نها:

جارتي الطيبة الجميلة

:

كان من الذوق أن أبدأ رسالتي بالديباجة التقليدية ب"وحشاني و مشتاقة لك" وكان من اللياقة أن أبدأ بالسلام والسؤال عن أخبارك و أحوالك

.. كما كان من الضروري أن أستهل حديثي بالاطمئنان على صحتك و أنت و منار و الدكتور، لكني سأكون أكثر صدقاُ - يا نها - و أعترف أن سبب مراسلتي لك هو: أني تذكرتك اليوم .. و بالطبع، أشعر بحرج شديد كوني فكرت- أخيراً- في مراسلة جارتي اللصيقة بي في بيتي بالمعادي بعد مضي نحو سبع سنوات غربة في قطر.

أكررها .. تذكرتك اليوم بشدة .. فقد مضي ما مضى مني في الغربة.. إلا انه لم يحدث في يوم من الأيام أن يدق جرس باب بيتي هنا سوى مرات نادرة .. أما اليوم فقد تم طرق الباب مرتين!! تخيلي .. مرتين !! و هذا الحدث لم يحدث البتة منذ وطأت أقدامي شبه الجزيرة العربية !

إن الأمر كان أشبه بشعور سائق سيارة دبلوماسي وقعت له حادثتين في الطريق في نفس اليوم..

لذا فقد فزعنا في الطرقتين .. و مصطلح الفزع لم أستخدمه للمبالغة- يا نها - و لكنها الحقيقة، فنحن لسنا معتادون هنا سوى على سماع رنين الهاتف فحسب.

في المرة الأولى لدق الباب سمعت دقات موازية.. أظنها دقات

قلبي .. فانتفضت من صوت جرس الباب و كنت جالسة فشعرت أني" اتنطرت نطرة" استفاقت معها روحي .. و كان المفروض أن اذهب لأرى من بالباب .. فياسر كان يصلى المغرب.. إلا أنني تسمرت في مكاني و لم أستجب لإلحاح محمود ابني بالتحرك لفتح الباب.. و تذكرت سورة الطارق و دعيت دعاء " إلا طارقا يأتي بخير.." و مرت لحظات .. سمعت فيها صوت فتح الباب وغلقه.. ثم دخل علينا ياسر و في يده شيء ! ولم نكن نتوقع أن يأتينا زائر أو طارق .. أما أن يكون طارق مضاف إليه كعكة.. فالأمر على نحو غريب و يحتاج لشرح طويل لأنه شاذ على قواعد الحال!!

الشقة الوطن

!

فحالنا ككثير من المغتربين.. يتصف بالانطوائية والعزلة و " كل جار في حاله".. فنحن - مغتربوا الخليج- نعيش في غربة داخلها غربة .. غربة عن الوطن و غربة عن الأهل و الأصدقاء و المعارف و الجيران .. و صدقي أو لا تصدقي يا نها .. فقد تقلص معنى الوطن لدى بعض المغتربين ليصبح الوطن الواقعي هو الشقة التي يسكنون فيها !!! هذا هو الوطن الفعلي الذي يعيشون فيه بكرامة! هو وطن بلا علم و ترابه مؤجر و مواطنيه لا يشعرون على أرضه بالسيادة الكاملة ..

فالشقة أو البيت هو الوطن الافتراضي لدى المغترب الذي يمارس فيه حقوقه و يصرح فيه بآرائه دون خوف و دون شعور بالدونية

أو العبودية.. أو دون معاملة من الدرجة الثانية أو الثالثة..

وهل أملك القول- يا نها-: أن المغتربين -أبدأ- لا ينسون الوطن بما فيه من أصول و جذور و قصور و بيوت و مراتع وملاعب

.. قضوا فيها زمنأ كانوا يعتقدون حينها أن الزمن سيبقى و أن الوطن بكل ما و من فيه.. سيدوم..

ثم يغمض المغترب عينه و يدرك انه كان لديه وطن و بيوت و قصور و صار لديه ذكرى وأطياف و رسوم.

