أعشاش السنونو

----------------------------

                                                                       لمياء الآلوسي

 

تقافز الخوف فيهم ، وامتلكهم القلق الخانق ، مع سحب الغبار المتصاعد عِبر الطريق الترابي ، الممتد إلى الغرب من الطريق المعبد ، إذ تدور حوله آلاف الحكايات الممهورة بالدم  ،  طريق يمتلكه  السيف ، ورايات قادمة من عصور مسرفة في القدم  ، يحيكها رجال جابوا الأرض ، فلم يتذوقوا لذة أعظم من دم العراقيين  ، ومن ذلك الألم المسكون فيهم  وقد اضطرتهم العربات  الأمريكية ، المتهادية بنزق أمامهم ، حتى غدا الوقت  رصاصياً  يرفض المرور لاجتيازهم  الأراضي الزراعيةَ العطشى ‘ كانت طوال الوقت تربِّت على كتفه هامسةً له ، ضاغطةً بقوة لا تعرف كيف نمت فيها على تلك العاصفة من الهلع التي تجتاحها  .

امتد الطريق طويلاً موحشاً  ، ليست إلاّ عربتهم الصغيرة تطوي المسافات ، وعربات لبعض المزارعين  ترافقهم بعض الوقت لتختفي وسط الحقول ,

 

-  كان الأجدى أن نبقى  وراء الأمريكان ، ولا نجازف في العبور إلى هذا الطريق

لم يسمعها السائق ،

 

بعد أمتار قليلة  ، ظهر مجموعة من الملثمين ،  أشاروا عليهم بالتوقف  ،  ثم  فتحوا الأبواب الجانبية  ، وطالبوه بالخروج ، فلقد كان الشاب الوحيد في العربة ، مع ثلاث نساء ،  فتشبثت به ، أذهلها المكان الذي تلاشى ، وأصبحت الدنيا  ،  حضنها الذي لا يتسع إلاّ لولدها  ،  الذي ذاب بين ذراعيها

-  يا أمي

 أدخل أحدهم  رأسه من الجانب الآخر ، كانت ملامحه  تشي بقسوة مموهة بالفرح العجيب ، كيف لها أن تفهمه ؟ ماذا يريد ؟ 

 انتزعوه  من بين يديها عنوة ، فذاب , خفق قلبها ، وكأنهم اقتلعوا حياتها في لحظات ، أخرجوه من العربة  ، مذهولاً ، غائراً  في عالم ضبابي ، تهالك بين أقدامهم ، فرفعه أحدهم من ياقة قميصه  ، ركضت إليه     

-         ماذا تريدون  منه ؟

-         إرجعي وإلا ...

-         ما الذي يثبت أنه أبنك ؟

-         ماذا تعني ؟

-         أوراقه الثبوتية ! أين هويته

-         أية هوية ؟ إنه طفل ، صبي مثله لا يحتاج إلى هوية !

-         صبي ..!

مدت يديها المرتعشتين إليه ، توسلت إليهم أن  يعيدوه إلى حضنها ،  لكن ذلك الرجل متضارب الملامح أشار إليهم ، فجرجروه إلى مكان  منعزل على ربوة مرتفعة قليلاً ، بعيداً عن الطريق الترابي  , تحيطها  أشجار كثيفة ،  عندما اجتازوا به  مجموعة منظمة من التعريشات المنخفضة  ، حيث تدلت عناقيد العنب الزاهية ، فتراطم الحزن المخزون فيها مع ذلك التنظيم العجيب للكروم .

هرولت إليهم ،  لكنهم صوبوا بنادقهم إليها ، كانت هناك حواجز ترابية عالية ، وثمة رجال بملابس غريبة ، دفعوا به إلى داخل إحدى العربات الفارهة  ، مع مجموعة من الشباب المقيدين  ، بعد أن قيدوا يديه إلى الخلف هو الآخر ،  صرخت بكل ما فيها من  هلع ،  

 

-  آه...........

