وسيط البيئة الطبيعية السومرية

 

د.زهير صاحب

 

لو أقيم معرض (كوني) لروائع الفنون التشكلية ، في متحف دون جدران . لأبلغت فيه ، الروائع السومرية عن سومريتها ، وبكل بداهة. ومرد ذلك يكمن ، في أنها تحمل هيمنة أنظمة وسيطها البيئي بكل وضوح . ذلك أن (ميكانيزم) الفكر السومري ، كان يستلم خطابات الوسيط البيئي الطبيعي ، بفعل المحسوسات ، وهي بمثابة ضغوط سايكلوجية ، وحوافز ومنبهات ويؤولها الى منظومة دلالية في بنيتهِ ، وهي بمثابة تقابلات صورية ، مكثفة بأشكال رمزية او (دوال) علامية . وهذه الآليات المستندة إلى التجريب ، ساهمت بفاعلية في تكامل الخبرة الفكرية ، وبدأت تعمل بمثابة محركات مهيمنة في سياقاته العامة .

توصف البيئة الطبيعية السومرية ، بكونها بيئة خيرة معطاء مليئة بالموارد والخيرات ، وسواء أكانت في مستوطنات  (ديالى) وسط العراق أم في أور والوركاء جنوب أرض الرافدين، أو في ماري على نهر الفرات في أقصى الغرب . فأنها كانت بيئة نهرية ، في مواطن شواطئ الأنهار ، وحافات الأهوار وهي بذلك تحتضن قائمة طويلة من النباتات المثمرة ، وموسوعة من الطيور المائية والأسماك . وقد وصف مثل هذا الثراء في الموارد في أحد النصوص السومرية : بأن السمك قد فاض على جانبي أحد الجداول المائية ولم تعد كمية المياه كافية لإحتضانه .

إلا أن جنة (عدن) الموعودة على أرض سومر ، لم تكن جائزة مغرية دون جهد او معاناة إنها من نوع الأوساط البيئية التي تهاجم الإنسان في عقر داره وتدعوه للصراع . وتخلق في كينونته أشتراطات سايكلوجية  قائمة على فعل التحسب والترقب وإقتراح الحلول . فحين يهاجم المحفز البيئي المهدد ، يستدعي بذلك الفكر لأيجاد الحلول ، فيتم بناء القفزة الحضارية الأولى ، وهكذا وبفعل تصاعد جولات الصراع ، يتم بناء الخبرة، والمستندة الى التجريب مع بنية البيئة الطبيعية كنظم علاقات  متفاعلة في جدل مستمر .

ويمكن وصف (سلوك) عوامل البيئة الطبيعية السومرية ، بالتطرف والعدوانية . فدجلة والفرات قد يفيضان على غير أنتظام ، فيحطمان سدود الإنسان ويغرقان مزارعه . وهناك رياح لاهبة تخنق المرء بغبارها ، وأمطار عاتية تحول الصلب من الأرض إلى بحر من الطين ، فتسلب الإنسان حرية الحركة وتعيق كل سفر . "فهنا ، في سومر ، لا تضبط الطبيعة نفسها ، إنها ببطشها تتحكم بمشيئة الإنسان ، وتدفعه إلى الشعور بتفاهتهِ أزاءها" (جاكوبسن،147) . وذهنية المواطن السومري ، تعكس هذا كله ، فليس هناك ما يغري الإنسان على الإعتداد بنفسه ، عندما يتأمل قوى الطبيعة . كالزوابع الرعدية والفيضانات السنوية . وقد قال أحد السومريين عن الزوبعة الرعدية : لهب نورها الرهيب يكسوا الأرض كالثوب .

وبسبب هذا الدور الفاعل لعامل البيئة ، وانعكاساته في بنية الفكر الحضاري السومري . الأمر الذي أكسب السايكلوجيا السومرية نوعاً من القلق الميتافيزيقي . وحَولّ المواجهة من الفردية إلى الجمعية ، ونقل الفكر من الحلول النسبية نحو الأحكام المطلقة . مما أكسبت صورة المغيب اللامرئي حضوراً فاعلاً في بنية الفكر ، على حساب تدني الحضور البشري ، وعلى الأخص في الأشكالات الفكرية التي تعرضها النتاجات الأدبية والتشكيلية . فأولت مجريات الأحداث الطبيعية إلى بنية أسطورية . هي بمثابة التأويل الفكري لمثل هذا الحدوث، حيث وجد الفكر السومري في الأسطورة، بفعل بنيتها القائمة على الخيال في منطقة تقاطع الواقع مع اللاواقع، حلاً متخيلاً لمثل هذه (الغوامض) والأسرار . ولعل أسطورة (الطوفان) السومرية في بنيتها ، هي ذلك المتخيل ، الذي ألبسهُ الخيال الأبداعي ، مثل  هذه الصور الشاعرية دالاً ومدلولاً ، وهي كشف لبنية المايثولوجيا ، لاول مرة في تاريخ الآداب العالمية. وقد كتب احد الادباء السومريين ، وصفاً للأثر السايكلوجي للفيضان ، في نفسية الشعب السومري :

والفيضان الواثب الذي لايقوى أحد على مقاومته ، والذي يهز السماء وينزل الرجفة بالأرض ، يَلف الأم وطفلها في غطاء مريع ، ويحطم يانع الخضرة في حقول القصب ، ويغرق الحصاد أبان نضجه . مياه صاعدة تؤلم العين ، طوفان يطغى على الضفاف، فيحصد أضخم الأشجار ، عاصفة عاتية تمزق كل شئ ، بسرعتها المطيحة في فوضى عارمة .