كم قصور خالها الباني ستبقى و تدوم

ثابتات كالرواسي.. خالدات كالنجوم

سحب الدهر عليها ذيله فهي رسوم

ما لنا نبني و ما نبني لهدم؟

لست أدري

طلاسم ( أبو ماضي)

و مغتربوا الخليج عادة لا يملكون رفاهية إطلاق أمثال من نوعية

" اختار الجار قبل الدار" و أعتقد أنه حتى بالنسبة للدول الطاردة لأبنائها، فإن ترف اختيار الجار أو الإقامة في عمارة سكانها كلهم أفراد في عائلة واحدة أو بناء بيت يعيش فيه كل الأبناء أصبح ترف تم نسيانه في هذا الزمن "المبارك" .. إلا أننا كمغتربين، عادة ما نقتن بنايات حبلى بسكان من جنسيات شتى .. معظمهم أسيويين.. من الفلبين و اندونيسيا و الصين و الهند و ماليزيا و نيبال .. وعندما انضم لبنايتنا ساكن سوري جديد لم نفرح و لم نحزن .. فقد تعلمنا كمغتربين أن نحيد مشاعرنا خشية أن تتضح في الأمور أمور .. لذا فمصطلح" مشاعر عدم الانحياز" مفهوم لدى عامة مغتربي دول الخليج !

لكن أذكر أنه كان لدينا

جارة بحرينية متزوجة من قطري..أرق من النسمة و ألطف من العبير .. و كانت نافذة مطبخنا تجاور نافذة مطبخها بأقل من متر مربع .. تنبعث منه روائح طيبة من المكبوس و الثريد و المشخول، بالإضافة لعطور "دهن عود المشايخ" و بخور "جبل على " و راقية"..

كما كانت تناديني أحيانا لأرى ابنتها "غالية" من نافذة المطبخ لصغيرة.. إلا أنها ما لبثت أن تركت البناية بعد شهرين من قدومي لتستقل في بيت كبير في منطقة "الوعب".. و سكنت مكانها عائلة هندية تنبعث من مطبخهم رائحة التوابل الهندية التي لا أفهم حتى الآن لماذا أغرت إنجلترا بغزو الهند !الشاهد أن هذه التوابل برائحتها النفاذة كانت تضطرنا لغلق النوافذ و فتح الهوايات و رش جليد أو حرق بخور..

سياسة الثورة المنظمة

أيضاً سكن معنا ثلاث عائلات أردنية من جذور فلسطينية.. أذكر منها عائلة كان تتمتع برب أسرة ما أن تقابليه إلا و يتبادر في ذهنك عبارة" هو ماله.. في إيه؟ دائم العبوس .. حاد الطباع.. يمشي على الأرض مختنقا شاهرا ضيقه.. نظراته تقول " اتقوني و لا تقربوني"و كان لديه سيارتان .. أحدهما يضعها في " الباكية "المخصصة له تحت البناية و السيارة الأخرى يضعها "بوضع اليد" في الباكية المخصصة لنا.. و بالطبع لم نعترض وقتها لأننا لم نكن نمتلك سيارة في بداية إقامتنا في قطر .. إلا أننا كنا سنسعد أو لو شئت الدقة، لنقل كنا سنستريح أكثر لو قام الجار بالاستئذان قبل استخدام موقفنا .. خاصة انه موقف محدد لمستأجر العقار من قبل المالك و ليس موقف في الشارع .. و لكن جارنا هذا لم يستأذن يا نها .. و في سنة من السنوات و قبل شراؤنا لسيارتنا.. قمنا باستئجار سيارة "هوندا سيفيك" من شركة" إيفيس" لمدة شهر.. تمهيدا لاستقبال مامي التي تأتي لزيارتنا في الصيف .. و عدنا سعداء بالسيارة للبيت.. وركناها في المكان المخصص لنا من قبل المالك .. و ذهبنا لجارنا لنخطره أننا نحتاج لموقفنا لمدة شهر.. و لكنه لم يكن موجود في البيت .. و للأسف لم يكن لدينا أرقام هواتفه لا هو و لا أي جار لنا في البناية.. و ثاني يوم نزلنا إلى الموقف لنجد جارنا وقد وضع لنا على نافذة السيارة ورقة إنذار و تهديد ووعيد مكتوبة باللغة الإنجليزية مفادها " ماذا؟ و إلا ! "

طبعاً

- يا نها- خفنا مما هو بعد ماذا و ارتعدنا من "و إلا " و حاولت تهدئة ياسر و أخبرته أننا لا بد أن نستوضح من جارنا و نوضح له .. و ذهبنا بالفعل للرجل و أخطرناه بالأمر و بأننا نحتاج الباكية المخصصة لنا لمدة شهر من تاريخه..

