الملف الكامل

 للقاء الأدبي  الذي عقده مختبر السرديات بالدارالبيضاء يوم 29 يونيو 2008 مع الكاتبة الاردنية بسمة النسور ، ويتضمن الورقات التالية:

 

 

 

- بورتريه :القاصة بسمة النسور : اعتقال الغابة في زجاجة :أنيس الرافعي

- نثرية ومرجعية القصة القصيرة جدا(بسمة النسور نموذجا):محمد معتصم

- من القلق الوجودي إلى أمل اللحظات بدل الضائعة، بصددمزيدا من الوحشة: بوشعيب الساوري

- المحكي واللامحكي في مجموعة مزيدا من الوحش  : عمر العسري

- في تلك الأثناء: شهادة لبسمة النسور

- نماذج من قصص الكاتبة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بورتريه :

القاصة بسمة النسور : اعتقال الغابة في زجاجة

 

أنيس الرافعي

 

عديدة هي الأقنعة الاحتياطية والمراوغة، التي تطارد بلا هوادة

 أديبة أدمنت الإقامة الجبرية في الطوابق العليا للاختلاف ، صنو الأردنية بسمة النسور.وبلا مندوحة ، الوقائع التالية شاهد صدق على مانذهب إليه :

محامية لمدة لا بأس بأتعابها.

كاتبة عمود صحفي بين الجريدة والأخرى.

مسئولة إدارية في هيئة غالبا ما يضيق بها صدر صناع الخيال

كلما صارت " اتحادا " أو " رابطة ".

مناضلة حقوقية ذات عناية فائقة ومركزة على " الالتفات إلى

ألم الآخرين " إذا ما شئنا استعارة بعض من كلام سوزان سونتاغ.

مؤلفة نص مسرحي يتيم رهن البحث الدائب عن ركح، وما تماثل بعد من " لوثة التفاح " .

أو حتى رئيسة تحرير لمجلة نسوانية جدا تدعى " تايكي " كما هو شأنها عاليا في غضون السنوات الأخيرة.

لكن ، وجهها الجوهري والثابت لايمكن القبض على ملامحه إلا

عندما تضبط متلبسة باقتراف جنس القصة ، الذي بمستطاعه

أن يكون ذلك الموشور الضوئي المظهر لقسط غير يسير من

ألوان طيف شمائلها الروحية والمزاجية كذات مبدعة تنطوي

على ما يلزم من الدهاء والاعتداد والضجر والفضول والعصابية

والشراسة والحماقة والارتياب والقلق والحدة وانعدام اللياقة

 -إذا  اقتضى المقام – لجعل جمرة الحكي قيد التوهج المستدام.

 وصاحبة أضمومة " مزيدا من الوحشة " (2006) ، حينما ترتكب القصة بالمعنى التطهيري المضاد للفعل والموائم للحرفة

الأدبية، لاتسند ظهر سردها إلى جدار أدنى حصافة أكاديمية أو

 وجاهة تنظيرية ، كما أنها لاتسور خطابها الإبداعي بأي نزعة

تبشيرية أو نعرة دعوية وهما معا – كما لايخفى عن نباهتكم –

 من الفضائل الشائعة بامتياز لدى الأبواق. بل زادها فحسب

في هذه الجريمة البيضاء موهبة شاهقة ، ويأس ممتاز ، ثم

إرادة صلبة على ممارسة التمارين القصوى للاستغناء.

الموهبة ، وهي " واثقة الخطى تمشي ملكا " ، أماط عنها

النقاب ، في مستهل الحبو ، محرض من طراز مؤنس الرزاز بما

استطاع إلى الحدب والتشجيع سبيلا ، ثم فيما بعد معلم من

عيار جبرا إبراهيم جبرا بالتواضع كله والتحليل أعمقه عندما قدم

 مجموعتها البكر " نحو الوراء "(1991) تقديما مفحما بوأها

 مكانة سامقة بين  أترابها و صويحباتها من اللائي أدركتهن حرفة شهرزاد خلال تسعينيات القرن المنصرم أمثال: جميلة عمايرة وسامية عطعوط وسميحة خريس وجواهر الرفايعة و أميمة الناصر وحزامة حبايب وسحر ملص وزليخة أبو ريشة وتريز حداد و ومريم عويس.

بينما اليأس فقد كان مقدرا له أن يحدث برمته "قبل الأوان بكثير"

(1999) فرط " اعتياد الأشياء "(1994) ، داخل ردهات الرأس وأقبية الروح ، أبعد وأبعد ، أعنف وأنكى ، حتى أوشك أن يطاول " نجوما لاتسرد الحكايات "(2001).

أما الاستغناء، فيبزغ برأسه حينما صرخت الكاتبة ذات حوار:

" أنا حرة في مسالة الكتابة ، ولا أكتب لأجل الاستمرار " ، ثم غبّ شهادة حارقة وصريحة حد مصافحة العظم : " يعتريني الشك في مقدرتي أو حتى رغبتي في كتابة المزيد من القصص ، وأحيانا أتعامل بحس ساخر مع مايعتبره الآخرون انجازا.. أحس الآن أن كل قصة أكتبها سوف تسلبني حفنة من روحي. ويخيل إلي أن ثمة قصة قاضية سوف تركلني بعيدا عن حلبة الحياة ، وترسلني مباشرة إلى حتفي. لذلك أخاف التورط تماما في فعل الكتابة ".

