الدساتير العربية و تكريس الطائفية...

 

محمد الحنفي

 

sihanafi@gmail.com

 

   

    1) كثر الحديث هذه الأيام – خلال شهر غشت 2005 – عن الدستور العراقي، و شرعنته للطائفية على أرض العراق الشقيق. و هذه الشرعنة تفرض المواجهة اللازمة من قبل العراقيين و من العرب من المحيط إلى الخليج. و من قبل الإنسانية التي تسعى إلى تجاوز معيقات التطور و التقدم و التقريب بين الإنسانية في مجموع الكرة الأرضية، انطلاقا من القوانين الدولية، و من مواثيق حقوق الإنسان العامة و الخاصة.

    و العراقيون ليسوا وحدهم المهددون بدستور شرعنة الطائفية، بل إن العرب جميعا مهددون بذلك. خاصة و أن النظام الرأسمالي العالمي يسعى، و بكل ما لديه من إمكانيات مادية و معنوية إلى إثارة النعرات الدينية و العرقية و اللغوية، و بعثها من الرماد البالي الذي لم يعد صالحا من أجل أن تلعب دورها في تمزيق وحدة الشعب العربي في كل قطر على حدة، حتى تنعدم إمكانية القوة و الاستقواء بالإمكانيات الذاتية، و حتى يحل الصراع الطائفي محل الصراع الطبقي. و لذلك فما يجر في العراق و بشكل مكشوف، يتم التبييت له في كل بلد على حدة، بل إن النظام الرأسمالي العالمي يسعى إلى إحداث صراع مرير بين دولة و أخرى، أو بين مجموعة من الدول ضد مجموعة من الدول الأخرى، حتى يجدها مناسبة لتبرير سيطرتها الاقتصادية و السياسية، و العسكرية على العالم. و لذلك نجد أن دسترة الطائفية في العالم العربي في مختلف البلدان ذات الأنظمة التابعة، صار هما رأسماليا عالميا لا محيد عنه لضمان سيطرتها على خيرات العالم خلال الألفية الثالثة، و حتى لا توجد هناك قوة تنافسها على ذلك.

    فهل يتضامن  الشعب العربي في كل بلد عربي مع الشعب العربي في العراق و هو يعمل على مواجهة الدستور الطائفي ؟

    و هل ينتبه العرب إلى إثارة النعرات العقائدية من خلال دسترة الدين الإسلامي في الدساتير العربية يدفع في اتجاه السماح بتأسيس أحزاب على أساس عقائدي ؟

    و هل يمكن اعتبار السماح باستنبات الأحزاب الدينية أو العرقية أو اللغوية إيذانا باستنبات الأحزاب الدينية أو اللغوية إيذانا بترسيخ المجتمع الطائفي خدمة للرأسمالية العالمية، و تنفيذا لتعليماتها ؟

    أليست الغاية من دسترة الدين و اللغة و العرف هي دسترة الطائفية في نفس الوقت ؟

    أليست دسترة الطائفية رجوعا إلى الوراء، و تحريكا للصراع الطائفي ؟

    فهل يمكن اعتبار قيام دستور ديمقراطي كقانون أسمى لدولة الحق و القانون تجاوزا للطائفية ؟

    و ما هي الدولة العربية القائمة على أساس دستور ديمقراطي يكرس سيادة الشعب العربي على نفسه في تلك الدولة ؟

    إننا في البلاد العربية أمام واقع الطائفية الذي  ينتشر كالفطر بتشجيع من النظام الرأسمالي العالمي و بدعم منه حتى يزداد الشعب العربي تمزقا، و تصير وحدته من باب المستحيلات.

    و لذلك فما يجري في العراق يهدد مصير العرب جميعا، لأن إحياء النعرات الطائفية قائم منذ زمن في منهج النظام الرأسمالي العالمي، و تعمل على تفعيله الأنظمة التابعة في المشرق كما في المغرب و في كل مكان من البلاد العربية من المحيط إلى الخليج.

