الملتقى الدولي الثاني للنص والمنهج :الأدب الشعبي

بالمركز الجامعي البويرة

 

سعيد الراقي

 

 

 

استضافت مدينة البويرة الجزائرية، الواقعة بمنطقة القبايل الكبرى، ملتقاها الدولي الثاني حول النص والمنهج: دورة التراث الشعبي والمنهج. وذلك من خلال ثلاثة محاور: تحديد المفاهيم، المنهج في دراسة التراث الشعبي، حضور الأدب الشعبي في النصوص السردية والشعرية الرسمية. وذلك أيام 21-22و 23 أبريل 2008، بمشاركة أكثر من أربعين ناقدا متدخلا ينتمون إلى مختلف الجامعات والمراكز الجامعية. إضافة إلى باحثين عرب: سعد القحطاني من السعودية وصبري مسلم الحمودي من العراق. ومثل المغرب وفد هام تكون من أحمد بوحسن ومبارك ربيع وبوشعيب الساوري وأحمد فرشوخ.

ونظرا لكثرة المتدخلين فقد توزعت أشغال الملتقى على ورشتين ملتزمتين بمحاور الملتقى.

 

تحديد المفاهيم

وبعد الافتتاح الرسمي يوم 21 أبريل انطلقت أشغال الورشة الأولى في جلستها الأولى التي ترأسها الأستاذ عبد الحميد بورايو. وتدخل فيها أحمد بوحسن(أستاذ جامعي المغرب) بمداخلة عنونها ب"رفع القلق عن مفهوم الأدب الشعبي" وذلك بغية عرض أصول تكوين مفهوم الأدب الشعبي والكشف عن مختلف التشييدات التي عرفها في مختلف تجلياته، وتحديد مختلف المكونات الفكرية والثقافية والجمالية التي أشبع بها المفهوم في صيرورته والوقوف على ما نتج عن ذلك من ممارسات وتصورات فكرية وفنية وجمالية. وللوصول إلى تلك الغاية استعان الباحث بمقاربة ابستمولوجية وتكوينية ومقارنة. وتلاه أحمد حيدوش(جامعة البويرة) بمداخلة حملت عنوان "المضحك في الأشكال الحكائية الفكاهية" محاولا تصنيف الكثير من المصطلحات التي تصب في أدب الفكاهة على الرغم من اختلافها من حيث المدلولات. أما حورية بن سالم (جامعة تيزي وزو) فقد قدمت تحليلا لخطاب الحكاية في حكاية شعبية امازيغية تسمى بلعجوط مزاوجة بين التحليل البنيوي والسيميائية. وتدخل لزهر مساعدية (جامعة تبسة) فحاول التمييز بين مفهومي الأدب الشعبي والأدب الرسمي كما قام بتحليل للعديد من الأمثال الشعبية الشعبية الجزائرية مقارنا بينها وبين أمثال عالمة. وتلاه مبارك ربيع (روائي من المغرب) بمداخلة حملت عنوان التراث الشعبي في النصوص الأدبية: التحول والقيم مقدما شهادة عن تجربته الروائية وكذا مسألة تحول القيم انطلاقا من العلاقة بين التحول والقيم في هذا التراث، كما يتجلى بأوضح صورة عند المقارنة مع مضمون التراث السردي والمعاصر من جهة، كما بينه وبين معطيات ميدانية في مجال القيم..

وفي جلسة مسائية عن الورشة الأولى ترأسها أحمد بوحسن وافتتحها عيسى بوفيسو(جامعة المسيلة) بورقة تحت عنوان التراث الشعبي المفهوم والوظيفة أبرزت تعدد المفاهيم واختلاف الرؤى حول مصطلح فولكلور كموروث شعبي والتي أدت إلى تعدد مناهج دراسته. أما عتيقة الأطرش(جامعة سطيف) فحاولت عرض الرؤية المنهجية التي استنبطها الباحث العراقي ياسين النصير في كتابه المساحة المتخفية في مقاربته للحكاية الشعبية العراقية وحاولت تطبيقها على الحكاية الشعبية الجزائرية. وفي مداخلة عمرو رابحي(جامعة لبويرة) تم تناول مرتكزات وبدايات الأدب الشعبي وتجلياته على مستوى السرد والشعر. وتلته عتيقة حيدوش(جامعة البويرة) بورقة معنونة ب"إسهامات الجاحظ في الثقافة الشعبية وذلك بالإشارة إلى حضور الثقافة الشعبية في كتابات الجاحظ وبيان طريقة الجاحظ في رواية الشعر والنثر على حد سواء. وتلتها حبيبة مسعودة(جامعة جيجل) مبرزة العلاقة بين بنية النص الشعبي وتحولات المنهج ومدى تحولهما وآثاره. واختتمت هذه الجلسة بتدخل لعبد اللطيف حني(جامعة الطارف) أبرز معوقات دراسة الأدب الشعبي وآثارها على نتائج البحوث العلمية وتساءل عن السبل الكفيلة بتجاوزها.