 من دون ريب ، تصريح من هذا القبيل هو من الشيم المركزية لبسمة النسور التي عودتنا أن تعيش برحابة وتبدع بجسارة ، لأنها كاتبة وجدت لتماطل ، لتخاتل ، لتضلل ، ولتحذف باستمرار الأثر المؤدي إليها. كاتبة لايجوز رجمها بالغيب لأنها تحنث بالهوية وتتحصن من كيد التحدد بسرعة المحو ، وخفة التلاشي ، ورشاقة الاندثار ، التي هي من المواهب المضمونة للرمل. كاتبة من اللواتي نتعلم على أياديهن البيضاء – حتى وﺇن كان ذلك بقسوة جميلة – أطروحة الزوال وفن الاجتياز.

لكن ، دعونا " لا نثق في القاص على الإطلاق ، ونثق في القصة فقط " على حد  تعبير الجليل خوليو كورتزار. قصة بسمة النسور سواء تلك " القصيرة " المدبجة بشهامة و كرم الجداول الصغيرة التي تسري في اتجاه النهر الكبير لبوح " تاء التأنيث " المتحركة،

أم  تلك " المقصرة " المصيغة ببراعة ترصيص حدائق المنمنمات اليابانية كمن يعتقل غابة في زجاجة، والتي تعد اليوم -  ضمن

السرود المعمدة ب " مابعد الحداثة " – علامة ساطعة في مفرق القصة العربية المكتوبة بحبر الأظافر الطويلة الملونة. وهي لعمري تستحق عن جدارة فنية لاينالها الباطل هذا الإطراء الحصري الذي رماه بها محفل التلقي وهو يتذوق قطوفها التخييلية بملاعق الإعجاب الكبيرة ، أو مجمع النقد وهو يسلط ماتيسر من الأضواء الكاشفة على خماسيتها السردية المائزة.ليس

فحسب لأنها أخذت على عاتق " لاوعي  نصوصها " مهمة حمل صليب و أعطاب ومسكوت وعقيرة الأخريات من بنات جنسها نكاية وفتا لعضد الوعي الذكوري والأعرابي المأزوم ، الذي

 " يقف هناك جامدا في مكان ما من الماضي " كما جاء على لسان إحدى بطلات دوريس ليسينغ في روايتها البديعة " الكراسة الذهبية "، وإنما – أيضا- لأنها استطاعت أن تحفر في لحم الأسلوب الشخصي لتنتج جماليات نوعية فارقة على صعيد شخوصها من الكائنات الجسيمة الذين تربيهم كما تجدر التنشئة على صداقة النكبات والأحزان حد تعرية ثياب الهزيمة فيهم حتى آخر زر في الوجدان ، أو على صعيد لغتها التي تفوض أمرها لل" حركة المستمرة للمجهول في المعني" - والعهدة هنا على هنري ميشونيك-  كما للصمت والاقتضاب على أشدهما حتى لأننا نستشعر الرغبة في الإشفاق على الكلام ، لأنها لغة ماتدربت

يوما على المشي بين القواميس ، بل فقط على التصويب على بقايا البلاغة البائتة ببندقية صيد ، أو على صعيد سخريتها الشديدة

اللهجة  التي تهمي على الرؤوس والأفئدة  مثل جوز الهند هازلة أو تراجيدية أو هجائية أو عدمية أو متفكهة في  الموضع واللفظ و المقصد والمقام والموقف ، أو على صعيد بداهة المفارقة التي تلقي بنا في عرض الدهشة الفصيحة كما لو كنا داخل علبة هدايا سينط منها بغتة أرنب نوابض حبكته جيدا أصابع المقلب، أو على صعيد مبدأ التذاوت الذي جعلته مطلبا خاصا وشرعيا لنفي صورة العالم الكبير مقابل توسيع صورة الذات وربح هكتارات فسيحة داخلها للحوار الجواني والتداعي الحر للمشاعر التي طالما كممتها أصابع الفكر الخشن، أو على صعيد إيقاعها الذاتي في التأليف والخلق. هذا الذي نعته ﺇدغار ألان بو  ب " الوقع الشعري للحكي "، والذي يحمل بصمتها  وأنفاسها ونبضها وهمسها وارتعاشة روحها ورفة أهدابها عبر ما يستفحل داخل الكلمات والشكل والضمائر والتقطيع على البياض وعلامات الترقيم من حذف أو تكرار أو استبدال أو حشو أو توقف أو وصل أو فصل أو التفاف.