 

    2) فلماذا أثار هذا الدستور العراقي الطائفي الديني العرقي كل هذه الضجة على مستوى الإعلام الرسمي و غير الرسمي ؟

    إننا في الواقع أمام أمرين أساسيين حاصلين في العراق الآن :

    الأمر الأول : التسلط الأمريكي الرأسمالي العالمي في احتلال العراق الذي كلف الولايات المتحدة الأمريكية و حلفاءها، و يكلفها يوميا، و سيكلفها في مقتبل العمر الاستعماري في العراق الكثير على مستوى الخسائر المادية، و على مستوى الخسائر في الأرواح إلى درجة أن الولايات المتحدة راعية "الديمقراطية" و "حقوق الإنسان" في العالم لم تعد تبالي بما يتم إعداده في العراق. و بأن ما يتم إعداده يسيء إليها. فما يهمها هو أن يقوم هكذا نظام في العراق، حتى تجد مبررا للخروج منه، حتى تعتبر تدخلها شرعيا، و خروجها من العراق أيضا شرعيا.

    و الأمر الثاني : أن عملاء أمريكا الذين تحملوا مسؤولية الحكم بعد برايمر يدركون جيدا أن أمريكا متورطة، و أنها لا تستطيع أن تدخل معهم في صراع من أجل وضع دستور ديمقراطي حقيقي، لأن ذلك قد يجر إلى صراعات بين عملاء أمريكا الذين لا يفهمون إلا منطق المحاصصة. و ما داموا قد دخلوا إلى العراق على ظهور الدبابات الأمريكية، فإن الذي يهمهم هو كم يأخذ كل واحد منهم من العراق، ليصير العراق موزعا بين عملاء أمريكا الذين ليسوا إلا مجموعة من الطوائف الدينية و العرقية و اللغوية. و لذلك كانت أمريكا و لازالت تغض الطرف، و لا تفعل شيئا، حتى تستمر في كسب ود هؤلاء العملاء، و كل ما تفعله هو تجنيد آلاف الجنود لهتك حرمات الأسر، و لتقتيل العراقيين بدعوى البحث عن الإرهابيين.

    و هذان الأمران يدفعان إلى العمل على فهم من يحكم العراق الآن ؟ و من يسعى إلى جعل العراق للعراقيين ؟

    فالدستور الطائفي في العراق إذن هو دستور تحضر في وضعه خلصية الاحتلال الأمريكي، و تورط الولايات المتحدة في ذلك الاحتلال، و سعيها إلى استيلاء أمريكا على نفط العراق و على اقتصاده بواسطة شركاتها العابرة للقارات. كما يحضر في خلفيته إرضاء العملاء الذين لا شرعية لهم إلا شرعية الولاء المطلق لأمريكا، و شرعية الانتماء إلى الطوائف الدينية و العرقية. و هذه الخلفية هي التي تعمل على التسريع بإخراج الدستور العراقي على مقاس التصور الأمريكي الطائفي حتى يتم بناء نظام عراقي طائفي موال ولاء مطلق للنظام الرأسمالي العالمي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

    3) و إذا كان هذا هو الأساس الذي تقوم عليه الطائفية في الدستور العراقي، فماذا عن الدساتير العربية ؟ هل توجد فيها نكهة طائفية ؟ و إذا وجدت، فما هو الأساس الذي تقوم عليه ؟ هل هو أساس عقائدي؟ و هل هو أساس عرقي ؟ و هل هو أساس لغوي ؟

    إن الدساتير العربية من المحيط إلى الخليج بما فيها دستور العراق لا يمكن أن تكون بريئة من نكهة الطائفية، حتى و إن ادعت ذلك، و مهما حاولت إخفاء الشمس بالغربال كما يقولون، خاصة و أنها تتراوح بين أن تكون دساتير عشائرية، أو ملكية، أو جمهورية أو حزبوية.

    و أنها تنص على أن دينا معينا هو دين رسمي للدولة، أو أن مذهبا معينا من جملة مذاهب دين معين هو مذهب الدولة. و هذا معناه أن العشيرة، أو العائلة المالكة، أو المنتمين إلى المؤمنين بدين معين، أو المتمذهبين بمذهب ديني معين يصيرون مدسترين، أي تصير لهم السيادة دون سائر الناس، أي أن طوائف معينة هي التي تصير حاكمة، و مالكة لوسائل الإنتاج و مستغلة للمجتمع ككل، و بالصفة المد سترة، لتصير بذلك الدساتير العربية دساتير طائفية، و مكرسة للطائفية و باعثة عليها. بالإضافة إلى كونها تقر قيام الأحزاب السياسية على أساس مذهبي، أو ديني، أو مؤدلج للدين الإسلامي أو أي دين آخر. و هو ما يعني أنها جميعا مخالفة للمواثيق الدولية، أو غير متلائمة معها في معظم بنودها. لأن تلك الملاءمة تتناقض مع مصالح العشائر أو الأسر الحاكمة، أو الأحزاب الدينية، المتمثلة في التسلط على رقاب البشر، و على الاقتصاد، و الاجتماع و الثقافة و على العلاقات الدولية من اجل توظيف كل ذلك في تحقيق الإثراء السريع، و في تنظيم الاستغلال المادي و المعنوي لمجموع أفراد الشعب في كل بلد عربي .