-  بالله عليكم ، إرفعوا بساطيلكم عن قلبي ، إنه كل ماتبقى لي  ، إتركوه من أجلي .

 

وضع  سلاحه  في صدرها ، ودفعها بقوة أفقدتها توازنها ، فتدحرجت إلى أسفل الربوة  ،  

احتضنتها تعريشات العنب ، فأصطدم رأسُها بمساند التعريشات الخشبية الرهيفة ،  فتهاوت  فوقها  لكنها في تلك اللحظة ، سمعت صوت محركات العربات مزمجرةً بعيداً عنها  ,

 

تطايرتْ روحها إلى أقصى مجاهل السماء ،  كانت وحيدة ، لا تريد أن تصدق أي شيء مما يجري حولها فلملمتْ روحها ، وعادت لصعود الربوة ، من جديد ، ما عادت تحس بأي معنى للحياة ، خذلتها ساقاها  ،  لكنها تحاملت على هوانها   ، لا تعرف كم امتد بها الوقت ، فهي عندما وصلت إلى هناك ،  كان المكان خاوياً ،   

عادت تجر جسدها المعفر بالتراب ، وثمة خطوط  دامية على خديها ، عرفت أن الأرض تخلت عنها ،  فرفعت وجهها إلى السماء ، فرائحة  الموت تنخر في جسدها متاهات  بعمق الخوف المغروز فيه ,

عادت إلى الطريق الترابي    ، امتدت  سحابة عالية تحجب كل شيء ،  والآخرون  المذهولون   ، يرتجفون ،  في تلك العربة التي غدت بعيدة ،   يبحثون عن سبب لما حدث ،  أوعذر لهذا  الخوف  ، الذي كبلهم بالمهانة  ، وأرض ترابية حملت آثار أقدامها لتبحث عن ولدها الذي غادرها إلى المجهول  وحيدة ، منهكة  ,

تلفتت خائفة ، وثمة سؤال لا تعرف معناه  ، كيف تركته لهم ؟  كيف قطفوا منها سِنيَّ عمرها بهذا القدر من اللامبالاة  ؟

 على المسافة البعيدة عنها  ،  تراصفت بيوت طينية   ، فدبت فيها الحياة ، ركضت باتجاهها ، مستنجدة بالسماء علها تجد فيها ملاذاً لروحها  الضائعة في هذا التيه  ، وثمة خوف من أنّ تلك البيوت ليست إلاّ سراباً يدعوها للحاق به ، إيغالاً في اقتلاعها من هذا العالم  .

عندما وصلت إلى تلك البيوت  ، كانت ملابسها ترشح بالعرق ، والأرض حولها  ، تحتضن مجموعة من  المرشََات الحديثة ،  يتدفق ماؤها ، رغم أن النباتات  المزروعة  كانت صفراء متيبسة  ، تتناثر بينها أشجار مغبرة ،  جرداء ، وبقرات عجاف  ،   تدلى ضرعهن ، ونتأت عظامهن ، يقفن متكاسلات ، , في الباحة الترابية أطفال شبه  عراة  ساقوا قطيع من الماشية ، فامتلأ المكان  بالغبار ، انتبَهوا لقدومها الطارئ ، فتدافعوا للإنزواء أمام أحد البيوت  .

من مدخل إحدى الغرف  أطلت إمرأة عجوز ، ويدها على المزلاج ، والأخرى  تسند  بها قامتها المتهالكة على عكاز أعلى من هامتها

  تقدمت نحوها

-         إبني ....

 

 وانهارت ، وقد نسج القدر خيوطه الموحشة  حول قامتها المنهكة ، فأقعت على  الأرض الملوثة  بروث الحيوانات ، تعالت شهقاتها ، فتوقف الزمن ، وحلقت  أطواق السنونو ،  مبتعدةً  عن ذلك الأنين المقلق

جلست العجوز مطرقة إلى جوارها ،  مترنمةً  بشجن .  

