لماذا واية ديمقراطية ولمن؟

بقلم الدكتور شوان خورشيد, دكتوراه في النظريات السياسية من جامعة كارديف.

 

سوف لا اخوض في التقليد الذي يبدأ بعرض معنى وتأريخ الديمقراطية, أنما ابدأ بطرح فكرة حول دور او وظيفة الديمقراطية.

من المعلوم أن هناك صراع بين الناس, واعيا او غير واعي, على الموارد او المصادر, والتي قد تكون مادية, نفسية (الدعم والارتباط العاطفي), والعلاقات مع الاخرين وبضمنها العلاقات الجنسية, بما ان العلاقات تمهد اشباع حاجات وتزويد الموارد.

ان محدودية الموارد وتنوع اساليب الحصول عليها, كأن تكون افتراسية او أحتيالية او منصفة للمنتج او المزود, تولد حاجة لدى اغلبية الناس الى الاخلاق للدفاع ضد الاساليب الضارة.

هنا علينا ان ندرك انه لولا امكانية وجود قابلية ابداع وخلق وعمل لدى الانسان لما كان هناك معنى للطلب بالالتزام بالاخلاق اساسا. وهذا واضح فالكائن الذي لا خيار له فيما بفعل لكي يلبي حاجاته لا يجدي مناشدته بالاخلاق. وعليه يمكننا القول ان الاخلاقية التي توفر الظروف المثلى للخلق والابداع والعمل هي ايضا افضل الاخلاقيات. لأن مثل هذه الظروف هي التي تسنح لأكبر عدد من الناس للابداع والانتاج ومن ثم الابتعاد من ممارسات الافتراسية او الطفيلية.

أن الحاجة الى الاخلاق وتلاقي مصالح الكثيرين لوجود الاخلاق تشكل الاساس التي تقوم عليها السلطة السياسية. فعندما نقول مثلا ان السرقة حرام, فيمكن تفسير ذلك على اننا نقول, ان معظم الناس تتفق على ان تقف ضد السرقة كأسلوب للحياة لأن حتى أذا تنافق البعض او تجاوزت النزاهة فأن الاغلبية ستجد بأنها ملزمة للتعاون للقضاء او الحد من السرقة أذا كانت لوجودها ان تستمر. وهذا واضح, فجميع الذين يعتمدون في معيشتهم على مهن او بشكل عام اعمال دخلت فيها الابداع والخلق فى الماضي او الحاضر, لهم مصلحة في معاداة السرقة. وعليه يمككنا القول ان وجود هذه المصالح يمكن ان تسند اشخاصا او جماعات التي قد تدعي قيامها بمحاربة السرقة.

ولكننا نستطيع تخيل اختلافا على تعريف السرقة قد تؤدي الى تفتت او تفكك السلطة السياسية. فمثلا وسع الشيوعيون, ضمن ادبياتهم الموجهة للعامة, تعريف السرقة لتشمل الاستغلال والاحتكار.

ان الاختلاف الشيوعيون حول هذا والعديد من التعاريف والاسس الاخلاقية الاخرى ادى مثلا الى انجرار قسم من الناس ورائهم وبالتالي الى اقامة علاقة تناحرية مع السلطات التقليدية.

بوصولنا الى هذه النقطة يمكننا النظر في بعض الامور المهمة.

فبداية, يمكننا القول, انه اذا كان بمقدور الاختلاف الخلاقي تشتيت او تغيير السلطة السياسية فان شخصا طموحا يمكنه استغلاله في سبيل الوصول الى السلطة. برأي, معظم الناس يستعملون او يستغلون القضايا الاخلاقية, بشكل واعي او غير واعي, للوصول الى او تمتع بالسلطة او خلق توازنا لهم مع الاخرين. وهذا امر طبيعي ولا حاجة بالضرورة الى ادانته بشرط صلاحية الاسلوب, وهذه النقطة سوف تنقلنا الى الامر التالي.  

 

هنا لنا ان نسأل, ما هي الاساليب التي يمكن من خلالها حل الخلافات حول الاخلاق؟ أن صعوبة هذا الامر تنجلي اذا ادركنا ان السرقة هي فقط واحدة من المسائل الاخلاقية وهناك مئات او ربما الاف منها وادركنا ايضا ان قيام السلطة السياسة يحتاج الى وجود قاعدة بشرية تتفق على الاغلبية, أن لم تكن كل, من القواعد الاخلاقية.  