      و في نظرنا فإن الدستور –أي دستور- و مهما كانت الجهة التي وضعته من غير الشعب المعني بذلك الدستور و بواسطة المجلس التأسيسي، فإنه يكون دستورا غير ديمقراطي و غير شرعي و غير معبر عن إرادة الشعب العربي في كل قطر من الأقطار العربية. فإنه لا يكون إلا دستورا طائفيا. و الدستور الطائفي لا يمكن أن يكون ديمقراطيا. و الأنظمة العربية من المحيط إلى الخليج لا يمكن أن توصف بغير كونها أنظمة طائفية، حتى و إن تعلق الأمر بالحزب الحاكم، الذي قد يكون المنتمون إليه من نفس العشيرة، و إلا فلماذا نجد أن الحاكم يوصي بتولي ابنه من بعده سواء في ذلك النظام الملكي أو النظام الجمهوري.

    و الدساتير العربية لا تتجاوز نكهتها الطائفية إلا بصيرورتها دساتير ديمقراطية متلائمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و مكرسة لسيادة الشعب على نفسه و ممكنة له من تقرير مصيره بنفسه.

    4) و إذا تم اعتماد الأسس العقائدية، و العشائرية و الحزبوية في تكريس النكهة الطائفية في الدساتير العربية، ألا يمكن اعتبار دسترة الأديان في الدساتير العربية إيذانا بتأسيس الأحزاب السياسية و النقابات و الجمعيات على أساس ديني ؟ أو ما هي النتيجة التي تؤدي إليها الدساتير العربية ذات النكهة الطائفية ؟

    إن أي مدخل للطائفية القائمة على أساس عقائدي، ليس إلا اعتماد دين معين، أو مذهب ديني معين دينا رسميا أو مذهبا رسميا للدولة من خلال دستور معين في بلد معين. لأن الدولة عندما تدستر دينا معينا تعمل على أدلجته، أي تعمل على جعله يخدم مصالح الطبقة الحاكمة، أو العشيرة، أو الأسرة، أو الحزب الديني الحاكم ... و هو ما يعطي الحق لجميع الناس من اجل العمل على تأويل نقيض للدين، يجعل الناس الذين يعانون من القهر ينساقون وراءه، فيعمل المسؤولون الجدد على تنظيم أنفسهم لخوض الصراع ضد الطبقة أو ضد العشيرة أو الأسرة المدسترة للدين، الأمر الذي يؤدي إلى ضرورة الاعتراف بالتنظيمات المؤدلجة للدين و المنبثقة عن دسترة الدين في نفس الوقت. و هذا ما يعني في نهاية المطاف قيام الطوائف الدينية على أرض الواقع، و أن كل طائفة من هذه الطوائف لها تأويلها. و أن هذا التأويل يعتبر ذريعة للقول بالنيابة عن الله في الأرض، أي القول بالوصاية على الدين، أي دين ما دام مدسترا.

    و بذلك يتبين أن دسترة الدين، أي دين، تعتبر فعلا، إيذانا بإعطاء الشرعية للأحزاب التي تقوم على أساس ديني، أو على أساس مذهب ديني ، كما يتبين أن إعطاء الشرعية للأحزاب الدينية أو القائمة على مذهب ديني إيذانا بشرعنة الطائفية، لأن ذلك سيكون مبررا لإعطاء الشرعية القائمة على أساس لغوي أو عرقي، لتتسع بذلك دائرة الطائفية، فتصير المطالبة بدسترة كل ذلك تبعا لدسترة دين معين، أو لغة معينة ليسود صراع غير شرعي من الناحية العلمية، و لكنه يصير شرعيا من الناحية الدستورية. لأن الدساتير القائمة على هوى الطبقات أو العشائر أو الأسر أو الأحزاب الدينية الحاكمة لا يمكن أن يؤدي إلى ذلك. و بناء عليه :