 

ويمكن وصف أنظمة البيئة الطبيعية السومرية ، بكونها تقابلات أضداد . فهناك الشتاء القارس البرودة ، يقابله الصيف اللاهب الحرارة . وهناك الربيع حيث التجدد والولادة ، يقابله الخريف حيث الموت والتلاشي . وكل ذلك يحدث أمام مرئى الإنسان يومياً ، ويتكرر هذا المشهد سنوياً وبانتظام كامل . وتجد تأويلات العقلية السومرية الإبداعية ، تفاعلها الجدلي ، مع أخلاقية أنظمة البيئة وسلوكياتها . في المحتوى الفكري للأسطورة السومرية الخالدة (عشتار ومأساة تموز) . وفكرة الأسطورة تميت (تموز) اله الخصب والنماء في الصيف ، حيث تموت الطبيعة ، وتحتجزه رهينة في العالم السفلي وهنا يقيم شعب سومر ، مآتم النواح على الإله المفقود ، ومن ثم يحتفل بقدومه في الربيع ، حيث تنمو النباتات ، وتتكاثر القطعان الحيوانية ، ويسود التجدد مظاهر الوجود على الأرض .

إن (ماهية) الفكر الحضاري السومري في نشأته الأولى ، وفي مواصفات بيئته الزمانية والمكانية ، كانت تعمل بذاتية ذات خصوصية محددة . والتي أمتلكت بفعل خصوصيتها هذه ، هويتها الحضارية المحددة . كون الأبداعات الفنية التشكيلية السومرية ، ترتبط أرتباطاً وثيقاً بمثل هذه الملابسات . فالفكر الحضاري السومري الجمعي في فرديته المشخصة ، ينسجم ويتوافق مع ذلك المحيط وفقاً لشروطه الخارجية ، لتحقيق معادلة وجوده . فهناك شبكة واسعة من المعطيات الثقافية والأفكار هي بمثابة أستجابة الفكر الحضاري لضغوط عوامل البيئة . فالفن يبدأ من تلك المحاولة، بأستثارة مكنونات تلك الأنطباعات والأفكار في الذات الإنسانية بشكل حوافز ومنبهات، ومن خلال أطار نوعي أكتسب مدلولاته من الخارج، ليتحول إلى مبدعات في ميادين الأدب والتشكيل والموسيقى ... ألخ .

أن تعاظم مدركات الإنسان السومري الفكري ، بفعل نمو الخبرة المستندة إلى التجريب. ان بدء الفكر يستعير ويستدعي وينتقي مفردات من البيئة الطبيعية ، ويلقي عليها ويحملها مضامين أجتماعية . في صيغه من التفاعل بين ظاهر الشيء وجوهره ، والذي يضم مغزى دلالي كامناً ألا وهو المضمون الروحي ألاجتماعي. وإلى هذه الفكرة ترجع (موسوعه) من المفردات البيئية الطبيعية ، كاستعارات في بنية الأساطير ، مثل الأفعى في ملحمة كلكامش ، وفي الفنون التشكيلة ، تظهر سنابل القمح وأشكال الثيران والأسماك ، على سبيل المثال لا الحصر ، في رسوم الفخاريات وأعمال النحت . وقد تحركت دلالاتها في بنية الفكر إلاجتماعي ، بعد أن ضمنها الفكر طاقة وفاعلية سحرية . معيراً إياها أشكالاً طقوسية من مقام خاص ، حين حررها من ماهيتها الطبيعية ، مصيراً أياها أشكالاً طقوسية ورموزاً حيث دخلت نسق الفن .

ذلك أن رؤية حيوان ، ما هو الا أمتلاء بعدد لايحصى من الأحاسيس البشرية ، وتمثيل الأحاسيس يوجب تركيبه في شكل، فالتشكيلات السومرية ، تتكون من (دوال) شكلية، ومن مغزى دلالي كلي ، هو الفهم الروحي والأجتماعي لدوها السوسيولوجي . وكانت تؤدي دورها بمثابة رؤى روحية ورموز. وبذلك فأن بنية التشكيل ، لابد أن تجيء بشكل تقابلات مع الوقائع ، والا فقدت كل ما لها من قيمه باعتبارها حقيقة . لقد كان هدف الفنون السومرية، ليس التقليد ، بل الكشف عن الصيغ التي تساعد الفكر في الدخول  في صلات وثيقة مع عوالمه الحاضرة والمغيبة .