و كان رده:" و أنا وين أضع سيارتي الثانية؟

!

و ثاني يوم فوجئنا بالرجل و قد ركن سيارته في الباكية المخصصة لنا و سافر لقضاء عطلة الصيف لمدة شهر و نصف في الأردن

.. كما انه قام بالتنفيس عن الإطار الخلفي لسيارتنا.. و ربما كان هذا التصرف من جانبه تنفيسا أو تنفيذا لوعيده ب" و إلا "!

و لا أعلم كيف وفقني الله في تنقية دم ياسر الذي سممته أعمال جارنا هذا

.. أعتقد أنني استخدمت سياسية جديدة "ستيكي للغاية" لا بد من تسجيلها باسمي .. اللهم لو كان هناك من يستخدمها دون علمي.. فلقد قمت بثورة عارمة و لكنها منظمة.. و طالبت ياسر بأن يصعد الموقف و نظام...

: لا لا لا يا ياسر .. ده ما يتسكتلوش أبدا.. تولع.. الراجل زودها.. زودها يا ياسر..

و بدأ ياسر يقوم بتهدئتي و يذكرني بحقوق الجار و أجر الصبر عليه و التجاوز عن إساءته ؟ و أنا لا أهمد

- يا نها - وأثور و أجول و أخبره بما يفكر هو فيه

:

لكن ما هي طيبتك دي و تسامحك هيخليه يعتقد انه يتصرف من موقف قوى و أننا ضعفاء

فيقول

: لما كل هذه الثورة يا داليا ؟ أنت مكبرة الموضوع .. و بعدين ما يعتقد اللي عايز يعتقده.. ربنا شاهد و مطلع و أنا عايزك تهدي و تذكري الله و ربنا فرجه قريب.. روقي أنت و كله بيعدي.

سبحان الله- يا نها- قليل من الانفعال المخطط من جانبي قام بتهدئة زوجي تماما و روق له أعصابه و هذا و الله ما كنت أسعى إليه .. فلقد طالما جربت وسائل كثيرة مباشرة للتهدئة.. و لم تجد أو تفلح

.. لكن أن تستنطقي الطرف الأخر بما تريدينه.. بتبني موقفه و الدفاع عنه، يجعله حتما يهدأ لأنه يتأكد أن الجميع يرى الظلم ظلما و الحق حقا .. و هنا لا يشغل نفسه بإضاعة طاقته في إثبات حالة و إنما يتحول الأمر للسمو على هذه الحالة و لعب دور الشخصية الرزينة الحكيمة التي تتعالى على عملية التكالب للحصول على شيء ما حتى لو كان حق مشروع باعتراف الجميع!

و رغم أن ياسر قد اضطر لدفع غرامة قدرها 500ريال لشركة" ايفيس" لأنهم رأوا خدوش بسيطة بالسيارة، نظرا لأنها قد تم تلطيشها من مجهولين، بما أنها لم يتم وضعها في جراج آمن .. إلا أنه لم يشر من قريب أو بعيد لجارنا فيما يتعلق بهذه الغرامة.

تراه

- يا نها- قد اقتنع أن الإحسان للجار لا يقتصر على إهداء كعكة في المناسبات و لكن الصبر على إيذائه.. أم تراه استعان بالصبر على جار السوء حتى يرحل أو .... ؟! ربما

الشاهد أننا بعد شراؤنا لسيارتنا في قطر .. واجهتنا مشكلة الركن ذاتها .. فخفت أن تنشب مشادة بين ياسر و جارنا .. فأشرت عليه بعدم جدوى الاتصال بالرجل أو إخطاره أو مناشدته بترك الباكية لنا.. و اقترحت عليه أن يتصل بالمالك ليقوم هو باللازم.. و قد كان .. و في اليوم الثاني .. ركنا في سلام

.. و في الثالث ركنا في أمان و في الرابع، جاءني ياسر هاشا باشا بشيراً بأنه شاهد علامات قيام جارنا هذا و أسرته بالرحيل و ردد المثل السالف ذكره أو كأنه يقول : " و بشر الصابرين..."