    5) ألا يعتبر السماح باستنبات الأحزاب الدينية أو العرقية أو اللغوية إيذانا بترسيخ المجتمع الطائفي؟

    إن أي استغلال للدين إيديولوجيا و سياسيا من قبل الطبقة الحاكمة في أي بلد عربي، أو غير عربي، من اجل اكتساب شرعية التسلط على رقاب البشر بالاستناد إلى فرض الشرعية الدينية التي لا وجود لها إلا في أذهان مستغلي الدين. لابد أن ينتج من يلجأ بدوره إلى توظيف الدين من أجل مقاومة الحكام فتظهر بذلك فرق دينية لا حدود لها، لكل منها تأويلها الخاص و إيديولوجيتها الدينية الخاصة، و موقفها السياسي الديني الخاص، و لها الحق في ذلك، لأن الطبقة الحاكمة في كل بلد تستغل الدين و تؤوله على هواها، بل و تدستره ليصير دينا رسميا للدولة. فكأن الدولة كشخصية معنوية تؤمن و تكفر، و هو ما يعني أن استغلال الدين من قبل الحكام و دسترته لا تعني منطقيا إلا السماح بتأسيس أحزاب و جمعيات و نقابات على أساس ديني. و هو ما نستنتج منه أن جميع المجتمعات في البلاد العربية و في غيرها من البلدان المدسترة للدين لا يمكن التعامل معها إلا على أنها مجتمعات طائفية، بل إن الدولة التي تشعر بخطورة ذلك على مستقبل الحاكمين فيها، تحاول أن ترفض تأسيس أحزاب و جمعيات على أساس ديني تجد مواجهة عنيفة من قبل الراغبين في ذلك. بل إن الجمعيات الحقوقية التي تستند في برامجها و مواقفها إلى مرجعية المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان العامة و الخاصة، تصير من  متناقضة مع مرجعيتها عندما تطالب بالسماح بتأسيس أحزاب و جمعيات على أساس ديني، أو عرقي أو لغوي. ليصير قيام أحزاب و جمعيات و نقابات على أساس ديني ترسيخا للطائفية في المجتمع العربي لتصير بذلك ملازمة له، و جزءا منه، و ليس في العراق وحده. و من الطبيعي جدا أن يكون المجتمع العربي متخلفا، لأنه يحافظ بكل ما لديه من إمكانيات مادية و معنوية على مظاهر التخلف في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و يكفينا الرجوع إلى البرامج الدراسية لنقف على الفقرات المعتمدة في تلك البرامج و التي لا يمكن أن تخرج إلا أجيالا متخلفة. و يكفينا أيضا أن نقف على حجم التخلف القائم في مجتمعنا. و لذلك لا نستغرب أن تسود العقلية الطائفية، و الفكر الطائفي، و الممارسة الطائفية في الواقع العربي، و ما العراق إلا نموذج لما يمكن أن يصير إليه الأمر في كل بلد عربي على حدة و لذلك نضطر إلى طرح السؤال :

    6) هل هي الغاية من دسترة الدين و اللغة و العرق هي خلق شروط المطالبة بدسترة الطائفية ؟

          إن دسترة الدين تفرض القول بالاختلاف في تأويل الدين و شرعنة ذلك الاختلاف بالسماح بتأسيس أحزاب على أساسه. و أي تأويل ليس إلا قراءة للنص الديني انطلاقا من المصلحة الطبقية للجهة المولة. و بالتالي فإن المجتمع سينقسم إلى جماعات مختلفة، و متصارعة بناء على التأويل الخاص للدين.

    و إذا ثبت الإقرار بوجود جماعات مؤدلجة للدين، فإن جماعات أخرى ستقوم على أساس ادلجة اللغة، أو اللهجة، أو العرق، أو الجهة. و بالتالي فإن هذه الطوائف جميعا يصبح من حقها أن تبني أحزابا على أساس لغوي أو عرقي أو جهوي لا فرق في ذلك بينهم و بين الجماعات القائمة على أساس ديني.