"  أشعر بالذنب ، أريد أن أكتب قصة " : هكذا تكلمت بسمة النسور ذات يوم ، لربما كي تعبر عن سقوطها العمودي والأبدي بين براثن الجنس الأدبي الذي لم يخذل بنات أفكارها قط. ونحن أيضا ، لايسعنا سوى أن نشاطرها الذنب بحذافيره ، لربما لأننا تأخرنا كثيرا في  اكتشاف قارتها السادسة التي لم تسطرها الخرائط بعد. أريد أن أقول:  في المواظبة على قراءة كاتبة استثنائية، ستتطلب منا من الآن فصاعدا أن نعامل منجزها القصصي الثر والفاخر معاملة استثنائية.

نثرية ومرجعية القصة القصيرة جدا

(بسمة النسور نموذجا)

محمد معتصم

 

1/ تسعفنا القصص القصيرة جدا لبسمة النسور في تحديد بعض مراجع الإحالة في هذا النوع الأدبي الجديد، الذي شهد ويشهد إقبالا متزايدا في العالم العربي، خاصة بعد انتشار تقنيات إلكترونية ورقمية وقد ساعد على توسيع مساحة الاتصال وتقليص في المقابل مساحة الحوار. أي أنها تقنيات جعلت شبكة الاتصال بين المبدعين والمتلقين تتشعب وحققت للتلقي غايته، وبات المبدع يجهل تماما نوعية المتلقين ومؤهلاتهم واختصاصاتهم وميولهم الأدبية والفكرية والعلمية...لكنها في المقابل وتلبية للسرعة وحرصا على الميزانية الشخصية (التكاليف) أصبحت مساحة الكلام أقل خاصة في كتابة النصوص القصيرة ( SMS) المحدد عدد حروفها مسبقا، وفي كتابة الرسائل الإلكترونية ( E-Mail)...

 

هذه التقنية يمكن اعتمادها سندا ومبررا لظهور وانتشار القصة القصيرة جدا في العالم العربي اليوم، ولا يمكنني إغفال حقيقة المساحة اللا محدودة للصفحة الإلكترونية خلافا للصفحة الورقية. وهنا يبرز التناقض الذي يوضح هشاشة الزعم السالف، إلا أنه تناقض مفهوم. فكاتب القصة القصيرة جدا لا يروم السرد المطول، ولا القصيدة الدرامية بكل المكونات الأساس التي تقوم عليها، بل يشتغل على بلاغة أخرى تقوم على الالتباس النوعي (تداخل الأنواع) والسرعة في الزمن السردي، وأساسا الاختزال.

 

إن المرجعية الأولى التي حددناها في ظهور تقنيات الحاسوب والهاتف المحمول، وتغير طرائق الاتصال والتواصل تبعا لذلك هي التي خلقت أساس البلاغة الجديدة للنوع القصصي الجديد: القصة القصيرة جدا.

 

ومن خلال قصص بسمة النسور في مجموعتها "مزيدا من الوحشة" والنصوص القصصية القصيرة جدا المنشورة خلال هذه السنة (2008م) بجريدة القدس العربي اللندنية، يتضح كل ذلك:

 

لقد اعتمدت الكاتبة على أحجام (إيقونية النص) مختلفة، لكنها جميعا محكومة بالتحديد الضيق للنص: عدد الكلمات، عدد الأسطر، وعدد الجمل. وأقصر نص في المجموعة هو نص "أدوار"، وأقصر نص في مجموعة جريدة "القدس العربي" بعنوان "مأزق".

 

 

يقول النص الأول: هو: يواصل ارتكاب الخطايا.

                        هي: تواصل الغفران.

 

يقول النص الثاني: طوفان، ولا أثر لفلك نوح

                        كيف ننجوا؟!

 

فعدد حروف وكلمات واسطر هذين النصيين ضئيل جدا، وهذا ما ينفي أولا عن القصة القصيرة جدا طابع السردية، أي أنها ليست نصا سرديا غايته أن يحكي، وأن يروي أحداثا. إن القصة القصيرة جدا لا تروي، أي أن الزمن فيها ليس متسلسلا ومرتبطا بتعاقب الأحداث أو أنه محكوم بحركة الشخصية على مساحة الحكاية (الكتابة). هذه خاصية أولى تجليها القصص القصيرة جدا لبسمة النسور. وإذا لم تكن القصة القصيرة جدا سردية، فما هي إذا نوعيتها؟ هل يمكن أن تكون شعرا؟ إن للشعر أيضا سرديته، خاصة الشعر التقليدي والقصيدة التفعيلية الدرامية، حيث تسلسل الوقائع والأحداث. إنها النثرية.

 