وتعود أصول أهم الآلهة السومرية إلى مرجعيات بيئية ، اذ كان (مركز) عبادة أكبر الآلهة السومرية (آنو) إله السماء في مدينة الوركاء ، التي تتوسط سهلاً منبسطاً ، يقابل به الإنسان السماء وجهاً لوجه . في حين كانت عبادة الإله (أنكي) إله المياه في مدينة أريدو ، التي تقع على حافات الشواطئ المائية . بينما كانت عبادة الإله (أنليل) إله الزوابع والعواصف الرملية في مدينة نفّر ، والتي تقع بين مساحات من الأراضي الرملية . إنه الاختيار الواعي ، لكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة باعتبارها قوة فاعلة ، وبما يناسبها من خصوصيات طبيعية . فهي نوع من الإرادات المليئة بالحيوية . وهذا هو بكل بساطة مبدأ حيوية الطبيعة في الفكر السومري .

ولنأخذ مثلاً يعبر عن هيمنة مفردات البيئة الطبيعية في بنية الفكر السومري، فالأقصاب التي تملئ اهوار العراق في زمانهِ ومكانهِ وإلى حين ، لم تكن إلهية قط، فالقصبة الواحدة ما هي إلا نبته ، وكذا الأقصاب كلها ، ولكن للقصبة المحسوسة الواحدة ، رغم ذلك ، صفات عجيبة توحي بالمهابة . ففي نموّها المتسارع في الأهوار قوة غامضة ، وهي تأتي العجب في الموسيقى الصادحة في (ناي) الراعي ، وهي أداة الكتابة التي تنجز الأقاصيص والقصائد الرائعة . وهذه القوة والحيوية في ذات القصبة ، تآلفت في تفكير السومريين في شخصية إلهية هي الآلهة (نّدايا) وقد كانت إله المعرفة . على حد قول الأستاذ (جاكوبس) (جاكوبس ، ص153) . إنه مبدأ حلول القوة في الطبيعة ، إنها القدرة التي تتوحد مع كل قصبة ، فتحلُ فيها لتضفي عليها صفاتها الغامضة والخارقة ، من دون أن تفقد هويتها (القصبة) في الظاهرة المحسوسة . ويبرز الإبداع التشكيلي السومري، في تمثيل آلهة القصب كسيدة محترمة، وقد نمت أقصاب الدنيا من كتفيها ، أي إنها متحدة بها جسدياً ، وتستمد وجودها منها مباشرةً .

وإذ تَبث بنية الحضارة خطاباً تقنياً ، يمكن القول إن الحضارتين المصرية والإغريقية ، تشفّران عن بنية خطاب حجري. في حين تُبلغ بنية الحضارة السومرية عن خطابات طينية ، فلوح الكتابة من الطين ، والمعبد والزقورة طينيين، والتماثيل من الطين ، فكل شيء هنا استحال إلى طين ، حيث خلق الإنسان من طين ، ولعل في كل ذلك ، نَجد الأصالة والتفرد . وتبرز في نفس الآن ، خصوصيتا البساطة والتعقيد ، فالبساطة هنا بمظاهرها البدائية تتصل بالتأويل والكيف لبلوغ لب الحقيقة في نقاء الخامة باعتبارها بنية (دال) ، أما المدلول فأعقد بكثير حين يتصل بما هو كوني وأزلي .

ومع احتفال (سومر) بكينونتها الطينية ، كان لابد للوعي السومري المتعاظم، من استغلال وسائل التجارة المتاحة ، وحتى الحملات الحربية . في سبيل الحصول ، على الأحجار اللازمة لنحت الروائع الفنية . وإزاء هذه الحاجة الملحة، التي أصابت الفكر السومري في الصميم ، كان لابد للتماثيل السومرية ، وعلى الأقل في البداية أن تكون صغيرة الحجوم . إننا ننكر أن تخضع عظمة التمثال لفلسفة الحجوم . فتمثال سومري ، يقف عظيماً متفرداً مثل الهرم المصري أو المعبد الإغريقي ، بمدلولاتهِ الرمزية في بنية الفكر الاجتماعي. إلا أن هذه الأزمة البيئية ، أرقت المبدعين السومريين كثيراً . وكان الحل إبداعياً ، ويتلخص في الانتقاء الكيفي لنوعية الخامات وبما يلبي دلالات التعبير في التماثيل ، باعتبارها خطابات أو أبلاغات فكرية .

لقد كان غنى البيئة السومرية بالموارد المائية فالاً حسناًمن جهة . ومن جهة أخرى، دمرت المياه الجوفية والأملاح معظم الروائع الفنية السومرية من الرسوم الجدارية والتماثيل الخشبية. ولا ضَير في ذلك ، فلو بعث الإنسان السومري مرة أخرى . لما أضطربَ لرؤية منجزاته وهي حطام لأنه كان دائماً يعرف معرفة عميقة بأن الإنسان أيامه معدودات، ومهما صنع وأبدع ، فما هو إلا ريح تهب . ذلك إن مركز الوجود ومغزاه لديه بعيدان عن الإنسان ومنجزاته ، بعيدان عن الأشياء الملموسة والباقية ، إزاء قوى غير ملموسة تحكم الكون .