أنني أعتقد أن أطلاعا وافيا على التأريخ البشري سوف يؤكد لنا أن البشرية لم تبتكر اكثر من اسلوبين لحسم هذه المشكلة. فأما من خلال الايدلوجيات, وبضمنها الدين, وهو الاسلوب الاقدم والمنتشر عالميا وتاريخيا.

السمة الاساسية لهذا الاسلوب هو تنسيب المعايير والافكار الاخلاقية الى قوى خارجة عن الارادة المباشرة للانسان. فمثلا تفترض الاديان قوى عليا خالقة.

 الشيوعية, كايدلوجية, تنسب الاخلاق من جهة الى نمط الانتاج وعلاقات قوى الانتاج ولكنها من جهة اخرى لم تطرح المسألة الاخلاقية للمداولة وكأن الانسان صالح اخلاقيا وما تفسده ألا العلاقات الانتاجية الغير العادلة. أما القوى القومية الغير الليبرالية ومن ضمنها البعث فانها هي الاخرى لم تطرح هذه المسالة على انها جوهرية أنما توحي وكأن الاخلاق شيء غير معرف بوضوح اسمه الفطرة وعند البعض روحية الامة. ويمكن ان نفسر نجاح الشيوعيون والقوميون في تجنب هذه المسألة الاساسية هي نموهم ضمن مجتمعات كانت قد نشأت لوجود أنظمة فيها كانت قد دشنت اخلاقيات معينة. ذلك على العكس من الاديان التي كانت تقرر المسائل الاخلاقية لكي تتمكن من اقامة انظمة سياسية كأول خطوة.

 بشكل عام, ان الطريقة الايدلوجية تنم عن انكار دور الانسان كمصدر مباشر للتشريع الاخلاقي. وعليه فان الجماعة الايدلوجية تتحول لا الى اناس عاديين مناشدين من اجل اخلاقية معينة, بل الى ممثلين لنظرة معينة للحياة وناشطين ومحاربين في سبيل نشر وتكريس تلك النظرة الوجودية. أماالتنافس على قيادة الجماعة فتدخل فيها عوامل مثل من هو الاوفى للايدلجية (والوفاء هنا قد تتم تعريفها على اساس التشدد والتأكيد على ما يميز الجماعة الايدلوجية عن الغرباء).

ولكن علينا ان نتوقع, انه اذا كان هذا الاسلوب يرضي او يغري البعض او يرغم البعض الاخر على السكوت فانه لا يفعل نفس الاشياء مع الجميع او لايقدم نفس الامتيازات للجميع. فعلينا ان نتوقع احتياج الجماعة الايدلوجية الى ترهيب او القضاء او بشكل عام اخضاع, ضمن مناطق نفوذ,على المعارضين للايدلوجية خارج الجماعة اوعلى المنافسين على السلطة داخل الجماعة. ولذلك فان الاحتراب المجموعات الدينية والقومية او الشيوعية ضد منافسن داخليين اوضد قوى خارجية ليس امرا غير متوقعا.

ان طبيعة الاسلوب الايدلوجي وقدمه وانتشاره العالمي اتاح له رسم وتحديد التاريخ والجغرافية السياسية البشرية الى حد بعيد. ولكن ساترك هذا الموضوع لحلقات اخرى في سبيل ان انتقل الى الاسلوب الاخر لمعالجة الاختلاف حول الاخلاق.

اذا اتفقنا على اعتبار افضل الاخلاقيات على أنها الاخلاقيات التي توفر الظروف المثلى للابداع والانتاج فيترتب علينا فى المطاف الاخير الاتفاق على ان الاخلاق هى مسألة علمية.

لانه يتوجب علينا عندئذ البحث والدراسة, مثلا, فيما يخص بافضل الاساليب التربوية, افضل العلاقات الاسرية, افضل الاساليب الانتاجية, افضل العلاقات بين السياسين وبينهم وبين الناس عامة. وكل هذا, لاشك فيه, سيتطلب دراسات مستفيضة في كل العلوم التي تتعلق بالانسان ونشاطه, وقبل كل شىء علم النفس والاعصاب والحياة والاقتصاد والسياسة. وكما هو حال باقي العلوم, علينا هنا ايضا ان نتوقع اختلاف النظريات والاتجاهات بشأن جميع هذه الامور. ونتوقع ايضا خطأ بعض النظريات الاخلاقية جزئيا او كليا. وأذا كان الامر كذلك فينبغي ايضا ان نقبل باخضاع افكارنا ونظرياتنا الاخلاقية للتجارب.

