الرحلة

 

لمياء الالوسي

04/10/2007

 

كان الوقت قبل الغروب بقليل عندما ولجنا تلك الأرض الممتدة بين التلال .. التي تضيق فتلف ذراعيها حول وبين النهر الذي ينساب بصمت ووداعة .. ضيقا كان وملتويا حول نفسه .. ولجنا ذلك المكان محملين بأمتعة كثيرة تثقل خطواتنا المنسابة بسرعة تكاد تجرفنا إلى الأسفل مع انحدار الأرض الصخرية  نحن الثلاثة  لاتسرعي تشبثي بالأرض جيدا

جاءني صوته صدى من أسفل المنحدر .. لكني لم أره .. حيث انسل إلى طريق حفرته تيارات المياه المنساحة إلى داخل الوادي الضيق خلال الفيضانات .. قفز في داخلي فرح طفولي عجيب .. تضاعف عشرات المرات وسط تلك الربوات الخضراء .. وزهور  شقائق النعمان الحمراء  .. فأسرعت باتجاه الطريق الذي سلكه .. أجفلت لهسهسة الحشائش خلفي

-    لقد تأخرت هيا بنا ..

شيء ما في عينيه أقلقني .. لكني تبعته في لحظات كنت أتخيل أني سأرى النهر ،، الذي شممت عطره وذلك النسيم الرطب المعبق برائحة نباتات الطرفة ، والحلفاء ، والغرب ..  والإحساس بالاختناق والنشوة في ذات الوقت  ، أدركت إني سأكون في أحضان النهر بعد خطوتين

 لكني .. ولكــن ..

كانت الأرض التي أمامي سوداء متفحمة وكأنها قبور مشرعة فوهاتها .. وعلى التلال المحيطة بنا هامات لشيوخ تاّكلتهم السنون وحطمهم الضيم ، كانوا يقرفصون فوق التلال المحيطة بنا .. يلوكون بين أشداقهم المتهدمة ، بقايا سكائر ملفوفة منذ دهور طويلة .. وثمة سحب من الدخان المدومة فوق رؤوسهم التي هجرتها منابت الشعر والفطنة والزمن ، هامات ماعادت قادرة على الوقوف أو التفيء بفيء الخلان والأحبة ..فأخذت تزجي الوقت .. الزاحف حولها .. بعراك وهمهمة هو ضجيج لامعنى له .. يملأ المكان

أرعبني ذلك الضجيج حد الرغبة بالهرب .. أمات في كل بهجتي ورغباتي .. لااعرف كيف أتخلص من المكان ؟؟ والى أين ؟؟..اجتاحني الخوف القاتل من أن تهاجمني تلك الهامات الصلعاء .. وقشعريرة خوف امتلكتني للحظات انتفضت فزعة..  لقد كانت الأرض الممتدة في ذلك الوادي أسفنجية لزجة إذ غاصت قداي واقتحمتني رائحة كريهة متعفنة

-  ماهذه الأرض؟ أين أنا ؟ ياألهي . همست

لم تكن  الأرض صلبة ، فثمة بقايا لأجساد متحللة .. صرخت ملتصقة به .. لكنه أبعدني بلطف .. وبصوت هادئ قال

- لاتخافي .. إنها بقايا الجرذان التي تقتات عليها تلك النسور البلهاء القابعة على التلال.

- هل تلك نسور ؟؟ .. أولئك العجائز .. !!

بالله ..  كم أحسست بالانسحاق .. والهلع ..  فركضت باتجاه النهر ترشدني إليه رائحته الجميلة..  رغم عثرات الطريق .. والعفن الذي غطى جسدي كله .. ولكن .. وبعد أن أصابني الوهن .. والإعياء .. وبعد أن عبرت ذلك الأخدود الضيق .. امتدت  الأرض أمامي ...تلال رملية تناثرت حولها بضع شجيرات سقيمة  .. تنحني إلى الأسفل  .

 

لمياء الالوسي