 

مناهج دراسة الأدب الشعبي

وفي جلسة مسائية عن الورشة الثانية تتأطر داخل محور المنهج في دراسة التراث الشعبي ترأسها مبارك ربيع تدخل عبد الحميد بورايو(جامعة الجزائر) بورقة حملت عنوان "الدراسة الأنتروبولوجية للحكاية الشعبية" مبرزا أسسها المعرفية والإبستمولوجية وأهميتها في تحليل الحكاية، داعيا إلى ضرورة الانفتاح على النقد الثقافي في دراسة الحكاية الشعبية. وتلاه سي كبير أحمد التيجاني(جامعو ورقلة) بورقة حملت عنوان "البعد التداولي في الأمثال الشعبية" ركزت على أهمية السياق في قيمة المثل الشعبي عندما يحضر ويغيب. وتلاه رشيد فلكاوي(جامعة بجاية) قاربت الآثار السلبية للمنهج البنيوي في دراسة الأمثال الشعبية الأمازيغية بمنطقة القبايل. مبرزا أن الأمثال لها ملابسات وظروف أنتجت فيها تتطلب منهجا يراعي خصوصيتها. أما فوزية عساسلة(جامعة عنابة) فقاربت منهج علماء العربية( كالجاحظ وابن خلدون وابن قتيبة) في دراسة الأدب الشعبي. واختتمت المداخلات بورقة عبد الرشيد نور(جامعة المسيلة) بورقة حملت عنوان "السرد القرآني وعلاقته بالمخيال الشعبي المنتج للشخصية الشعبية" محاولا إبراز تأثير السرد القرأني في بناء السرد الشعبي وتحديد مقاصده.

 

 التراث الشعبي في النصوص الشعرية

وفي اليوم الثاني (22 ابريل) والذي عرف ورشتين  ، في الجلسة الأولى عن الورشة الأولى والتي ترأسها سلطان سعد القحطاني. افتتحتها سامية جباري(جامعة الجزائر) بمداخلة حملت عنوان التراث الشعبي في الشعر الأندلسي مبرزة جمالية التراث الشعبي ومعانيه الإنسانية وصوره البلاغية وكيف أثر في الأدب الأندلسي من خلال التركيز على تحليل الزجل الأندلسي. وتلاها حاتم كعب(جامعة بسكرة) بورقة حول سيمياء العنوان في الشعر الشعبي الجزائري من خلال نموذج هو بسمات من الصحراء للشاعر حسان درنون. وتدخل امحمد زكور(جامعة جيجل) مركزا على أهمية الشعر الشعبي الأوراسي في كتابة التاريخ وما يسلطه من أضواء على الكثير من الأمور التي يسكت عنها التاريخ الرسمي. وهو ما يمنح النص الشعبي أهميته في الكشف عن العديد من القضايا التاريخية والجغرافية. أما محمد زواقي(جامعة المدية) فقد تناول التراث الشعبي في النصوص الشعرية المدونة لكبار شعراء الملحون في الجزائر مركزا على الناحية الإيقاعية فيها وعلاقتها بالشعر الفصيح. وتحدث عبد القادر لباشي(جامعة لبويرة) عن حضور وتجليات التراث الشعبي في الشعر الجزائري المعاصر من خلال نماذج شعرية مختارة. وقدم عبد القادر بوسماحة(المدرسة العليا للأساتذة بوزريعة) ورقة عن الوظيفة المرجعية في الشعر الشعبي الجزائري من خلال التركيز على الرموز الثقافية باعتبارها قادرة على إثارة رد فعل عاطفي عميق عند الأفراد. واختتمت أشغال هذه الجلسة بورقة قدمتها يمينة تابتي(جامعة تيزي وزو) وهي دراسة سيميائية في رباعيات عبد الرحمن المجذوب.

 

كما قدمت الورشة الثانية جلسة موازية ترأسها سالم سعدون تدخل فيها محمد جلاوي(جامعة تيزي وزو) بورقة عن تقنية التناص وأشكال حضوره في شعر لونيس آيت منقلات أحد أقطاب الشعر القبايلي. وتلاه عبد الكريم معمري(جامعة المسيلة) بمداخلة تحت عنوان "الشعر الشعبي في منطقة الحضنة(المسيلة) ومنطقة امجدل" محاولة إبراز أهم خصوصيات الشعر الشعبي والتي تميزت بحضور النزعة القومية كما أبرز أهم أعلامه. وتدخلت فتيحة كحلوش(جامعة سطيف) بورقة عن التناص في قصيدة حيزية للشاعر عز الدين لمناصرة، وذلك انطلاقا من رؤية تعتبر حضور النص الشعبي كلغة جماعية مشتركة في النص الشعري ككلام يمثل الأداء الفردي. واختتمت الجلسة بورقة لفيروز رشام (جامعة لبويرة) أبرزت فيها حضور قصص آلف ليلة وليلة في شعر نزار قباني وبينت طريقة توظيف الشاعر للرموز التراثية.