وتقود النثرية- انفصال أجزاء الحكاية وبناؤها على التقطع بدل الانسجام والتجانس والهرمونية والتراتبية- إلى إحساس الكاتب بالزمن: إنه مكثف ومتقطع، وعميق. أي انه لا يسير سيرا متقدما كالزمن الخطي الفيزيقي بل يسير باتجاه الأعمق، أي التمركز في وحول ذاته، يحفر في اللحظة ذاتها، ويتحرك في ذاته وفي موضعه. (هو) -في النص- يرتكب (الخطايا) وما يزال (ماضيا وحاضرا ومستقبلا) وذلك ديدنه، (هي) ما تزال تتجمل بالغفران وذلك ديدنها. أي أن كينونة الصوتين، لا الشخصيتين، متمركزة في فعل/حركة واحدة لا تتقدم نحو التطور والتنامي وخلق أحداث جديدة بل تقوم بالفعل ذاته. وهنا يصبح مفهوم الزمن مختلفا تماما، مختلفا عن طبيعته الأصل، وهي التطور والتقدم الخطيين. وهذا الذي بهر بيرترند روسل عندما اكتشف السينما، وشاهد صيرورة الفيلم. إنه الحركة المتطورة، حركة الشخصيات، نماؤها، تنوع الأحداث وتطورها، تماسك الحكاية وانتقالها بالتدرج من البداية حتى العقدة (الذروة) ثم النزول نحو الحل والنهاية. القصة القصيرة جدا تدمر هذا الهرم، إنها تركز أقانيم الهرم (زواياه) في نقطة الصفر. البداية والعقدة (الذروة) والنهاية شيء واحد. أي غياب الحركة الأفقية، وغياب الزمن الفيزيقي وحلول الزمن النفسي أو الزمن الافتراضي الباطني والذهني محله، ذلك الذي تدركه الأفهام الفهيمة وتغفل عنه الأذهان المثقلة بالنموذج وبالبطء والتراخي...

يستنتج مما سبق العناصر التالية:

-         نثرية القصة القصيرة جدا.

-         تمركز الزمن في القصة القصيرة جدا.

-         تدمير هرمية السرد في القصة القصيرة جدا.

هذه العناصر المستخلصة من القصص القصيرة جدا لبسمة النسور تضع مرجعية النوع الأدبي بين (الخبر) و(الشعر). فالقصة القصيرة جدا تأخذ من الخبر عناصره الأهم وأصلها: الموضوع المركز والوحيد، الاقتصار على المكونات الضرورية للإخبار، تداخل الحوار والسرد والوصف، تنقية النص السردي من الشوائب (الملحقات ألفاظا وجملا وأشباه جمل)، وتكثيف الزمن، وأساسا الاختزال الذهاب رأسا إلى الغاية والغرض.

وتأخذ من الشعر التلميح، والوظيفة الشعرية للغة، والمفاجأة في التحول، وتقطيع الزمن السردي وتحويله إلى تمركز شعوري، والاقتصاد في اللغة والتعبير، والتقشف في المعنى الظاهر والقريب. وإذا كان الخبر والشعر مرجعا القصة القصيرة جدا من حيث مقوماتها الشكلية والبنائية، فإن المرجع والسند في مضمون القصة القصيرة جدا متنوع حسب الخلفية الثقافية والفلسفية، ودرجة تخييل الكاتب، ومقصديته ووعيه بالنوع الأدبي الذي ينشئه.

ولنبدأ توضيح ذلك من خلال النصين السابقين: "أدوار" و"مأزق". فحضور كلمات ذات نبر خاص وإحالة واضحة من قبيل "الخطايا" و"الغفران" و"فلك نوح" تجعل ذهن التلقي متصلا مباشرة لفك رموز ومغاليق النصين، وبالتالي حدوث الفهم والتفاعل، بالمرجع (السياق) الديني. فالخطايا جمع خطيئة وهي غير الخطأ. لذلك ترتبط الخطايا بالدين وليس الخطإ الإنساني في أمور الحياة. وكذلك الغفران، وهي لفظة مصاحبة دلاليا ومعجميا، كما يقول الأسلوبيون، للخطيئة. فالخطيئة تستدعي الغفران والتكفير عن الذنب. أما التركيب الإضافي (فلك نوح) فإحالته المرجعية واضحة ويفسرها لفظ وحادث (الطوفان). والمرجعية الدينية لا تقتصر على دين سماوي دون آخر.

 

المرجعية الثانية التي يمكن الوقوف عليها خاصة في القصص القصيرة جدا المنشورة بجريدة القدس العربي اللندنية، تتمثل في حكايات الأطفال الشهيرة، كما يلي:

 

عنوان القصة القصيرة جدا

الحكاية المرجع

قامة

بيضاء الثلج والأقزام السبعة

نداء

القبعة الصغيرة الحمراء

نوم

الأميرة النائمة

هجمة

بياض الثلج

 

إذا كانت المرجعية الدينية تلعب دور القناة الحافظة لعملية التواصل بين المبدع والنص والمتلقين، وأن المرجعية تحافظ على سياق تداول النص وفك مغاليقه، وشفراته السطحية، فإن الإحالة تختلف، وهي ناتجة عن تفاعل عناصر نصية داخلية. لذلك فالمرجعية ذات البعد الشمولي كالمرجعية الدينية والمرجعية الثقافية (حكاية الأطفال هنا) تعد بمثابة (الميثاق) و(العقد) المبرم بين المبدع والنص والمتلقين.

