وداعاً جينكيز أيتماتوف
مات صاحب " وداعاً ، غولساري "
د . إبراهيم إستنبولي ( سوريا )
لقد توفي منذ بعض الوقت . و قد أثار انتباهي غياب أي خبر أو إشارة إلى وفاته في أية صحيفة أو وسيلة إعلامية سورية و ربما في أغلب الصحف العربية ( باستثناء صحيفة أو اثنتين محسوبتين على " محور الاعتدال العربي " ) .. و هو الذي كان يحظى بإعجاب لافت القراء في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي في عالمنا العربي عامة و في سوريا خاصة .. و ظننت أن إعلامنا الثقافي قد تأخر في تغطية خبر وفاة كاتب بهذا الحجم إلى البطء المعتاد لديه .. و بما أنني كنت حبيس البيت عند وفاته فقد سارعت إلى إعداد مادة عنه بمناسبة رحيله .. و نويت أن أبعثها بقصد النشر في إحدى الصحف الرسمية ظناً مني بأنني أسد فراغاً في شريطها الثقافي .. لكنني عرفت أنهم اتخذوا قراراً بعدم نشر أية مادة تخص هذا الكاتب و ذلك لأنه كان قد زار يوماً ما إسرائيل و اعتمر العمامة الصهيونية مما استدعى وضعه على قائمة الكاتب المحظور التعامل معهم .. و قد يكونوا على حق في ذلك . و لكن لعله كان وراء ذلك مَن دفعه إلى هكذا خطوة عن طريق إغوائه بإمكانية حصوله على جائزة نوبل للآداب ( كما كان و لازال يظن الكثير من الكتاب و المثقفون العرب بأن الطريق إلى نوبل تمر عبر زيارة الدولة العبرية ) ..
إنه الكاتب السوفييتي – القرغيزي المعروف جينكيز ايتماتوف الذي توفي قبل أسبوعين . و لذلك فإن الكاتب سوف يغيب عن عامه – عام جينكيز أيتماتوف الذي تقرر الاحتفال به هذا العام في جمهورية قرغيزستان – الجمهورية المستقلة حالياً و السوفييتية سابقاً – حيث ولد و ترعرع الكاتب الراحل عام 1928 في قرية شيكر الواقعة في وادي تالاس الذي يعتبر واحداً من أهم المراكز الحضارية للشعب القرغيزي . و هذا ما سوف يشير إليه أيتماتوف لاحقاً في معرض حديثه عن طفولته قائلاً : ليست الطفولة مجرد مرحلة مهمة و حسب بل إنها تشكل نواة الشخصية في المستقبل .
و بالفعل ، لقد تزامنت طفولة جينكيز أيتماتوف مع السنوات الصعبة من تاريخ وطنه الكبير آنذاك - الاتحاد السوفييتي – مع مرحلة الحرب الوطنية العظمى التي خاضها الشعب السوفييتي بأسره ضد جحافل الفاشية . فالتقت الحرب أيتماتوف في عام 1941 و هو ما زال فتياً لتودعه في عام 1945 و قد صار شاباً مكتملاً أنضجته تجارب الحياة المختلفة في قريته البعيدة التي كانت خالية من الرجال حيث كانوا يقومون بواجبهم في الجبهة .. و قد وجدت مشاكل الحرب و سنوات ما بعدها لاحقاً انعكاساً لها في إبداع صاحب قصة " جميلة " و " المعلّم الأول " ...
و كان موضوع الحرب أول ما ظهر عند أيتماتوف في قصة " وجهاً لوجه " التي نشرها عام 1957 باللغة القرغيزية .. و مع أن أحداث القصة تدور في قرية جبلية بعيداً عن الجبهة ، إلا أن أصداء الحرب تحضر بقوة في القصة : القطارات تنقل قوات الاحتياط متوجهة نحو الغرب إلى الجبهة . لم يكن وارداً أن يفكر أحد بالهروب خلال توقفات القطار .. لكن اسماعيل قرر الهروب .. ليعود إلى بيته قبل رفاقه ، و مع أنه عاد حياً سليماً معافى لكنه ميت أخلاقياً ..
نعم ، يعود الجندي الفار إسماعيل لزوجته و لأبنه .. في البداية تستقبل سعيدى زوجها إسماعيل بفرح غامر بعد أن فرقتهما الحرب قبل أن يقضيا معاً وقتاً كافياً .. لكن الفرح سريعاً ما يخبو ليخيم بدلاً منه على العائلة ظل أسود ثقيل .. إذ كان إسماعيل مضطراً للهروب و التخفي بعيداً عن الناس ليجد نفسه خارج المجتمع .. ثم ليصبح غير قادر على المحافظة على إنسانيته .. ويتحول بالتدريج إلى شخص متوحش تماماً .. و تحلّ اللحظة التي تشعر فيها سعيدى بأن زوجها مذنب و أنها هي أيضاً مذنبة تجاه الناس .. فتقرر ترك المنزل بعد أن تأخذ معها ولدها الصغير .