عندما أقارن مشاكل الجيران و الركن في مصر

.. و في الغربة أجد أن الوضع في مصر أكثر تعقيداً.. فكون الإنسان في وطنه يشعر بأمان نوعاً .. و فقر أكثر .. لذا فهو يستبيح أي "مال سايب " أو أي شيء فرصة.. و يستحقها لنفسه دون أي وجه حق من خلال نظرية " اللي يجي من عين الحكومة أحسن منها "!!

و أذكر أنه في مصر تتفاقم مشاكل الجيران مع الركن

.. و رغم انه قد يكون لبعض أصحاب العقارات مكان مخصص لهم للركن .. إلا أنهم يتركون الجراج خالٍ بل و يعبونه بسيارات قديمة لا يستخدمونها، ثم يضعون السلسال الحديدي أمام" الجراج " و يصطفون لركن سيارتهم في الشارع العام .. و البعض منهم - صدقي أو لا تصدق يا نها- يقوم بعملية تخصيص أماكن الشارع لنفسه و للجيران فالأربع أمتار الأولى في الشارع لشقة 8 .. تليها أربع أمتار أخرى لشقة 16 تليها شقة 7 ثم شقة 9 و شقة 10 و هكذا.. والويل كل الويل لو ركنت شقة 9 في الشارع العمومي مكان شقة 16 .. فهذه الفعلة الشنعاء تعتبر إعلان للحرب بين الجارين.. و يستمر الوضع حتى يصبح الوضع كأحد القوانين المنظمة لسكان العمارات في مصر أو لنقل عرفا سائدا رغم انه لا يستند إلا على أرض "سايبة للحكومة" و لا مانع من نشوب خلافات و نزاعات بل و صراعات خفية أحيانا و علنية أحياناً أخرى لو ركن احدهم في الشارع في مكان لم يخصصه لهم احد واضعي هذه الأعراف الهمجية دون وجه حق!! و لأن عادة ما تكون نظم الجيرة في مصر قائمة على التوطن الدائم فالشقق هي شقق العمر .. لذا فإن أمثال و حكم ك" اصبر على جار السوء.. ليرحل أو ..." لا يخطر على بال الكثيرين - يا نها- !

كأعضاء الجامعة العربية .. يريدونها هكذا

وعادة لا توجد علاقات حميمة أو قوية بين الجيران المغتربين ..

فهم يتعاملون كأن الجار محطة صغيرة في الحياة لا داعي للوقوف لديها .. و إذا سلمنا أن معظم العلاقات الإنسانية قائمة على المصلحة.. فلنقل انه قد تعارف لدى المغتربين أنه من مصلحة الجميع أن لا توثق أواصر علاقات الجيرة.. لذا، لا ينزعج الجيران من ندرة وجود علاقات اجتماعية تجمعهم .. فهم كأعضاء الجامعة العربية .. يريدونها هكذا! تحت شعار " دعني أعيش وحدي في سلام و سأتركك تنعم وحدك أيضا بأمان " فأي علاقة اجتماعية تعتبر مكلفة.. حيث انه يجوز أن تتعرفي على عيد ميلاد جارتك فتضطرين للمجاملة أو قد يساورك الشك في أن جارتك قد تفاتحك في أنها تنوي البحث عن عمل لتتكيف مع ظروف الغلاء .. ثم تبدأ في التلميح بأن زوجها رافض مبدأ عملها رفضا تاما إلا إذا تركت أولادها معك لأنه لا يثق في أحد سواك!!

و أعتقد أنه لا ينكر أحد من المغتربين أي من الأحاديث النبوية التي توصي بالجار.. و لكن فلنقل أننا كمغتربين نؤمن أن الدين يسر .. كما أن مجالات كسب الثواب أرحب من حصرها في الإحسان للجار .. حيث من الممكن أن يتم تحصيل ثواب من أبواب و منافذ أخرى: كالاشتراكات الشهرية في الجمعيات الخيرية أو كفالة الأيتام بحوالات بريدية لا تكلف المغترب عناء بذل الوقت أو جهد العلاقات الاجتماعية المرهقة كما يتم خصمها من قيمة الزكاة السنوية .. إلا أن المغترب منا - يا نها - قد يجد لديه همة كافية و طاقة جبارة بل وقد يختلق من وقته وقت، للاشتراك في المجموعات البريدية الإسلامية و تمرير الرسائل التي تحوي أحاديث " قال الله و قال الرسول" أو تحوي رقائق و قصص مؤثرة و مقالات و عبر و أدعية نادرة بل و نكات.. فجهد اللسان مقدور عليه .. من باب " و من لا يستطع فبلسانه..."

