الإسلام
/ الماركسية علاقة
الالتقاء و
الاختلاف.....3
محمد
الحنفي
*
إلى الشهيد
عمر بن جلون
الذي رحل قبل
أن يؤدي دوره ...
*
اهدي هذا
العمل الذي لا
ادعي انه ينال
من العمق ما
يستحق.
* من
اجل أن نتذكر،
و أن نعتبر، و
أن نجتهد، و
أن نبدع.
* من
اجل أن نساهم
في بناء ما
بدأوه.
دور
الإسلام و دور
الماركسية...1 :
و قد
يتساءل
متسائل عن
الدور الذي
لعبه الإسلام
؟ و الدور
الذي لعبته
الماركسية ؟ و
هل يمكن
المقارنة
بينهما ؟
إننا
بوقوفنا على
الشروط التي
جاء فيها الإسلام
و الشروط التي
حكمت ظهور
الماركسية
سنصل إلى أن
دور كل منهما
ينسجم مع تلك
الشروط، و سيكون
له تأثير عظيم
على المراحل
اللاحقة.
فدور
الإسلام
المتجسد في :
1) نبذ
عبادة
الأوثان التي تعكس
تمزق
الجاهليين
مما يقود إلى
قيام حروب فيما
بينهم، قد
تدوم عقودا، و
توحيد عبادة
الله تعالى
وحده "قل هو
الله أحد الله
الصمد لم يلد
و لم يولد و لم
يكن له كفؤا
أحد" "لو
كان فيهما
آلهة إلا الله
لفسدتا" و
توحيد عبادة
الله يعتبر
احسن مظهر
لتحرر الإنسان
من التبعية
للبشر تلك
التبعية التي
قد تقوده إلى
الاستعباد أو
إلغاء إرادته
جزئيا أو كليا
بتحوله إلى
مجرد كائن لا
قيمة له.
فتوحيد عبادة
الله في مرحلة
ظهور الإسلام
تعني الحسم مع
الأوضاع
الاقتصادية و
الاجتماعية و
الثقافية و المدنية
و السياسية
التي كانت
متردية بشكل عميق،
و الحسم
مع العصبية
القبلية
المتمثلة في
تعدد الآلهة
تبعا لتعدد
القبائل و
العشائر بل و
الأفراد
عندما يصبح
لكل فرد إلهه
الذي يسجد له
كل صباح و كل
مساء و الحسم
مع الصراع بين
القبائل
المختلفة و
تشجيع
الحرية، و
تحرير المستعبدين
بكافة
الأشكال و في
كل المناسبات،
و الحسم مع
إلغاء كيان
المرأة التي
أصبحت تساوي
الرجل إلا
فيما اقتضته
طبيعتها
البيولوجية و
أصبحت ترث بدل
أن تورث كما
كان يحصل. و في
هذا الإطار
نجد قول
الرسول في
عائشة "اتقوا
هذه الحميرى
فإنها نصف
دينكم" و هذه
القولة إذا
كانت تعكس
شيئا فإنها
تعكس مدى تقدم
المرأة على
الرجل في
مجالات معينة.
و أنواع
الحسم التي
أشرنا إليها
لا تعني إلا إعلان
القطيعة مع
الماضي على
جميع
المستويات. و
هو ما تم
التعبير عنه
بالقول
(الإسلام يجب
ما قبله). و
الحسم لا يعني
إلا بناء
الحاضر على أسس
جديدة
استعدادا
لمواجهة
المستقبل بكل
طموحاته و
متطلباته و
مشاكله التي
لا حدود لها
من اجل إنسان
متحرر ملتزم
بقواعد
المعاملة
التي تقتضي
احترام كرامة
الإنسان.
2) و من
الأدوار التي
لعبها
الإسلام بعد
ظهوره القضاء
على التمزق
الذي ساد بين
العرب في الجزيرة
العربية بسبب
استجابة
قبائل مختلفة
إلى الدعوة
إلى اعتناق
الإسلام و
الإيمان به
كمدخل لتجاوز
الوضعية التي
كان عليها
العرب في
جاهليتهم. لأن
اعتناق الدين
الإسلامي
احدث تحولا في
عقيدتهم و
تفكيرهم.
فممارستهم
اليومية
الفردية و الجماعية
جاءت نتيجة
لتشبعهم
بالقيم و المثل
الجديدة التي
تشدهم إلى
الوحدة على
أساس الانتماء
القبلي و
العرقي، بل
على أساس
العقيدة
الإسلامية
التي جعلت
العرب
يكتشفون وحدتهم
و قوتهم و
قدرتهم على
إبداع حضارة
جديدة دأبت في
بنيتها كل
الحضارات
التي كانت قائمة
حتى ذلك
الوقت.