 

التراث الشعبي في النصوص السردية

وفي جلسة مسائية عن الورشة الأولى ترأستها حورية بن سالم أخذ في البداية الكلمة سلطان سعد القحطاني(جامعة الرياض) بمداخلة تحدث فيها عن حضور التراث الشعبي في الرواية السعودية وخصوصا  كيفية استخدام المفردات الشعبية ومدى انسجامها مع معطيات العصر الحديثة. مع التركيز على الصور المتعددة للمفردة التراثية في ارتباط بالجغرافيا. وتلاه عبد الحفيظ حرزلي(جامعة سوق أهراس) بورقة عن توظيف الطاهر وطار للتراث السردي في قصة الدروب التي استلهمت الحكايات الشعبية التي توحي بحال الفلاحين. وفي نفس السياق تناولت الباحثة حدة روابحية(جامعة قالمة) حضور التراث الشعبي في رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي للطاهر وطار. مبرزة تمكن وطار من فهم التراث ومبينة حضور التراث في الرواية المذكورة. وقد سار صالح جديد(جامعة الطارف) في نفس الاتجاه ولكن بمداخلة نقدية لتوظيف التراث الشعبي في النصوص الأدبية بغية تأكيد أو نفي المقصدية الجمالية للتوظيف تناصا ومحاورة. واختتمت هذه الجلسة بورقة رشيد العامري(جامعة سكيكدة) حول توظيف التراث الشعبي في أعمال الطاهر وطار وتحديدا جمالية توظيفه للمثل الشعبي الذي يعد حضوره ملمحا بارزا في أعمال وطار الروائية.

 

وفي جلسة ثانية موازية عن الورشة الثانية برئاسة صبري مسلم حمودي تدخل في البداية أحمد فرشوخ(باحث من المغرب) بورقة تحت عنوان جمالية المقاومة: طرائق اشتغال الأدب الشعبي في نماذج من الرواية العربية انطلاقا من فرضية أساسية ترى بأن الإبداع الشعبي قادر على مقاومة الهيمنة وتخريب السرديات المتمركزة . ومن ثم تنسيب التصنيفات الأدبية والثقافية وكسر معياريتها المزعومة .ذلك أن  إنتاج الأدبية مقترن بالسياق الثقافي ،إذ لا وجود لأدبية  وحيدة  تتجاوز الشروط المكانية والزمنية، كما أن النصوص على اختلاف أنواعها متورطة وجوبا في شبكة العلاقات السياسية الاجتماعية المعقدة. ولإبراز هذه الفرضية تناول الروايات التالية "سرادق الحلم والفجيعة" لعز الدين جلاوجي، "سبع صبايا "لصلاح الين بوجاه،"خالتي صفية والدير "لبهاء طاهر،"جارات أبي موسى "لأحمد توفيق. وتلاه محمد الأمين خلادي(جامعة أدرار) بورقة ركزت على علاقة السرد الروائي الجزائري بالتراث الشعبي من خلال عدة نماذج روائية، مبرزا أنها تستلهم جماليتها من التراث الشعبي. وقدم علي مومن(جامعة عنابة) ورقة عن توظيف التراث الشعبي في الرواية البوليسية الجزائرية خصوصا وان الرواية البوليسية تصنف ضمن الأدب الشعبي. وذلك من خلال نموذج وهو رواية ياسمينة خضرا بم تحلم الذئاب وفق منظور سوسيو نقدي. وتم اختتام هذه الجلسة بورقة للباحثة كاهنة دحمون(المركز الجامعي البويرة) حول حضور التراث الشعبي في رواية لعبد المالك مرتاض، مبرزة تقنياتها وخصائصها ودورها في تجديد السرد الروائي.

