ان تحمي سواعد الطبقة العاملة العراقية المؤتمر التأسيسي لهذا الاتحاد الوليد في ساحة السباع ... بل واقتضت الضروروة أن تحميه أيضآ ,من تخرصات واعتداءات شرطة العهد الملكي وجواسيسه .. فكان ان قد ضمت هذه المنظمة الطلابية المهنية شريحة واعية ومثقفة من الطلبة التى كان لدورها الفاعل في مجال الارتقاء بالعمل التربوي والمطلبي والمهني والتكنلوجي وغير الحكومي طيلة تاريخه المعمد بالتضحيات والشهداء مما كان له الأثر الأكبر فى تحقيق وحدة قوى الشعب ومساندة قضاياه المصيرية .

لذا فقد ساهم اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في دعم ورعاية العمل التربوي بعد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة الى جانب نقابة المعلمين والمؤسسات التربوية الحكومية ، كما وكان بمقدوره بعد وأد ثورة 14 / تموز / 58 /م  اكتساح [ الانتخابات الطلابية ( البعثية ) لعام 1967] وفاز اتحاد الطلبة العام فى الجمهورية العراقية.

وبرغم قرار تجميد الآتحادالعام لطلبة العراق  عام   1975 من قبل سلطة البعث الجائرة إلا ان الأتحاد واصل نضالاته بطرق مختلفة ,وحضر مؤتمر الجزائر عام 1997 واستطاع منع أزلام نظام صدام من تمثيل طلبة العراق وطردهم  .

ولكننا مع الأسف نجد اليوم  في الصياح المتعالي فى اروقة بعض الطلبة الأنتهازيين من المتواجدين فى اجهزة الدولة ومن الذين  يدعون لأنفسهم  من البطولات والمزايدات الكاذبة المبثوثه على الفضائيات العربية الموالية لهم ما هو سوى من بعض الأحلام غير المشروعة التي يحلمون بها متناسين أن  فى اليقضة الزاحفة على التو نحو تعديل مسيرة الحياة بجوانبها المختلفة سيكون فشلهم وتبديد أحلامهم . فلم يحدث قط أن أحداً من" المزورين الاستراتيجيين " وما أكثرهم عند العرب من دون الأمم الأخرى (!!) قد نجح في حرف مسيرة الحياة عن قوانينها وحقائقها .

 ويخطئ من يظن ان العراقيين بدأوا مشوار تأسيس منظمات المجتمع المدني في التاسع من نيسان عام 2003، برغم ان هذا التاريخ يمثل انطلاقة جديدة، ومنعطفاً تاريخياً في تطور منظمات المجتمع المدني في العراق من تلك التي تبشر به مسيرة الشعوب على الأبواب .                                                

وعلى أية حال ينبغي الأعتراف بان فى العراق القديم كانت مؤسسات مجتمع مدني وقد استطاعت بعض من هذه المنظمات الاستمرار في العمل حتى في ظل أنظمة القمع الاستبدادية،ودقت لبنات وهياكل مشهودة لمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني بأنواعها :-  فبالأضافة الى مختلف الأحزاب السياسية كانت هناك [ نقابات واتحاد عمال ، وجمعيات أصدقاء للفلاح ، واتحاد طلبة ، وشبيبة ، ورابطة المرأة العراقية ، واتحادات مهنية وجماهيرية معروفة للمعلمين والمهندسين والأدباء والمحامين وغيرها من تلك التى لا يمكن حصرها فكانت كلها شواهد دامغة على وجود منظمات المجتمع المدني في العراق وقد مارست نشاطها في الخفاء، وقدمت شهداءً وتضحيات وتفخر بعض هذه المنظمات بأن من بين روادها شخصيات عراقية مهمة في تاريخ العراق السياسي والثقافي بالأمس واليوم، ما زالوا على قيد الحياة ولا زال بعض الشياب لم ينقرضوا بعد ,والجميع لا زالوا يشتاقون لتقبيل ارض السباع وجبين كل مناضل عليها  .

        يتبع    =       =         =          =          =