و من
نتائج الوحدة
العربية التي
كان وراءها اعتناق
العرب للدين
الإسلامي
وقيام الدولة
العربية التي
توسعت لتحكم
من المحيط إلى
الخليج
انطلاقا من
دولة الخلفاء
الراشدين، و
مرورا بدولة
الأمويين و
العباسيين، و
قيام دولة
الأدارسة في
المغرب ودولة
الأمويين
بالأندلس و
انتهاء بقيام
مجموعة من
الدول المتفرعة
عن الدولة
العباسية.
و لولا
اعتناق العقيدة
الإسلامية و
تشبع العرب
بقيم الإسلام
ما كانت تلك
الوحدة، و ما
كان توسع
الخريطة العربية
كما نراها
اليوم، و لولا
انحراف
التأويلات عن
المقاصد
الحقيقية
للكتاب و
السنة ما ظهرت
تيارات
المتنبئين
الجدد التي
لازالت تقود
عملية ادلجة
الدين
الإسلامي إلى
يومنا هذا، و
ما ضعف العرب
و تحولوا إلى
أقطار تعادي
بعضها كما
كانت تفعل
القبائل قبل
الإسلام.
فهل
يستطيع الدين
الإسلامي أن
يوحد العرب كما
فعل من قبل ؟
أم أن شروطا
أخرى قد تدخلت
لتبقى الجسد
العربي ممزقا
؟
3) و حتى
تتجسد الوحدة
العربية و تتم
المحافظة على
تلك الوحدة،
لابد من قيام
كيان عربي
تأسس بعد وفاة
الرسول (ص) الذي
لا يمكن
اعتباره
مؤسسا للدولة
العربية بقدر
ما هو رسول
الله تعالى، و
هذا ما يمكن
أن نفهمه من
خطبته في حجة
الوداع التي
تضمنت آخر آية
نزلت من عند
الله "اليوم
أكملت لكم
دينكم و أتممت
عليكم نعمتي و
رضيت لكم
الإسلام
دينا".
4) ففي
اجتماع
السقيفة تمت
بيعة أبي بكر
الصديق ليحمل
لقب خليفة
الرسول (ص) و
بعده عمر ابن
الخطاب الذي
اختار لقب
أمير
المؤمنين...الخ
لتتوالى بعد
ذلك الدول
المختلفة
التي حرصت على
وحدة العرب و
المسلمين من
جهة، و
استحضار
الدور الذي
لعبه و يلعبه
الإسلام من
جهة أخرى رغم
التأويلات
المحرفة للنص
الديني خدمة
لمصالح
الحكام و التي
اصبح الحكام المستبدون
في كل العصور
يقتفون أثرها
و يعملون على
استثمارها
لتضليل
المحكومين
الذين يعانون
من الفقر و
الظلم و الجوع
و المرض و
الاستبداد.
5)
الانفتاح على
غير العرب و
على الديانات
الأخرى كمظهر
من مظاهر نبد
التعصب، لأن الإسلام
و منذ ظهوره
أدرك أن
العصبية
القبلية يمكن
أن تتحول إلى
عصبية قومية
أو عصبية دينية،
و هو ما
يتنافى مع
حقيقة
الإسلام التي
وضعت الناس
كافة في نفس
الكفة " لا فرق
بين عربي و عجمي
و لا بين ابيض
و اسود إلا
بالتقوى" كما
تدل على ذلك
الآية
الكريمة " يا
أيها الناس
اتقوا ربكم
الذي خلقكم من
نفس واحدة و خلق
منها زوجها و
بث منهما
رجالا كثيرا و
نساء، و اتقوا
الله الذي
تساءلون به و
الأرحام إن الله
كان عليكم
رقيبا" و
استعمال
أسلوب ( يا
أيها الناس)
فيه دليل على نبذ
التعصب القومي
مما يوحي بأن
الإسلام لا
يسعى إلى وحدة
العرب فقط، و
إنما إلى وحدة
البشرية
جمعاء، و في جميع
أنحاء العالم
على أساس
التشبع
بالقيم النبيلة
التي هي منطلق
إنسانية
المسلمين، كما
لا يمكن أن
تتحول إلى
عصبية
عقائدية. لذلك
نجد الإسلام
يدعو إلى
الحوار بين
الديانات كما
جاء في الآية
الكريمة "يا
أهل الكتاب
تعالوا إلى
كلمة سواء
بيننا و بينكم
أن لا نعبد
إلا الله، و
لا نشرك به
شيئا"
فجميع
الديانات
التي تحترم
وحدانية الله
تعالى مدعوة
إلى الحوار
فيما بينها.