    و معلوم أن المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان تدعو إلى عدم اعتماد المعتقدات و اللغات، و الأعراق، و الجهات منطلقا لتأسيس أحزاب دينية أو عرقية، أو لغوية، أو جهوية، لأن ذلك لا يؤدي إلا إلى قيام صراع غير مشروع في المجتمع العربي. و الدساتير العربية المدسترة للدين، و المحفزة على تأسيس الأحزاب و النقابات و الجمعيات على أساس ديني هي دساتير تهدف إلى خلق شروط قيام الطوائف الدينية. و العمل على دسترة تلك الطوائف بشكل أو بآخر. و هي بذلك تتناقض مع المواثيق الدولية بتمسكها بشروط تكريس التخلف، و بناء على ذلك :

    7) فهل يمكن اعتبار أن دسترة الطائفية رجوعا إلى الوراء، و تحريفا للصراع الطبقي ؟

    إن طبيعة الطبقات الحاكمة الهجينة و المتخلفة بسبب أصولها غير الشرعية، يفرض أن تركب أي مركب من اجل جعل الواقع في خدمة مصالحها الطبقية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، فهي تؤدلج الدين، و تدستر تلك الادلجة، و تسمح بقيام أحزاب دينية، و عرقية، و لغوية، و جهوية، و تعرض مستقبل الشعب العربي من المحيط إلى الخليج للكثير من المخاطر الناجمة عن جعل العرب من المحيط إلى الخليج ينشغلون بالألقاب الطائفية التي لا حدود لها بدل أن تنشغل بالاستغلال الطبقي الممارس عليها و الذي يهضم كل حقوقها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تعوضها بالدخول في عملية المطالبة بالحقوق المتعلقة بالطوائف المختلفة، الدينية و العرقية، و الجهوية، الأمر الذي يشكل ضمانة كبرى لتأبيد سيطرة الطبقة الحاكمة في كل بلد عربي على الاقتصاد، و على توجيه الاجتماع، و الثقافة، و التحكم في السياسة، و في إطار انصياعها لارادة الرأسمالية العالمية، و لتعليمات مؤسساتها المالية الدولية.

    و لذلك نرى أن دسترة أساس قيام الطائفية و رعايتها على ارض الواقع يعمل على تحريف مفهوم الصراع الطبقي في أبعاده الإيديولوجية و السياسية و التنظيمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الفكرية، ليصير صراعا دينيا دينيا، أو عرقيا عرقيا، أو لغويا لغويا، أو قائما بين جهة و أخرى. و بناء على ذلك، فالأحزاب القائمة على أساس الصراع بين الطبقات المتناقضة في المجتمع تفقد قيمتها لتحل محلها الأحزاب الدينية و العرقية و اللغوية، و يغيب الوعي الطبقي ليحل محله الوعي الزائف. ليكون تحريف الصراع الطبقي عن مساره الصحيح أكبر إنجاز تقوم به الطبقات الحاكمة في البلاد العربية لحماية مصالحها، و ضمان سيطرتها و تأبيد تلك السيطرة.

    8) فما العمل من اجل تجاوز العقلية الطائفية ؟ هل يكفي أن تناضل الشعوب من اجل قيام دستور ديمقراطي كقانون أسمى لدولة الحق و القانون ؟ أم أنه لابد من شيء آخر ؟

إن تجاوز العقلية الطائفية ليس رهينا بإرادة فرد أو طبقة، أو حتى شعب بكامله. لأن العقلية الطائفية تضرب جذورها في المجتمع. و يمكن أن نعتبر أن التحرر منها يقتضي زوال أجيال بكاملها، و لكن هذا الأمر أيضا غير مقبول، لأن الأجيال اللاحقة تتأثر بالعقلية الطائفية من الأجيال السابقة عليها. و للوصول إلى التحرر من العقلية الطائفية نرى ضرورة :

أ- التربية على التحرر من اسر الماضي الذي يصير مجرد موضوع للدراسة و التقييم كما هو مفترض.

ب- التربية على التحرر من أسر العادات و التقاليد و الأعراف حتى نتفتح على العالم، و نتفاعل مع الإيجابي منه.

ج- التربية على التحرر من التبعية للنظام الرأسمالي العالمي، و من الانصياع وراء تعليمات صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و المؤسسات المالية الدولية.

د- التربية على حقوق الإنسان كما هي في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و نبذ كل المسلكيات التي لا علاقة لها باحترام حقوق الإنسان مهما كان مصدرها.