كما استقبل القراء بحماس و باهتمام كبير قصة جينكيز أيتماتوف التالية " جميلة " ( 1958 ) .. و لشدة إعجابه بالقصة فقد قام الشاعر الفرنسي الشيوعي الشهير لويس أراغون بترجمتها إلى الفرنسية بعد عام فقط من نشرها قائلاً : إنها أجمل قصة عن الحب .. ثم تتوالى ترجمة القصة إلى عدد كبير من لغات العالم . تدور القصة حول امرأة قرغيزية شابة تلبي نداء القلب فتمشي للقاء الحب بالرغم من الأعراف الاجتماعية البالية .. فتؤكد حقها في بناء سعادتها الخاصة . فنجد أن استقامتها و صراحتها إلى جانب محبتها للعمل و حزمها إنما هي نتاج التربية في ظل النظام السوفييتي .
أما رواية " وداعاً غولساري " ( 1966 ) فقد شكّلت نقلة نوعية جديدة في إبداع أيتماتوف .. بطل القصة هو الراعي الشيوعي تَنَاباي الذي لم يشغل أية مناصب في حياته و لم يجر وراءها .. بل كان مكافحاً حقيقياً في العمل لا يخشى تحمل المسؤولية و قول كلمة الحق في أية ظروف . هكذا جعل منه الحزب شخصاً قوياً مقداماً و محباً للخير و مكافحاً ضد التملق و الطفيلية و الخداع . و كذلك هو حصان تناباي - غولساري العزيز الذي كان مفعماً بروح السباق و التحدي و الذي كان صدره منفتحة لريح السهوب بكل ثقة و اطمئنان .. لذلك نجد أن الكاتب قد عنَونَ القصة باسم الحصان و ذلك لأنه أحس بوجود صفات مشتركة بين تناباي و صديقه غولساري – نفس النبل و الوفاء و الشجاعة و التفاني ...
باختصار ، و نحن نقرأ قصص و روايات أيتماتوف فإننا نرى أهميتها الفنية و التربوية كما و نلاحظ كيف إن موهبة الكاتب تتطور و كيف إن إبداعه يصبح أكثر عمقاً و متعدد الأوجه .
ما يميز البطل في روايات و قصص أيتماتوف أنه موجود بالقرب منا نحن الناس العاديين و في أننا نكتشف أشياء كثيرة مشتركة بيننا و إياه ... فهو طيب و متسامح ، قلبه منفتح للمحبة و التعاطف .. لكنه تعاطف المكافح و محبة المناضل و تسامح القوي .
لم يكن درب الإبداع عند جينكيز أيتماتوف سهلاً ، بل كان مليئاً بالجهد المتواصل و بالدراسة المستمرة لحياة الناس من حوله .
كان إبداع أيتماتوف يتميز بمقدرته على الغوص في أعماق العالم الروحي للإنسان و اهتمامه بما هو أسمى مما يجري في الحياة اليومية .. و قد كان محقاً رسول حمزاتوف حين قال أن إبداع جينكيز أيتماتوف ذو صبغة عالمية . و هنا لا بد أن نشير إلى أن كلاً من حمزاتوف و أيتماتوف قد تمكن من اكتساب العالمية انطلاقاً من الموضوع المحلي و لكنه المحمول على سمات إنسانية عامة قوامها الخير و الجمال و المحبة . تلك السمات التي لطالما دأبت الدعاية في الاتحاد السوفييتي السابق على رفع رايتها في وجه الدعاية الرأسمالية المشبعة بالجشع و بالأنانية ... و لعمري إن هذا ما يلمسه البشر و الحجر في وقتنا الحاضر بعد غياب مجتمع الاشتراكية و نزعتها الإنسانية .
و نظراً للشعبية الكبيرة التي كانت تتمتع بها قصص وروايات أيتماتوف فقد تم تحويل معظمها إلى أفلام سينمائية لاقت رواجاً هائلاً عند المشاهدين .. كما تم إخراج بعضها على خشبات أفضل مسارح الاتحاد السوفييتي السابق ..
لقد نال جينكيز أيتماتوف عن جدارة أرفع الأوسمة لقاء أعماله الإبداعية .. و لكن الكاتب كان يعتبر محبة الناس و القراء الوسام الأغلى على قلبه ..
لقد أقيمت للكاتب مراسم تأبين شعبية وحكومية حضرها قادة الدولة بمن فيهم رئيس الجمهورية و جماهير غفيرة من القرغيزيين ... و راح الناس يتدفقون بكثافة إلى الصرح الكبير بالقرب من العاصمة القرغيزية بيشكيك حيث كان مسجى جثمان الكاتب لكي يلقوا عليه نظرة الوداع الأخيرة . نعم لقد بادل الناس أيتماتوف المحبة التي انعكست مشاعر و علاقات إنسانية رائعة في مجمل أعماله الأدبية التي تمت مضاعفة تأثيرها مرات و مرات من خلال نقلها إلى المسرح و شاشة السينما .