لذا،فطبيعي أن تجدي أن علاقات الجيرة تقتصر على مقابلة الجيران لبعضهم

صدفة على باب المصعد أو تحت البيت في موقف السيارات الخاص بالبناية و نادرا على السلالم .

كعكة .. لأغراض تبشيرية

؟!

أرجو ألا تزعجك صراحتي و لكني أدركت سبب مراسلتي لك اليوم يا نها ؟

أهي الكعكة ؟!

-

كعكة من جارتنا المقابلة لنا : هكذا أخبرني ياسر ليفسر لي سبب الطرقة الأولى..

- كعكة

!؟ و من جارتنا؟ لماذا؟ و منذ متى؟! أليست مسلمة؟ بلى إنها مسلمة مثلنا .. إذا فلا توجد لديهم مناسبة احتفال بعيد الفصح الذي يحتفل به مسيحيوا الشرق الليلة.. إذن فالشاهد، أنه لا يوجد ما يدعوا للريبة .. فالكعكة ليست لها أي أغراض تبشيرية !! كما أنهم لا صلة لهم بمصر .. و إلا كنا نتوقع فسيخ لا كعكة!

لماذا لم يأت بذهننا أن الكعكة مرادف لسلوك طيب لا بد أن نشيد بل و نحتذي به ؟

لماذا لم تدخل علينا الكعكة السرور .. بل أدخلت الفزع أو على الأقل الدهشة و الريبة؟

ثم أن السيدة كانت قد أنجبت منذ شهور قليلة.. و أنا- للأسف- لم أبارك لها سوى حينما قابلتها صدفة أمام باب البيت .. و لم أهديها هدية بمناسبة ولادة ابنها "أحمد ريان".. فقد توقفت عن عادة السؤال عن الجيران و رمي بطاقات التهنئة في المناسبات و الأعياد تحت عقب الباب بعد سنتين من إقامتي في قطر .. ثم أنني عندما أخبرت ياسر أن جارتنا قد أنجبت .. لم يسترع انتباهه سوى اسم الوليد المركب الغريب .. كونه اسم عربي مركب لا يمت لأندونيسيا بصلة.

طلب محمود أن يتذوق الكعكة يا نها .. فقطع ياسر له جزء منها و أعطاني شريحة صغيرة لأتذوقها فوجدتها طيبة .. و زادت دهشتي!!

يا ستار..الهذا الحد لعب بي الشيطان الألاعيب و جعلني أظن بجارتي ظن السوء معتقدة أنها أرادت التخلص بهديتها هذه من شيء لا تريده؟!

كم تغيرنا الغربة و تبدلنا ! أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.

و لماذا اقسوا على نفسي على هذا النحو الماسوشي؟ ألن أكف عن عادة جلد الذات هذه؟

الآن - يا نها- أصبحت أسمى " النفس اللوامة أو لوم نفسي على الخطأ "جلد الذات

".. كم أنا ماهرة في التلاعب بالألفاظ !

و لكن أربما أردت البحث عن الحقيقة ؟.. فالموضوع ليس حادثة و جارة و كعكة..

إن الأمر يتعلق بطبيعة حياة و سلوك معيشي تم تغيب عنصر الجار فيه و محوه من قاموس حياة المغتربين أو بعضهم

.

الأمر هنا مختلف كل الاختلاف -يا نها-.. لقد سعينا في بداية الأمر أن نقيم

علاقات طبيعية وسطية مع الجيران.. و لكن الموضوع فشل جملة و تفصيلا .. فعامل اللغة وقف حاجز.. و الجنسية و الديانة حالتا دون إقامة علاقات وطيدة مع الجيران.. ثم أن ضيق الوقت يمكن التذرع به.. كما أن "الغريب غريب" و هذه الذريعة أولى بالسند من أي أخرى.. فكيف لنا أن نأتمن جار لا نعرف شيء عن ماضيه و حاضره و فكره و دينه و أي شيء عنه لمجرد انه يجاورنا؟ ثم ألا تكلف الحياة الاجتماعية ميزانية معينة نحن المغتربون في غنى عنها.. خاصة أن المغترب ينفق جل دخله في فواتير إيجار ومصاريف مدارس و فواتير تليفونات دولية مع ارتفاع فاتورة الغذاء ..كما يدفع جل مدخراته في التحضير لأجازته السنوية و حجز تذاكر السفر و مصاريف الإقامة في الأجازة و شراء الهدايا للأهل و الأصدقاء و الأقارب و جيرانه في وطنه الأم!