 

لكن الحكاية الشعبية وحكاية الأطفال تقع في تقاطب مع المرجعية الدينية أو هكذا يبدو الأمر للوهلة الأولى. أي أن المرجعية الدينية ومؤشراتها لا يستوعبها إلا الكبار، بينما المرجعية الثقافية (الشعبية والطفولية) يفهمها الصغار. وربما لهذا السبب كان اختيار القاص المرحوم المهدي الودغيري عنوان مجموعته القصصية القصيرة جدا (قصص للصغار.. قصص للكبار)،وهو من السباقين في المغرب إلى هذا النوع الأدبي إلى جانب محمد إبراهيم بوعلو. فهل معنى هذا أن القصة القصيرة جدا تغير جلدها عندما تغير مخاطبيها؟ أبدا، إن ما يمكن التوصل إليه عبر هذا السؤال الإشكال أن القصة القصيرة جدا تخاطب الصغار الكامنين في لاوعي الكبار. والأهم من كل ذلك أنها تتوسل بهذه المستندات (المرجعية) لتحقيق التواصل والتفاعل بين جميع الأطراف المعنية بالقصة القصيرة جدا.

المرجعية الثالثة الحاضرة في القصص القصيرة جدا لبسمة النسور (الحياة)، وأقصد بها العلاقات الإنسانية والعاطفية. وفي هذا المستوى الثالث للمرجعية والذي يليه توظف الكاتبة تقنية (الأضداد) و(المتناقض) لتفجر الطاقة الإبداعية والجمالية للقصة القصيرة جدا. وفي هذا الصدد يمكن العودة إلى النصوص التالية ، وإن كانت الظاهرة اللغوية والأسلوبية بارزة في جل النصوص:

 

عنوان القصة القصيرة جدا

الثنائيات المتضادة والمتناقضة

علاقة

الموت ≠ الولادة

ثغاء

رأي الجزار ≠ رأي الشياه

استلاب

الحرية ≠ القيد

عواء

النباح ≠ العواء

بعثرة

الجمع ≠ التفرقة

أجنحة

السجن ≠ الحرية

أمنيات

الحقيقة ≠ الحلم

 

هذا على المستوى اللغوي والدلالي المترتب عنه، أما على مستوى المرجعية الإنسانية فتتجلى في العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة:

 

-         فتور العلاقة بتراخي الزمن.

-         التشبث بالعلاقة والإصرار عليها.

-         الانفصال والبرود العاطفي.

 

ومثال الحالة الأولى في القصص القصيرة جدا التالية: "تفان"، و"تأجيل"...

ومثال الحالة الثانية في القصص القصيرة جدا التالية: "أدوار" و"صفقة" و"إصرار"...

أما حالة الانفصال التي يقوم عليها النص السردي الطويل والمطول فإنها قليلة جدا، ومثال على وجودها في النص التالي: "نكران". ويلاحظ أنه أطول حجما من حيث عدد ألفاظه وكلماته وأسطره. لكن شاعريته وقصديته أيضا تبرز في العبارة الأخيرة الفجائية التي تقول فيها:" لم تقل وداعا، لم تلوح لي من بعيد. وأنا لم أعد أدراجي وحيدة!" (التشديد مني).

تحتل المرجعية الإنسانية مساحة هامة في القصص القصيرة جدا لبسمة النسور، ولا يوازيها غير المرجعية الوجودية التي تسمو فيها النصوص إلى القضايا الوجودية والمصيرية بذات التقنيات والمؤهلات الفنية والجمالية المذكورة سالفا، وفيها -النصوص- يحضر الموت كسؤال وجودي قلق (مقلق)، ويصور بألفاظ مختلفة، أي أن الألفاظ المختلفة تتوحد على مستوى الدلالة، ومنها:

 

عنوان القصة القصيرة جدا

صورة حضور الموت

علاقة

الموت

ثغاء

الذبح (الشياه)

استلاب

القيد والعبودية "انقر هنا"

وقت

الموت (المرض/السرطان)

أغنيات

الوفاة

قيد

"العمر الذي مضى"

ترويدة

الغياب

 

يمكن جمع هذه المرجعيات في الترسيمة التالية للاختزال الذي يناسب المقام:

-         المرجعية الثقافية: الرموز والإشارات الدينية / حكايات الأطفال.

-         المرجعية النوعية (الأجناسية): الخبر / الشعر.

-         المرجعية الإنسانية: العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة.

-         المرجعية الوجودية: قلق الحياة وقلق الموت.

 

 

 

من القلق الوجودي إلى أمل اللحظات بدل الضائعة

- بصدد مجموعة مزيدا من الوحشة*-

بوشعيب الساوري

 

 

تنقسم قصص مجموعة مزيدا من الوحشة** إلى قسمين: الأول يحتوي على تسع قصص قصيرة﴿وهي التي سترتكز عليها هذه الورقة﴾، والثاني يتضمن اثنين وثلاثين قصة قصيرة جدا، إذ تختار الكاتبة الجمع بين صيغتين لكتابة القصة القصيرة في كتاب واحد. ترصد فيها صورا وموضوعات تتداخل فيها الذات بالعالم، تزاوج بين الأحلام والطموحات والرغبات وبين الحزن والفراق والموت، من جهة، ومن جهة أخرى بين العبث والأمل.