ولكن هناك أختلافا حيويا بين الاراء والنظريات التي تنعكس على الاخلاق والسياسة وتلك التي ليست لديها تلك الانعكاسات. فالاسرة التي تختلف حول علاقاتها وأسسها هي اسرة معرضة للتمزق. ونفس الشىء تماما يمكن قوله عن دولة او اية حركة سياسية او دينية او حتى مؤسسةصناعية او تجارية. وحتى اذا تمكن طرف من تجنب التمزق من خلال سيطرة وأخضاع طرف للطرف الاخر فان طرفا اما يتضرر او انطباعا سيتولد بأن كل ما يهم هو القوة او القسوة ولا ضرورة للاحترام المتبادل او المساواة. وهذا مما لاشك فيه يقوض الاخلاق على المدى البعيد. وعلى عكس من هذا يمكن للخلافات حول الذرات او النجوم ان تنتظر ليست فقط لسنوات بل لقرون.

ولكن ماذا يتريب على هذا وماذا ينبغي عمله؟

أذا كانت النظريات والافكار الاخلاقية تتقبل التجربة ولكن البنى الاجتماعية والسياسية لا تتحمل تطبيق اخلاقيات متناقضة في آن واحد وفي منطقة واحدة, فيمكن ان نستنتج انه يمكن ان نتفق على تبني قرارا اخلاقيا معينا بشكل مؤقت وتجريبي. ولكن كيف يمكن ان نتفق على القرار الاخلاقي الذي سنطبقه بشكل مؤقت وتجريبي؟ الجواب ينبغي ان يكون: بشكل ديمقراطي. اي نتبنى ما تجده الاغلبية مناسبة للتجربة. ان كفة هذا الحل يرجح غالبا لان أقتراح تبني ما تختاره الاقلية سيتضمن افتراضا ضمنيا بان الاقلية متفوقة لسبب ما على الاكثرية. لكن صعوبة نجاح مثل هذه الفكرة وقلة شعبيتها يؤدي غالبا الى تبني حكم الاغلبية بالرغم من ان معظم المنظمات او الهيات التي تتبناه تقوضه او تلتف عليه بطريقة او اخرى.

ولكن من السهل ان ندرك بان قرار الاغلبية لوحده لا يكفي. فهناك احتمال خطأ الاغلبية في القرار الاخلاقي. ولذلك قان مشروعا تتبنى التجريبية في أتخاذ القرارت حول الاخلاق ينبغي عليه ايضا ان يدخل خطوات او بنود احترازية للحد او الحيلولة دون وقوع اضرارا قد لايمكن اصلاحها نتيجة تبني القرار الاخلاقي الخاطىء. هنا يمكن ان ندرك بان اولى هذه الخطوات يجب ان تكون تحديد سلطة الاغلبية لمنعها من القضاء على الاقلية او حتى اضعافها الى حد عدم تمكنها من التعبير عن اعتراضها او الكشف عن النتائج السلبية لتطبيق القرار الاخلاقي الحاطىء. الترجمة العملية لهذه الخطوات ستعني منع قتل الخصوم السياسين ومنحهم الحرية الفكرية.  اما الخطوات الاخرى فيمكن ان يكون العمل الفعال للكشف عن النتائج السلبية للقرار والتعويض عن المتضررين.

بوصولنا هنا يمكننا ان نرجع الى الاسئلة الواردة في العنوان. ضرورة الديمقراطية تنبع من اننا حتى لو اتفقنا على ضرورة الاخلاق يمكن ان نختلف على تفاصيل الاخلاق—وهذا ليس بالاختلاف الهين. ان الديقراطية المطلوبة هي التي تكون مقرونة ببعض الحقوق الاساسية, او لنقل بشكل آخر, مقرونة بالليبرالية. والديمقراطية هي لأولئك الذين يقبلون بالحرية الفكرية للاخرين ويتعهدون بعدم الجوء الى العنف والضغط الاقتصادي والنفسي في صراعهم ضد الخصوم السياسين. وكذلك يقبلون بخسارة السلطة بالديمقراطية كما ربحوها بالديمقراطية.