المحاكمة: المنظور والمحظور! عبدالحسين شعبان

2008-05-25
عشية الانتخابات الأميركية، أخذت تتعاظم الدعوات لتقويم فترة السنوات الثماني من عهد الرئيس جورج دبليو بوش، متخطية أحياناً حاجز المحظورات، لاسيما بشأن توجيه الاتهامات للإدارة الأميركية بسبب ما خلفته وما ستخلفه من مشكلات كبيرة ليس على صعيد أوضاع الحاضر، بل على صعيد أوضاع المستقبل أيضاً.

منذ مدة ليست بالقصيرة والاتهامات تزداد بشأن بعض جرائم الحرب، خصوصاً وقد اتخذت في وقت ما طابع المطالبة بعزل الرئيس بوش، لاسيما اتهامه بالكذب والتلاعب بمقدرات البشر، ليس الأميركيين فحسب، بل وعلى المستوى العالمي، والإساءة إلى سمعة أميركا، إضافة إلى تأجيج الصراع الديني والمذهبي وتعذيب أسرى الحرب وانتهاك الحريات المدنية للأميركيين، وبخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية.

الجديد في الأمر أن المرشح الديمقراطي باراك أوباما أعلن أنه سيفتح حال وصوله إلى سدة الرئاسة تحقيقاً موسعاً في مخالفات إدارة الرئيس بوش للقوانين، خصوصاً فيما يتعلق بتعذيب المعتقلين والتجسس على الأميركيين، وإجازة إقامة المعتقلات في بعض الدول الأوروبية والشرق أوسطية تمهيداً لتحويل من تثبت «إدانتهم» إلى المحاكمة. ودعا أوباما إلى مراجعة المعلومات المتوفرة لتحديد القضايا التي يتعين متابعتها، وفي حالات مخالفات القوانين سيحال من خالفها إلى المحاكمة بغض النظر عن موقعه، وذلك من خلال ما عبر عنه بالطلب من وزارة العدل في حالة فوزه بالانتخابات.

وتأسيساً على مبدأ «لا أحد فوق القانون» أضاف أوباما، إذا ما وجدنا أن مرتكبي تلك الجرائم من المسؤولين الكبار، وقاموا بارتكاب ذلك العمل رغم معرفتهم بمخالفته للقوانين والأنظمة النافذة، وأنهم تورطوا في محاولة التغطية على جرائمهم.

إن تفسير تلك الكلمات هو جزء من العملية الانتخابية، أولاً بسبب فشل سياسة الرئيس بوش، وثانياً إظهار الشيء المخالف لها على أمل كسب الجمهور المتحفز في الكثير من أوساطه إلى المطالبة بتحديد مسؤولية ذلك التردي في السياسة الأميركية، لا سيما وإن نسبة %54 من الأميركيين أعلنوا تأييدهم لإجراءات الكونغرس في حالة إقدامه على إجراءات عزل الرئيس بوش حسب مؤسسة غالوب لاستطلاعات الرأي في واشنطن.
ولعل محذوراً وقف ويقف أمام المطالبة بعزل الرئيس بوش، ونعني به صعود نائبه ديك تشيني محله، الأمر الذي سيزيد الطين بلة، خصوصاً وأنه أكثر تشدداً منه وهو على رأس مجموعة الصقور، وقد يعتبره البعض أحد العقول المدبرة لتلك السياسة. وقد أشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى احتمالات تقديم الرئيس بوش كمجرم حرب حتى وإن لم يستطع أوباما الفوز في انتخابات الرئاسة. وأكدت مصادر الصحيفة أن إدارة بوش أبلغت الكونغرس أن محققي الاستخبارات المركزية الأميركية (
CIA) العاملين في ميدان مكافحة الإرهاب يمكنهم استخدام أساليب التعذيب المحظورة دولياً، لا سيما اتفاقية الامتناع عن التعذيب لعام 1984، في استجواب المشتبه بهم في كونهم إرهابيين، وهو ما تحرمه بقوة قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 (بروتوكولي جنيف: الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية).