تقهقهر الأطفال إلى آخر المكان ، في الداخل عشرات النساء ، وقد أطلت بعضهن متشحات بالسواد ، غارقات في عالمهن البائس ، شاركنها حزنها ، وكأنهن يعرفنها منذ عشرات السنين ، ثم اقتدنها إلى الداخل ، لاحظت أن خشب سقف الغرفة القديم  يحتضن الق أعشاش السنونو الجديدة ، لم تلحظ في قمة إنفعالها كيف دخلت إلى الغرفة الطينية  ، وكيف جلست على الأرض .

وُضِع أمامها  وعاء مليء بلبن رائب وخبز ، دعتها العجوز لتناوله

قبل أن تمد يديها إليه ،  هدر صوت عربة  في الخارج  ،  فرانَ على النساء قلق عجيب  ، وانزوين في ركن الغرفة ، خرجت المرأة العجوز ،  تجر خطاها المتعبة  ، وصوت ارتطام عكازها بالأرض ،  يعكس شيئاً من التوتر، وكبرياءَ مَن تملك زمام الأمور   ،

فنشب لغط في الخارج ، وصوت بدأت تسمعه بوضوح  .

همَّت بالخروج ، لكن  النساء تحلقن حولها ، طوقنها   ، ذلك الصوت الخفيض عرفته ، ومن خلال فرجة الباب الضيقة  ، لاح لها وجهه ، إنه هو بملامحه المتضاربة ، وفرحه الذي لا يعرف الإنكسار  ,

تزاحم فيها الألم ، واندلع الصراخ ، فامتدت إليها أجسادهن  ، أيديهن ، أغلقن حولها منافذ الحياة ، فتساقط جسدها مختلجاً ، ومن بين رؤوسهن المرتطمات , هناك في سقف الغرفة ، رأت رفيف السنونو  يطعم أفراخه 

 

 

                                   *****

 

                             

     -   إلى أين يا أمي ؟؟ عودي  .. لن تجني  إلاّ الألم ..!

-         بل عدْ أنت إلي ، هل يمكنك  ذلك ؟ هل بمقدورك رفض الجنان والعودة إليََ ؟

-          توقفي .. أنت تعرفين جيدا أن جنانك أطيب  إلي من كل الجنان ، أواه

-         إذن دعني ، لقد ضيعتك ،

-         أنتِ !؟  ها  ، بل هم من رسم  الموت لنا  ، خلاصاً لهم من ضجيجنا

-    تركتك تجابه الموت وحدك  ، قالوا عني مجنونة  ، لأني أرفض التحليق إلاّ معك  ، أرادونا هكذا موتى  ، وأنصاف مجانين

-         عودي ،  يا أمي  وجودك في هذا الهجير يعمينا

-         أين أنت الآن ،   ألا زلت  تلملم أشلاءك ؟   ، لقد بعثروها ، وبعثروني معها

-         أحد  الشيوخ قال لي لن تستكين ،  إلاّ إذا عادت أمك إلى رشدها ،  وتركت هذيانها

     -   شيخ مغفل ،  وهل يطيب لي العيش بدونك .. ؟

 

 

                                        *****

 

ارتفع جسدها خفيفاً  ، هشاً  في الفضاء أمامها  ،  في الوقت  الذي بقي فيه ظهرها ملتصقاً بالفراش ، رأت قدميها تتحركان أمام عينيها  وكأنهما منفصلتين عن جسد ها

وثمة أشخاص غائري القسمات ،  فزعين ، بقامات عملاقة  ، يجثمون على أنفاسها  ، كان هو الموت مصحوباً  بعذاب قاتل ، أرادت أن تستنجد بأي شيء ’ ينقذها من حالة الإنغلاق تلك  لكنها كانت وحيدة تماماً ، ليس إلا تلك الأشباح  .