و
محاربة
الإسلام
للعصبية
القبلية، و
نبذه لأشكالها
ينفي عنه
وقوفه وراء
إرغام الناس
على اعتناقه
بحد السيف أو
بأي ممارسة
تفيد معنى
الإرغام. فقد
جاء في القرآن
الكريم " ادع
إلى سبيل ربك
بالحكمة و
الموعظة
الحسنة، و
جادلهم بالتي
هي
احسن" و
قوله تعالى " و
لا تجادلوا
أهل الكتاب
إلا بالتي هي
احسن"
فكأنه تحققت
فيه الحاجة
المتبادلة بين
البشر كما
يقول الشاعر :
الناس
للناس من بدو
و حاضرة بعض
لبعض و إن لم
يشعروا خدم
6) و
لتكتمل
الصورة
المثلى
للإسلام بين
المسلمين، و
بينهم و بين
غيرهم من
البشر، نجده
يحرص على
إقامة العدل
بين الناس. و
العدل لا يكون
كذلك إلا من
خلال تجلياته
الاقتصادية و
الاجتماعية و
الثقافية و
المدنية و
السياسية
باعتبارها
وسيلة لتمكين
أفراد
المجتمع من
تحقيق كرامتهم،
و حفظها مما
يمكن أن
يخدشها.
و لا
حاجة بنا إلى
القول بأن
العدالة في
تجلياتها
المختلفة
تعتبر مدخلا
للتحلي بالقيم
النبيلة التي
يحفل بها
القرآن
الكريم و التي
تتحرك كلها في
اتجاه بناء
الإنسان
المثالي/الواقعي
كما تصوره
الإسلام، و
كما يجب أن
يكون في الواقع،
حيث تتجسد
العدالة
الاقتصادية
بين المسلمين
و غيرهم، و
العدالة
الاجتماعية
التي تعبر عن
النمو السليم
للمجتمع في
جميع
المجالات. و
العدالة
الثقافية
التي تكرس
احترام مختلف المكونات
الثقافية
للمجتمع، و
العدالة المدنية
التي تفرض
مساواة جميع
المواطنين
أمام القانون،
و العدالة
السياسية
التي تمكن
المواطنين من
تقرير مصيرهم الاقتصادي
و الاجتماعي و
الثقافي و
المدني و السياسي.
و بذلك نقترب
من فهم
الإسلام
لمعنى
العدالة التي
اعتبرها مقاربة
للتقوى كما
جاء في القرآن
الكريم " و أن
تعدلوا هو
اقرب للتقوى".
7) و من
اجل إتاحة
الفرصة أمام
انتشار القيم
التي يزخر بها
الإسلام نجده
يحث على
الدعوة إلى التشبع
بتلك القيم في
كل أرجاء
الأرض من اجل
سيادة الحق، و
دحض الباطل، و
الدعوة هنا، و
كما يدل على
ذلك النص
القرآني "
ادع إلى سبيل
ربك بالحكمة و
الموعظة
الحسنة" لا
تعني إلا بسط
المبادئ و
الأفكار و
القيم باللغة
المفهومة بين
الناس من اجل
معرفتها و استيعابها،
و بعد ذلك " فمن
شاء فليومن و
من شاء
فليكفر".
و قد
يقول قائل بأن
الأمر الوارد
في قوله تعالى
"فاصدع
بما تومر و
اعرض عن
المشركين"
يوجب علينا أن
نتجند لنشر
الدعوة بكل
الوسائل بما
فيها استعمال
السيف –كما
يقولون- فنقول
له بأن هذا
القول رهين
بخصوصية
المكان، و
خصوصية
الزمن، و
خصوصية الشخص الذي
يتلقى الوحي،
و خصوصية
القوم
المخاطبين
الذين يدركون
جيدا ما جدوى
التحول الذي
كان ينتظر
إحداثه بظهور
الإسلام، و لا
يمكن أبدا أن
ينسحب على
جميع العصور
حتى لا نقول
إن الإسلام
انتشر على حد
السيف،
فالذين
استعملوا
السيف،
استعملوه
دفاعا عن
الإسلام، و
مواجهة
الأنظمة
الاستبدادية التي
تجندت
لمحاربة
المسلمين
لاعتقادهم انهم
يشكلون خطرا
عليهم، و هو
ما اضطر
المسلمين –في
إطار دولتهم-
للتجند
لمحاربة تلك
الأنظمة لحماية
المسلمين
الساعين إلى
المحافظة على
عقيدتهم.