 

وشهد اليوم الثالث(23 أبريل)جلستين متوازيتين للورشتين. وقد ترأست الجلسة الخاصة بالورشة الأولى فتيحة كحلوش. وكان أول متدخل فيها هو بوشعيب الساوري(ناقد وباحث المغرب) بورقة موسومة بالحكاية الشعبية من التوظيف إلى المساءلة ركزت على ظاهرة توظيف التراث الحكائي الشعبي في السرد العربي المعاصر، وتحديدا في مجال الرواية الظاهرة التي تجلت بشكل واضح في العقود الثلاثة الأخيرة في عدد من الروايات العربية واحدة من السبل التي اتبعتها الرواية العربية في بحثها عن آفاق فنية جديدة. انطلاقا من وعي بعض الروائيين بأن العودة إلى الجذور ضرورية، ليس من أجل الانغلاق على الذات، وتقديس الأجداد، وتمجيد الماضي وتحنيطه، واستعادته؛ بل لمساءلة الذات من خلال مساءلة الماضي، والوقوف على الخصائص المميزة لها، وخلخلة التراث. سعيا منهم إلى كتابة نصوص روائية جديدة، ترتكز على نصوص سردية قديمة، يوظفونها ويحاورونها ويتفاعلون معها نصيا ولا يتطابقون معها. فلا يوظفون النصوص السردية التراثية إلا للابتعاد عنها. ولا يستعيدون التراث كما هو، ولا يقلدونه، وإنما يغنونه. وقد اختار الباحث كنموذج للتحليل روايات الميلودي شغموم. وتلته جنات زراد(جامعة تبسة) بتقديم ورقة تناولت بنية الاستهلال والاختتام في الموروث الحكائي الجزائري من خلال نماذج حكائية من منطقة القبايل. أما شريفة جوادي(المدرسة العليا لللأساتذة بوزريعة) فقد قدمت ورقة انصبت على تحليل نفسي للحكاية الشعبية انطلاقا من خلفية معرفية وابستمولوجية هامة وقدمت تحليلا لحكاية شعبية جزائرية أمازيغية وأخرى من كتاب الحمار الذهبي. وتدخل مصطفى ولد يوسف (جامعة البويرة) بورقة حول الفرد وسلطة القيم في الحكاية الشعبية من خلال حكاية الأغوال بالتركيز على البعد التربوي والبعد السوسيولوجي والبعد العجائبي. وتحدث عبد الغني بن الشيخ(جامعة المسيلة) عن حضور الخيال القصصي والعجائبي في ثلاثية ارض السواد لعبد الرحمن منيف مبرزا اثر الأدب الشعبي في التشكيل السردي والأسلوبي للثلاثية. وفي الأخير قدم سليم بركان(جامعة جيجل) قراءة عن رواية امرأة حلم أزرق لعبد الحميد الغرباوي بيّن فيها التشكيل العجائبي والغرائبي لعوالم الرواية، في علاقة بالتراث السردي الشعبي.

 

أما الجلسة الموازية عن الورشة الثانية فقد ترأسها عبد القادر عميش وابتدأت بورقة لصبري مسلم حمادي (جامعة ذمار اليمن) موسومة ب "الرمز الأسطوري في السرد العراقي" مبينا أن هذا الحضور ليس مجرد حضور مجاني وإنما يتخذ معنى جديدا قد يكون مخالفا لمعناه المتداول. وتلاه محمد الأمين شيخة(جامعة وادي سوف) بورقة حول بناء الشخصية في القصص الشعبي وأنماط التشخيص فيها وذلك من خلال أثر الصورة النفسية للشخصية في تفصيل السرد القصصي. وتحدث محمد مفلاح بن عبد الله(جامعة مستغانم) عن حضور التراث الشعبي في رويات محمد مفلاح ويتجلى ذلك في كون كل شخصيات رواياته شخصيات شعبية وبالتالي كان حضور الموروث عنده كمبدأ موجه. وتدخل اسماعيل بن صفية بورقة عن توظيف التراث في مسرح الطفل سواء من حيث المحتوى أو بناء الشخصية والصراع والحوار وغيرها من الخصوصيات الفنية التي طبعت هذا النوع من الكتابة الإبداعية التي تستلهم التراث الشعبي. وركزت مداخلة خالد عيقون(جامعة تيزي وزو) على تواصل الأشكال الأدبية في التراث الشعبي العربي والأمازيغي على مستوى البنية العميقة وكذا الخصائص الفنية.

 

وفي ختام كل جلسة من جلسات الملتقى يفتح المجال أمام الحاضرين من باحثين ومشاركين وطلبة لإغناء المداخلات بالنقاش.

 

وبعد ذلك تم اختتام أشغال الملتقى برئاسة السيد نائب مدير المركز الجامعي البويرة السيد سالم سعدون والذي أعلن عن توصيات الملتقى ومن أهمها أن أشغالها طبعت وسلمت للمشاركين في جزء أول أما الجزء الثاني فسيطبع قريبا. كما أعلن عن موضوع الملتقى القادم وهو النص المترجم والمنهج.

 

وعلى هامش هذا الملتقى، قام الوفد المغربي رفقة السيد سالم سعدون بزيارة لعدة مناطق من القبائل الكبرى وهي حيزر وتيجدة وتيزي وزو وزاوية أبي اللواء المغربي الولي الصوفي الذي تعود أصوله إلى الساقية الحمراء بالمغرب.