إن اتهام إدارة بوش بأنها عبر قراراتها الرئاسية خالفت مخالفة صريحة وواضحة القواعد والقوانين الدولية، إنما هو أمر لا يخص انتهاكات الولايات المتحدة خارج حدودها فحسب، وإنما يتعلق الأمر بتأثيراتها على الداخل الأميركي، خصوصاً وأن هناك اتهامات حول إتلاف حكومة بوش، وبشكل متعمد، أشرطة الفيديو الخاصة بتعذيب معتقلين، حتى وإن كانت لهم علاقة بالأعمال الإرهابية التي كانت ذروتها أحداث 11 سبتمبر الإرهابية.
إن ما جرى في سجن غوانتانامو (2002–2008)، وفي سجن أبو غريب بعد احتلال العراق عام 2003، مروراً برحلات الطائرات السرية أو ما سمي بالسجون الطائرة، يعد جريمة حرب حسب قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، وهو ما كانت الولايات المتحدة تناقضه يوم وجهت الاتهامات إلى النازيين في محاكمات نورمبيرغ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، لاسيما جرائم التعذيب التي تعتبر جرائم من الدرجة الأولى، الأمر الذي يضع مفارقة السماح بالتعذيب تحت ذرائع مختلفة محط اتهام شديد وخطير.
لقد هدد جون كونيرز رئيس اللجنة القضائية في الكونغرس الأميركي مؤخراً بتوجيه خطابات استدعاء للمثول أمام اللجنة للنائب العام جون آشكروفت ولاثنين من المسؤولين في البيت الأبيض لاستجوابهم بشأن استخدام المحققين للعنف ضد معتقلي تنظيم القاعدة وطالبان. وكان آشكروفت قد تجاهل هذا الطلب، مما دفع كونيرز إلى تهديده باستدعائهم بقوة القانون. وكان الكولونيل موريس ديفيس قد أكد أن محاكمات غوانتانامو كانت سياسية الدوافع، وأنها معيبة، وأن الاعترافات انتزعت بالتعذيب.

لعل الخطيئة التي لا تغتفر، حتى حسب بعض الأميركيين، هي تلوث أيدي الرئيس بوش بدماء العراقيين التي لا تزال تنزف حتى هذه اللحظة، وهو ما يشير إلى التواطؤ الأميركي مع إسرائيل فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل والعلاقة بالإرهاب الدولي، خصوصاً وقد أبلغت جهات عديدة بما فيها وكالة الاستخبارات الأميركية بعدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق، ولكن تم تجاهلها، وهو ما يحاول أوباما نفض الغبار عنه بإعادة فتح ملفات الحرب على العراق عبر محاكمات قد تطال أعلى المسؤولين.

هل يمكن لمثل هذه الأطروحات إيصال أوباما إلى قمة السلطة في البيت الأبيض، أم أن اللوبي الصهيوني سيعمل ما في وسعه لوقف نشر هذه الفضيحة، خصوصاً وأن الحرب حققت له هدفاً استراتيجياً هو تدمير القدرة العسكرية العراقية، لاسيما بعد حل الجيش وتحطيمه، وتبديد العقل العراقي، وإضعاف منظومة الممانعة العربية تمهيداً لتسوية مذلة أو مجحفة مع إسرائيل على حساب الحقوق التاريخية الثابتة وغير القابلة للتصرف للشعب العربي الفلسطيني؟!

ولنا أن نتساءل، هل حشد الأدلة وحده كاف، أم أن هناك معادلات لتجعل الممكن مستحيلاً والمنظور محظوراً؟!

• كاتب ومفكر عراقي

 

 

 

صحيفة العرب القطرية العدد 7288 - الإثنين 26 مايو 2008 م ـ الموافق 20 جمادى الأولى 1429 هـ