فالدعوة
إلى التشبع
بالقيم التي
جاءت في القرآن
الكريم تفرض
فتح الحوار و
الإقناع و
الاقتناع، و
تمرس الناس
على التربية
على تلك القيم
المتوجهة إلى
الانغراس في
السلوك
كتعبير عن
انغراسها في
الروح، مما
يحول دون القيام
بانتهاك
كرامة الآخر،
و دوس حقوقه.
و قد
يعترض معترض
على ما ذهبنا
إليه بقوله
تعالى " و
أعدو لهم ما
استطعتم من
قوة و رباط
الخيل"،
فنرد عليه بأن
القرآن هنا
يتوجه إلى
المسلمين
الذين يجب أن
يحرصوا على
قوة دولتهم
التي تقوم
بحمايتهم من
دوس الأنظمة
الفاسدة، و توفير
شروط الدعوة
السليمة
بالقول و
الفعل قبل اللجوء
إلى القوة.
8) و أهم
ما يمكن أن
نستنتجه من
ظهور الإسلام
هو شعور العرب
بوحدتهم التي
أشعرتهم
بقوتهم و حاجتهم
إلى بناء
دولتهم على
المستوى
الإداري و
القانوني و هو
ما شرعت فيه
دولة الخلفاء
الراشدين، و
تبعهم في ذلك
الأمويون و
العباسيون عن
طريق
الاستفادة مما
وصل إليه
الآخرون في
الدول
المجاورة.
فإنشاء
الدواوين في
عهد عمر يأتي
في هذا الإطار
بالإضافة إلى
إنشاء أجهزة
الدولة
المختلفة و خاصة
الجيش و
الشرطة
لحماية
الدولة من
الهجومات
الخارجية و
لحماية أمن
المواطنين
بالإضافة إلى
جهاز القضاء
الذي عليه أن
يلعب دورا في
تكريس العدل
بين الناس.
أما على
المستوى
الاقتصادي
فإن التنظيم
استهدف بيت
مال المسلمين
الذي يجب ضبط
موارده و
مصارفه
لحماية دولة
المسلمين من
الانهيار
المالي.
و بناء
الدولة هنا
ليس لأن
الإسلام جاء
لتأسيس دولة
إسلامية كما
يعتقد
المتنبئون
الجدد، بل لأن
توحد العرب و
المسلمين في
إطار العقيدة
اقتضى وجود دولة
تحمي
مصالحهم، و
بالخصوص
مصالح الطبقة
الحاكمة في
المجتمع
العربي، و
باقي
المجتمعات التي
اعتنق
أفرادها
الدين
الإسلامي حتى
لا نلصق
بالإسلام
شيئا ليس منه،
و حتى يبقى
عقيدة لجميع
المسلمين.
9) و من
أهم أدوار
العقيدة
الإسلامية
الدعوة إلى
استخدام
العقل التي
يمكن أن تحمل
في ثناياها
الدعوة إلى
التحرر من
التبعية
للأفكار الجاهزة
في ذلك الوقت،
و التي أوجزها
القرآن في قوله
تعالى " إنا
وجدنا آباءنا
على أمة و إنا
على ءاثارهم مقتدون" و
قوله " انا
وجدنا
ءاباءنا على
امة و انا على
ءاثارهم
مهتدون". و
الأمة هنا
توحي باعتماد
الأفكار
الجاهزة التي
يمكن أن
تتناقض مع
واقع
المسلمين الاقتصادي
و الاجتماعي و
الثقافي و
المدني و السياسي.
و لذلك
فالدعوة إلى
استخدام
العقل تهدف
إلى تغيير نمط
التفكير
القائم على
التبعية
للأفكار
الجاهزة، مما
يترتب عنه تغيير
سلوك الأفراد
و الجماعات، و
على جميع المستويات،
مما يحدث
تطورا في واقع
المسلمين،
فيلجأون إلى
الاستفادة من
المعارف
القديمة التي
تقف وراء
إنتاج مختلف
المعارف التي
أبدعها و
أنتجها
المسلمون في
جميع
المجالات التي
كانت أساسا
لمختلف
المعارف التي
ازدهرت في مختلف
أرجاء الأرض،
و التي لا
يمكن وصفها لا
بالشرقية و لا
بالغربية.