خرج صوتها حشرجاتٍ مبهمة ، حاولت الضغط على قدميها  ، كي تنزلهما  إلى مستوى جسدها

لا تدري كم مضى عليها من الوقت ، وهي تصارع أشياءها  والأشباح  ، كل الذي تعرفه أنها عندما  أدارت عينيها  في الظلام  ،  غادرتها الأشباح  كما غادرها النوم  ، جسدها المتيبس لم يطاوعها ، كان سريرها منبعجاً إلى الأسفل ، وكأنها غارقة به منذ عشرات السنين ، التفتت , كان مكانه نظيفاً  ،  وهناك حد فاصل مرتفع قليلاً بين مكانيهما ، أصابها بالهلع  ، فلقد جهدت سنوات عمرها ألاّ ينمو بينهما ، ذلك الحد اللعين ، فكانت تلتصق به طوال الوقت ، فلا تنام إلاّ وذراعاها ملتفان حول جسده . 

 

 كان التراب يغطيها تماماً ،  وغطاء متهرئ يحيط بجسدها  المتصلب ، ثمة ضوء خافت يتسلل عبر فرجة النافذة  ،  أرادت أن تنهض ، لكنها  أحست بإعياء  شديد يملؤها .

يجب أن لا يراها بملابسها هذه .  

عندما فتحت خزانة ملابسها وجدتها خالية تماماً ، إلاّ من فستان أسود  ، تلفتت في أرجاء الغرفة ، كانت خيوط العنكبوت تحيك خيوطها في كل الزوايا  ، ويمنحها  الغبار لوناً جديداً غاية في القتامة  ,

تراجعت .. إذ وقفت أمامها امرأة لا تعرفها  ،  من تكون هذه الشمطاء ، المشعثة ، المتشحة بالسواد  ، بعينين ضيقتين  ، وهالات سوداء  ، تمنحها ملامح  القادمين من رقدة امتدت دهوراً  ، وكأنها تحمل لعنة أبدية ؟ رفعت يديها إلى شعرها  ، 

-         يا إلهي إنها أنا

غطت وجهها المغبر بيديها ، وخرجت ، بهدوء حزين ، قَلِق إلى الصالة الصغيرة ، يدعوها صوت شجي ينبعث من تلك الغرفة البعيدة ، التي تكللها شجرة السدر الوارفة ، في المكان المفتوح أمام السماء  ،

صوته يرافق ذلك اللحن الحزين .. عبر فرجة الباب الضيقة ، رأته واقفاً في وسط الغرفة ، لازالت  أشياؤها تحمل بصماتهما معاً  ، رفوف ممتلئة بالأعمال الخزفية والتماثيل ، المزججة ، تحمل رائحته ، ولوحاته الزيتية والمائية تزين الجدران ، وكراسي كانا قد صنعاها  من أغصان الأشجار  ، وتكوين خزفي بكوّات متباينة  ، يطل منه ضوء يتسلط على لوحته الغارق فيها ، وينسحب  على شعره الأشيب ، وكأنه لم يبارح المكان منذ آخر مرة رأته فيه ، هل عبث بها  الزمان ، وبه فتركه وحيدا  ، يخلق عالمه لوحده ؟

رائحة الألوان الزيتية الممزوجة على اللوح الخشبي في يده

لم يسمع صوت صرير الباب

-         إنكَ هنا ، لازلتَ هنا  ، وأنا ابحث عنك   .. قالت

  التفت إليها ، توقف بينهما كل شيء إلاّ الصمت ، 

كانت بقايا دموعها تُغرق وجهها  ، لاح لها أنّ عالماً من الرضا  يمتد  إليها ،

ترددت قليلا ، ثم  التجأتْ إليه ، فاحتضنها ، أحست بدفئهِ العجيب يتسلل إلى داخلها  

-  يا حنين أيامي ، وملاذي ،  لقد عدتِ إليَّ أخيراً .

 

--------------------------------