ترصد حالات لشخصيات نسائية اختارت رفض ومواجهة كل أشكال الخضوع والاستسلام أمام أعراف وتقاليد المجتمع المتخلفة المكبٍّلة للأذهان. تكشف عن خبرة القاصة بدواخل شخصياتها. تتسلل إليها عبر منطقة الأحلام والكوابيس والظواهر النفسية المعقدة. ولم يتأت لها ذلك إلا انطلاقا من خلفية معرفية تتأسس على تبصر بأسس علم النفس وقضاياه.

 

أول ملاحظة يلمسها قارئ المجموعة هي غياب المقدمات أو التوطئات السردية المألوفة. إذ يجد نفسه مدعوا إلى الدخول إلى القصة مباشرة بتسليط الضوء على الشخصية وهي تعيش توترها وأزمتها. لتنقلنا القاصة مباشرة إلى أوضاع الشخصيات المفارقة والملتبسة وهي نتائج لم تخترها في الغالب الأعم، إذ استطاعت الكاتبة القبض على الشخصية وهي مورطة في أزمة، بعيدا عن المقدمات أو التأطيرات السردية الزمانية أو المكانية، انطلاقا من وعي جمالي يراهن على التكثيف والقبض على الأهم والمثير والملتبس والقلق في حيوات الشخوص.

 

تعترض شخصيات مجموعة مزيدا من الوحشة في قسمها الأول، القصة القصيرة، أزمات نفسية وعاطفية تسبب لها توترا داخليا، ناتجا عن غياب التوافق بين ما تحمله من قيم نيبلة صارت مفتقدة في واقعها، وبين قيم سلبية سائدة في الواقع، تحاول خلخلتها ومساءلتها. أو بسبب وضع تريده الشخصية أو تنفرد به عن الآخرين. فيزداد توترها، لتجد نفسها عرضة لقساوة العزلة والوحدة والعبث والقلق الوجوديين.

تعيش الشخصيات أوضاعا لم تخترها، تؤدي أدوارها مكرهة، مثلا النادل المثقف في قصة "بين الحين والأخر"  تبدو غير راضية بأوضاعها تلك. تدافع عن العلاقات الإنسانية الطبيعية مثل الزواج من خلال نقد بعض الصور للمرأة المتحررة، المخادعة لنفسها، وتُحْرٍج بعض الاختيارات التحررية المغلوطة. مثلا رفض الزواج وإبراز عوائقه ونتائجه السلبية.

 

تقاوم أزماتها بشتى الوسائل. وتحاول تجاوزها. عبر الإقدام على تصرفات تبدو غريبة بالنسبة لمن حولها، وهو ما يزيد من حدة توترها وقلقها الوجودي. تواجه أزماتها بالخيال الذي يضطلع بدور هام داخل قصص المجموعة. ليغدو وسيلة للمقاومة تستنجد بها الشخصيات لمواجهة توتراتها العاطفية أو الوجودية أو تردي قيم واقعها. مثلا في قصة "احتيالات" تلجأ الشخصية إلى الخيال والدواء والرياضة. للتغلب على فراغها ووحدتها ورتابة إيقاع حياتها الذي يتماس مع القلق ليصل إلى حدود العبث واللاجدوى.

 

 لكن الشخصيات مع ذلك تظل متمسكة بخيط من الأمل عبر إصرارها على الرغبة في الانعتاق من ربقة وضعها المأزوم. تركز القصص على لحظات الأمل لحظات الفرص الضائعة الوقت بدل الضائع، تؤمن بالأمل. رغبات اللحظات الأخيرة قصة "مزيدا من الوحشة." بتصور المستقبل وفق براءة زمن الطفولة وأحلامه، إذ تتضمن القصص فعل التذكر المنشد غالبا إلى الطفولة زمن البراءة والحلم وتحرير الخيال. وهو ما أضفى على قصص المجموعة طابعا نوستالجيا إلى لحظات جميلة وبسيطة وبريئة عاشتها الشخصيات في زمن ولى، تريد استعادتها في المستقبل.

تتأسس قصص مزيدا من الوحشة على الحوار بين قيم مفتقدة، تتراجع يوما عن آخر، تحاول القاصة  التشبت بها وبعثها من جديد، وقيم سلبية تسود كل يوم. لتصير القصص تسجيلا لتفاصيل اليومي كما هي الحال في قصة "احتيالات". تميل إلى الفضح ونزع الأقنعة عن ما هو في حكم المزيف في الواقع. تقول في قصة "التماثل للصحو":"أنتٍ في حقيقة الأمر كاذبة من الدرجة الأولى، لأن العقد النفسية التي تعانين منها ليست قليلة. كما أنَّك لست حرةً من الداخل؛ بل إن ثمة قيود كثيرة تعيث فسادا في رأسك."﴿ص.34.﴾

 