10) الحرص
على تكريم
الإنسان الذي
يمكن اعتباره
جوهر العقيدة
الإسلامية، و
الهدف
المركزي من
وراء الدعوة
إلى اعتناقها.
و قد نص
القرآن الكريم
على ذلك في قوله
تعالى "و
لقد كرمنا بني
ءادم" و
التوكيد
المضاعف في
هذا
التعبير اكبر
دليل على
مركزية الهدف.
و الذين
يقولون : إن الإنسان
خلق لاخلاص
العبادة لله
تقتضي أن يكون
العابد
مكرما، و
تكريمه في
تحريره و
تحرره من
التبعية لغير
الله، و
تمتيعه و
تمتعه بحقوقه الاقتصادية
و الاجتماعية
و الثقافية و
المدنية و
السياسية و
تمكينه إلى
جانب أفراد
المجتمع الذي
ينتمي إليه من
سيادته على
أرضه.
فالحرص
على تكريم
الإنسان أنى
كان جنسه أو
لونه أو عرقه
أو لغته، هو
أهم ما يميز
عقيدة المسلمين.
لذلك نجد أن
تسارع
الفقراء و
المستضعفين
إلى اعتناق
الدين
الإسلامي بعد
ظهوره مباشرة
و تصميمهم على
الصبر و
الثبات عليه،
و تحمل ما
مارسه كبراء
قريش عليهم،
لا يمكن
اعتباره إلا
دليلا على فهم
المسلمين
الأوائل
لحقيقة
الإسلام الذي
جاء ليحقق
كرامة
الإنسان، و
ليحفظها حتى
يكون المسلم
المومن قويا
بعقيدته و
بإيمانه، و
حفظ كرامته،
فتكون عبادته
خالصة لله. و
كما جاء في
الحديث
"المومن
القوي افضل
عند الله من
المومن
الضعيف"
و
العبادة التي
تتسم
بالدروشة، و
الضعف، و الحاجة،
و الشعور
بإهدار
الكرامة لا
يمكن
أبدا وصفها
إلا
بالاستجداء
الذي نسميه
استجداء عينة
من البشر
الذين يتمكنون
من الرقاب و
العباد. و
الإنسان
عندما يستجدي
لا يعبد الله،
و إنما يطلب
الإغاثة التي
يمكن أن تأتي
على يد البشر.
فالعبادة
تحرر، و تحرر
الإنسان مما
هو آت، و
تربطه بما هو
أزلي. فما هو
آت ينتزع من
المستغلين و
المستبدين
بالمجمتع عن
طريق
النضالات
المطلبية، و هذا
هو الفهم الذي
كان في ذهن
عمر ابن
الخطاب الذي
قال قولته
المشهورة "إن
السماء لا
تمطر ذهبا و
لا فضة" و هو
ما يفيده
الحديث
الشريف "لأن
يأخذ أحدكم
حبلا فيحتطب
على ظهره
فيبيعه خير له
من أن يسأل
الناس سواء
أعطوه أو
منعوه" و هو ما
يمكن تلخيصه
في القول بأن
كرامة
الإنسان
تتحقق
بالعمل، و
بالنضال
المطلبي، و
ليس
بالاستجداء الذي لا
يعطينا إلا شعبا
من الدراويش.
أما
العبادة فهي
في عمقها
تعبير عن شكر
الله على
تأهيل
الإنسان
للوعي بحقوقه.
و النضال من اجل
التمتع بها و
انتزاعها و
الحرص في
معاملاته على
إرضاء الله
تعالى في السراء
و الضراء عن
طريق تجنب
القيام بما
يمكن أن
يؤدي إلى
إهدار كرامة
الآخرين.
و بذلك
نصل إلى أن
تأكيد حفظ
كرامة
الإنسان أهم
ما يحرص عليه
الإسلام على
مستوى
الشريعة. و يمكننا
التأكيد على
ذلك عن طريق
تتبع ما ورد في
القرآن
الكريم إذا
تجنبنا
التأويلات
الأيديولوجية
المغرضة.