الشاهد

- يا نها - أنه بعد ساعتين من الطرقة الأولى .. دق الباب ثانيةً.. و هنا حدثتني نفسي.. أنه لن تأتي الرياح دوماً بما تشتهي السفن .. و مش كل مرة تسلم الكعكة !! فخفت ثانية.. و الله خفت.. رغم انه بالفعل و بالقول لا يوجد أي مبرر للخوف أو الفزع.. و لكنه الخوف من أي مجهول و من أي غريب و من أي طرقة و من أي طارق .. و من أي كعكة!

و المضحك أن ياسر في هذه المرة كان يصلي العشاء! و تكرر نفس المشهد بحذافيره.. إلحاح محمود لمعرفة من بالباب .. تسمري في مكاني ..ثم صوت فتح الباب وغلقه.. و رغبتي في أن يأتي ياسر سريعا و يبلغني بكل شيء دون أن اسأله .. و قد ترفق بي و جاء و أخبرني أن سائق صاحب البناية قد أتي ليخبره أن المالك منتظره تحت لمناقشة أمر من الأمور المتعلقة بإصلاح شيء في الشقة.. فتنفست الصعداء!

" ثقافة طظ "

لأصدقك القول يا نها:

أنا لم أكن يوما مع استمرار وضع الجيرة كما نشأت عليه في طفولتي في وطننا مصر..

فقد جاورت بيت جدي و لا أزال اذكر أن باب شقة 6 لم يكن يغلق سوى ليلاً.. دائماً مفتوح.. و كأنه دوار العمدة.. ندخل و نخرج و أي جار أو أي غريب يمر.. يقول : السلام عليكم ..

فيرد جدي السلام و يدعوه: تفضل.. حماتك تحبك .. سواء إفطار غداء أو عشاء!

لاحقا و بسب الأزمات الاقتصادية فإن كرماء مصر صاروا يقولون: تفضل .. الشاي!!

و قد تتعجبين

- يا نها- لو أخبرتك أن ذاكرتي لا زالت تحمل صور الثلاث كلاب الذين كانوا يقفون كل يوم أمام بيت جدي ساعة الغداء لتناول الطعام .. و عادي جدا أن تجدي "بابا جدو عبد الحميد" ينادي أحد العاملات في البيت لتسرع بإحضار طعام الكلاب.

كما أن كثير من أفراد العائلة كانوا من سكان ذات العمارة - و كان لكل شقة رائحة أستطيع التمييز بينها و بين غيرها و لو تم وضع غشاء على وجهي فطبعا كانت فسحتنا من المذاكرة أن نصعد أو ننزل لزيارة أحد الأقارب .. نأكل و نلعب و نمرح و نسرح و ننام و نلهو هنا و هناك..

و أطباق طالعة و صواني نازلة

.. و" طلعي هذا فوق و هاتي مش عارف إيه من تحت".. و كان لا يعكر صفو هذه الحياة" اللي زيتها في دقيقها "سوى وجود بعض الشركات فيها و هنا فإن باقي السكان لا يعترفون بالشركات أو بالعاملين فيها كجيران أو حتى كعابري سبيل.. ومشكلة الشركات في العمارات ليست موجودة في قطر البتة .. لأن البنايات هنا إما أن تكون سكنية و إما أن تكون تجارية.

هذه الشركات - بالعاملين فيها- كانت بئس الجيرة.. لأن الموظفين فيها يتعاملون مع كل شيء في العمارة من منطلق " ثقافة طظ " كأنها مال عام حرام أو أتوبيس حكومي لا بد من استنزافه و تقطيع جلد مقاعده " للتنفيس عن أحقاد الطبقة الدنيا في المجتمع .

فمصعد البيت .. بيت جدي .. كان يستخدمه من الثامنة صباحا و حتى ا