جاء بناء القصص منسجما مع هذه الحمولة القيمية التي ترتكز عليها قصص المجموعة. فالعناوين عبارة عن مقاطع مقتطفة من القصص خصوصا من نهاياتها "التماثل إلى الصحو" نظرا لاعتمادها على البناء الفني الدائري، وذلك من خلال تلاحم العناوين بنهاية القصص. كما تقوم أغلب القصص على تقنية قلب الأدوار على مستوى أوضاع الشخصيات كما هي الحال في قصة "بين الحين والآخر" حيث ينتقل السارد الشخصية من وضع نادل مثقف يخدم امرأة مثقفة محيرة له إلى زبون لديها في مقهى آخر لما يفاجأ بأنها نادلة هناك. وتبرز قصة "مزيدا من الوحشة." كيف أنصف الموت المرأة العاشقة التي ظلت علاقتها برجل متزوج في العتمة وفي الظل، ليعيش بدوره العتمة. تخاطبه الشخصية بعد الموت: "ترى، هل أدركت الآن معنى الإقامة في العتمة، وحيدا، وعاجزا، ومتروكا." ﴿ص.41.﴾

تسرد القصص بالتناوب بين ضمير المتكلم والغائب والمخاطب، وكذلك بين الرجل والمرأة، انسجاما مع سعي القاصة القبض على الإشكالات النفسية والعاطفية الإنسانية التي تعيشها شخصيات المجموعة في جميع أوضاعها سواء كانت متكلمة أوغائبة أو مخاطبة، فالمشكلة تعنيها بشكل أو بآخر، خصوصا لما تستعمل ضمير المخاطب بهدف إشراك القارئ والتأكيد على أنه معني بالتوتر أو الإشكال المطروح للنقاش.

 

انسجاما مع روح المجموعة المراهنة على رصد لحظات التوتر، تتراوح لغة المجموعة بين العادية الملتقطة للتفاصيل واللغة الشعرية التي تختزن الأحاسيس والمشاعر، إذ تعمل القصص على التقاط مشاعر المرأة المختلفة لحظة الزهو، لحظة العشق، لحظة الغيرة، ولحظات الحلم، مثلا أحلام المرأة العاشقة لرجل متزوج وما تعيشه من مشاعر إنسانية محكوم عليها بالتعتيم والصمت. ولا يتأتى لها ذلك إلا باستنفار كل الحواس من شم ولمس وذوق ونظر.

 

يتخذ الحوار في قصص المجموعة صيغة المناجاة حينا والمونولوج حينا آخر بين الشخصيات يتأسس على المكاشفة والمصارحة وإزالة الأقنعة. التي تصل إلى حدود الإحراج.

 

هكذا، تكتب بسمة النسور قصصا قصيرة تبحث عن ذاتها باستمرار بتسليط الضوء على المتوتر والملتبس والقلق في شخصياتها وبالغوص في نفوسها وقلقها الوجودي، متمسكة بأمل اللحظات بدل الضائعة. مستنفرة كل الحواس مزاوجة بين اللغة العادية التلقائية واللغة الشعرية مستندة إلى المناجاة والحنين.

الهوامش

** بسمة النسور، مزيدا من الوحشة، منشورات الشروق، الأردن، 2006.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحكي واللامحكي

في مجموعة مزيدا من الوحشة

عمر العسري

إن منطلق هذه القراءة التي نفردها لمجموعة مزيدا من الوحشة1 للقاصة الأردنية بسمة النسور هو اعتبار ما تتضمنه من قصص حمالة لوعي ورسالة معينين قد ينتصبان كموقف ذي طبيعة إيديولوجية أو فكرية، أو سياسية من قضية ما تروم المؤلفة إيصالها إلى ذاكرة التداول والتلقي.

ولتسليط الضوء على هذا الطرح سنتناول هذه المجموعة انطلاقا من المنافذ الأربعة التالية:

1-  المحكي النسواني    

تراهن بسمة النسور في مجموعتها مزيدا من الوحشة على حقيقة الاتجاه القوي لكتابتها عن المرأة ولتمثلها  العميق لواقعها المؤلم الذي شاع في الحياة، فهي تزاوج بين قضيتين؛ الأولى تعنى بالمرأة التي تضيق ذرعا باختياراتها وموقفها تجاه ذاتها والآخر، والقضية الثانية هي كون المجموعة إنصات قوي وتمثل عميق للذات والنفس.

إن كل القضايا الإنسانية المثارة في المجموعة تقرن بالمرأة وبالحياة، وبذلك الصراع اليومي الحاد؛ سواء عبر مواقف أو سلوكات أو وعي معين، فالأحداث والوقائع هي الأخرى تعنى بالمرأة التي تستثمر في الحكاية باعتبارها بؤرة أنطلوجية تجسد الحوار والعنف، وتعكس قيم الحب والكره، ولها أيضا إمكانية التأثير والتأثر، فتنخرط في أوضاع حياتية حتى تلم شتاتها وتستجمع قدراتها عبر الوصف والسرد.

وتفلح القاصة في إدانة المرأة وجوديا التي تظل تكرس ألعابا حياتية متنوعة ومتباينة، فالمرأة في المجموعة هي كل شيء؛ الذات الساردة، المرأة المتزوجة، المرأة المطلقة، الفتاة المتعلمة، الأم الفاشلة، الجدة الكاذبة... تهيمن بكل إشكالاتها، وهو في اعتقادنا نبش في الذات وفي الذاكرة النسوية.