ه- النضال من اجل قيام دستور ديمقراطي تكون فيه السيادة للشعب يضعه مجلس تأسيسي منتخب انتخابا حرا و نزيها من الشعب الذي يجب أن يتمتع بهذا الحق في كل بلد من البلدان العربية، لقطع الطريق أمام قيام دساتير عربية ممنوحة كما هو حاصل الآن، و من اجل أن يكون الدستور الديمقراطي في كل بلد عربي إطارا لتكريس الحق في تقرير المصير الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي  و دون تدخل من أية جهة، و من غير أن تكون هناك املاءات خارجية، تفرض على الشعب في أي بلد عربي، و سعيا إلى وضع حد للممارسة الطائفية المدسترة بشكل أو بآخر.

و- النضال من اجل ضمانات كافية لقيام انتخابات حرة و نزيهة يقوم فيها الشعب المغربي باختيار ممثليه الحقيقيين في المؤسسات التمثيلية المحلية و الوطنية، و من اجل إفراز حكومة من الأغلبية لتحمل مسؤولية حماية الشعب و خدمة مصالحه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية انطلاقا من الاختيارات الشعبية و الديمقراطية.

فالتحرر من العقلية الطائفية يجب أن يكون إفرازا اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و سياسيا. أي أن يكون إفرازا للواقع حتى يتأتى الانتقال إلى المجتمع الخالي من الممارسة الطائفية.

9) و انطلاقا من هذا البسط للأفكار التي عنت لنا، و نحن نتتبع النقاش الجاري في العراق حول الدستور الطائفي الذي يسعى عملاء أمريكا إلى فرضه على الشعب العربي في العراق، حتى تصير الطائفية مدسترة، تحقيقا لتطلعات زعماء الطوائف المزعومة و المصطنعة و سعيا إلى إرضاء النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية راعية الطائفية في العالم باسم رعاية "الديمقراطية"، فإننا نجد أنفسنا من جديد أمام إثارة نفس الأسئلة تقريبا :

ألا تعتبر الطائفية التي يسعى عملاء أمريكا إلى دسترتها امتدادا للطائفية المدستر بشكل أو بآخر في مختلف البلاد العربية ؟

ألا تعتبر دسترة دين معين في كل بلد عربي إقرارا بدسترة الطائفية ؟

أليس قيام الأنظمة العربية التابعة بأدلجة الدين، لخدمة مصالح الطبقة الحاكمة في كل بلد عربي أجرأة عملية للطائفية ؟

أليس يعتبر غياب الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي تعبيرا عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المجتمع الطائفي الضروري في كل بلد عربي ؟

ألا يدخل السماح باستنبات الأحزاب الدينية، و العرقية و اللغوية و الجهوية في البلاد العربية تحصينا للطائفية التي تعتبر من الخاصيات اللازمة لقيام الأنظمة التابعة، و لاستمرارها ؟

أليس النضال من اجل استعادة الوعي المناهض للطائفية مرفوضا من قبل الطبقات الحاكمة ؟

ألا تدخل أدلجة الدين من قبل الطبقة الحكمة إشهار سلاح الطائفية ضد الوعي المناهض للطائفية ؟

ألا يعتبر استنبات الأحزاب الدينية تجيشا للشارع المغربي وراء الطوائف الدينية المختلفة لاعطاء الشرعية للأنظمة التابعة من اجل القيام بالتوازن اللازم ؟

أليس ذلك تحصينا للمجتمع العربي ضد الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية ؟

و حتى لا نستمر في تتبع الأسئلة المطروحة حول واقع الطائفية في مختلف البلدان العربية نسجل بأن حضور الطائفية في الواقع العربي يحقق لازمتين أساسيتين :

اللازمة الأولى  : تأبيد سيطرة الأنظمة التابعة اللاديمقراطية و اللاشعبية.

و اللازمة الثانية : تأبيد التغلغل الرأسمالي العالمي في البلاد العربية.

و الجمع بين هذين اللازمتين يقود إلى استخلاص النتيجة التالية : و هي أن البلاد العربية هي مجرد ولايات أمريكية رأسمالية تبعية مهمتها حماية المصالح الأمريكية في المنطقة.

فهل من يقول غير ذلك ؟

 

                                                      ابن جرير في 17/08/2005

                                           محمد الحنفي