11) تنظيم
العلاقة بين
الإنسان و
خالقه، لأن هذا
التنظيم لو
ترك للبشر
لتحول
الإسلام إلى
دين
للرهبانية، و
نحن نعرف أن
لا رهبانية في
الإسلام. لذلك
تولى الله
تعالى تنظيم
هذه العلاقة
بينه و بين
عباده
الأحرار من
التبعية
لغيره. فتنظيم
العبادات و
تحديدها في
الصلاة و
الزكاة و
الصوم و الحج
بعد النطق
بالشهادتين
لم يوكله
لبشر، بل
اكتفى فقط، بتنزيل
الوحي على
رسوله محمد (ص)
ليبين للناس كيفية
القيام بهذه
العبادات، و
بعده يتعلمها المسلمون
من جملة ما
يتعلمون من
أمور دينهم و دنياهم
ثم يتركون
لشأنهم، و ما
يقوم به بعض
المتنبئين
الجدد من مدعي
احتكار
المعرفة الدينية
يدخل ضمن
تكريس محاكم
التفتيش التي عرفتها
كنائس القرون
الوسطى. و هو
ما يتنافى مع
الحرية التي
جاء بها
الإسلام، و
التي هي
الأصل في
الإنسان " متى
استعبدتم الناس
و قد ولدتهم
أمهاتهم
أحرارا". و
الله تعالى عندما
تولى توحيد
العبادات و
تنظيمها يعلم انه
قد يظهر من
بين المسلمين
من ينصب نفسه
رهبانيا و
يفرض
وصايته على
الإسلام. لذلك
فهو يحررنا من
الانشغال
بالعبادة، و
أنواعها و
كيفيتها
بتحديد
شعائرها، و
ترك أمر القيام بها
للمسلم، و
درجة إيمانه و
قدرته على
الالتزام
بتلك الشعائر.
و اكثر من هذا
جعل التحلي
بالقيم النبيلة
التي تكرس
احترام كرامة
الإنسان من عمق
الدين
الإسلامي
"الدين
النصيحة" و
"الدين المعاملة"
كما جاء في
الحديث.
فالعبادة
في الإسلام و
الحرية
صنوان، و من
يرى غير ذلك
يسعى إلى
ادلجة الدين
الإسلامي ليتحول
على يديه إلى
أيديولوجية
قمعية، و هو
عمل ينبذه
الإسلام، و
يتنافى مع
حقيقته.
12) تنظيم
العلاقة بين
البشر في أمور
معينة تهدف
إلى حفظ
الإنسان، و
تحديد نسب
الإرث، و العلاقات
العامة، و
الزواج، و
الطلاق، و
النفقة و كل
ما له علاقة
بالتربية
الروحية و
الخلقية.
و تنظيم
من هذا النوع
لا يمكن أبدا
أن يهدف إلى
فرض نمطية معينة
على حياة
المسلمين
بقدر ما يهدف
إلى جعلهم غير
منشغلين
بالعديد من
القضايا التي
تحدث في كل لحظة
تقريبا حتى
يتفرغ
المسلمون إلى
الانشغال بالقضايا
الاقتصادية و
الاجتماعية و
الثقافية و
المدنية و
السياسية
الكبرى التي
ينطبق عليها
قوله تعالى " و
أمرهم شورى
بينهم".
فالتفرع
إلى الانشغال
بالقضايا
الكبرى لا يكون
إلا عبر
مؤسسات
متفرغة للبحث
فيها من اجل الوصول
إلى خلاصات
ترفع من قيمة
المسلمين، و تؤهلهم
للعمل في أفق
إحداث تطور
نوعي في مختلف
المجالات إذا
تم تجاوز
عوامل الكبح
التي تفرضها
ادلجة الدين
الإسلامي، و
أطلقت الحريات
العامة و
الفردية، و
تأهل الإنسان
المسلم إلى
استخدام عقله
في المجالات
لاستكشاف آفاق
التجاوز و
التطور، و
إنضاج شروط
الإبداع
المعرفي بصفة
عامة، و
العلمي بصفة
خاصة.
أما إذا
لم يكن هناك
حسم في الأمور
التي تحدث في كل
لحظة تقريبا
فإن المسلمين
سينشغلون بها
عن التفكير في
القضايا
الكبرى مما
يفرض تخلفهم
المستمر، و
يضعف مستوى
وعيهم
بالقضايا الكبرى
و هو ما
يؤهلهم لقبول
الاستبداد
الممارس عليهم،
و لذلك كان
الحسم في
العديد من
العلاقات بين
البشر رحمة
بالمسلمين، و
توفير الوقت و
الجهد الذي
يجب أن يصرف
في أمور أهم
تفيد مجموع
أفراد
المجتمع
الذين يعانون
في معظم بلاد المسلمين
من الظلم و
القهر و
الاستعباد
كأسس لتكريس
الاستبداد
على المسلمين.