إن معالم الحكي النسواني واردة على نحو مهيمن ومكثف، فانزياح الساردة لأعماق الشخصيات هو في مبتغاه كشف لعوالم افتراضية تعكس وضع النسوة اللائي يعشن حياة آثمة مليئة بالهزائم وبقصص الحب الفاشلة. تقول الساردة:«لست واثقة من أهمية حكايتي، أو إذا كان لدي حكاية أصلا، فلست في نهاية الأمر سوى امرأة مهزومة تعرضت إلى كثير من الخذلان»2

جاء هذا الاعتراف بالهزيمة والخذلان في سياق البحث عن بدائل أخرى لمفهوم الحياة، وتجاوز نزيف الطفولة والمرأة المطلقة، واعتبار عالم الجنيات أطيب بكثير من عالم الإنسيات النازفات باستمرار.

يتضح إذن، كون المرأة هي رحى الحكاية، وهي الصوى التي من خلالها استهدت لتصوير الكاتبة عوالم المجموعة، وقد تأتى لها ذلك بالجمع بين أعناق المتنافرات والاستيهامات الذاتية مما فسح المجال أمام كتابة تجمع بين صرامة البناء ورحابة التخييل المتغذي على الحياة واللاوعي كنماذج ثقافية.

2-  المحكي الذاتي

ثمة اعتناء بالمرأة في وضعيات مختلفة وأدوار حياتية متنوعة، وهو اعتناء غير خلو من مؤشرات المحكي الذاتي، وهو بالمعنى السردي شبيه بالمحكي النفسي الذي نجده في المحكي بضمير الغائب، بحكم طبيعة العلاقة التي تنشأ بين الساردة والشخصيات، وغالبا ما لجأت بسمة النسور إلى توظيف الأنا والغائب؛ فأنا الساردة« تستخدم تقريبا نفس الأساليب والطرائق عند تحليل أنا الحدث»3 بمعنى أناها كما كانت في الماضي، فنجد الساردة تمارس تحليلها«أصحو حوالي التاسعة صباحا، وقد زال تأثير حبة المنوم التي تناولتها بعد منتصف الليل. لجأت إل حيل نفسية كثيرة قرأت عنها كي أستدرج النوم، وأتجنب الأرق الذي أصبح ملازما لليلي...»4

وفي مقطع آخر تقول: « أثارت جلبة في قسم الإنعاش حين أصرت على التدخين غير عابئة بإيضاحات الممرضة حول حساسية الأجهزة وخطورة وضعها الصحي»5

هذه التماثلات بين المحكي بضمير المتكلم والمحكي بضمير الغائب لا تخفي وجود تباينات مهمة؛ فالمحكي الأول يسمح بالربط والجمع  بين الأنا الساردة وأنا الحدث في ضمير واحد، وهذا الجمع له مسوغ واحد هو استمرارية الحياة على هذا النحو؛ القلق الدائم والأرق المستديم. ويتحقق هذا الربط بحيث لم يسع الساردة سوى الجمع بينها وبين أناها في الماضي، وهذا ما نلمسه في النموذج أعلاه الذي ينتقل من الماضي إلى المضارع(أصحو)في صيغة تركيبية تجعل من انفعال أنا الحدث في الماضي قائمة ومستمرة في الحاضر.

يحضر هذا المحكي الذاتي من بداية النص إلى نهايته وذلك في أشكال مستقلة كما في أشكال تزاوج بينه وبين أنماط سردية أخرى. فهو يواكب كل المراحل التي مرت بها أنا الحدث عبر تجربتها في الماضي مثلما نجده في ظروف خاصة كما حصل في قصة احتيالات: «أدخل إلى مكتبي، أنهمك تماما في الأعمال الروتينية، أتلقى مكالمات هاتفية لها علاقة بالعمل. أستقبل زوارا كثيرين. أتواصل مع الجميع بشكل طبيعي، أقصد، طبيعي كما لو أني لا أعاني من أعراض كآبة حادة، وكما لو أن الوحدة لا تغرز مخالبها في روحي»6

عندما ننصت إلى هذا المقطع نقتنع بأن للذات دورا كبيرا في استرداد مواقف حياتية غارقة في التشعب والهم والمعاناة، وأيضا في ادعاء وتشخيص حالات ذاتية تتبدى من خلالها:

أولا: العودة إلى أنا الحدث وهي غير بعيدة عن الحاضر،

ثانيا: تشخيص الأنا الحدث في علاقتها بالوضعيات الإنسانية الأخرى،

ثالثا:التغلغل في أعماق أنا الحدث عبر الاحتكاك والتماهي مع طبيعة المواقف.

بهذا يمكن الخلوص إلى كون خصوصية الساردة ودورها وطبيعة الضمير الموظف قد سمح النفاذ إلى الجهاز النفسي للشخصيات، وهذا ما يدعونا إلى تأكيد دور الساردة في نقل مراحل قدمية جدا، الطفولة مثلا، أو حالات إنسانية ندعوها بالبدائل الحياتية المتاحة، وهي بدائل تعزى إلى المرأة أساسا:

-         نزيف المرأة المطلقة،

-         شقاوة البنت،

-         هجاء مؤسسة الزواج،

-         أحلام الأرملة،

-         نكران البنوة،

-         جفاء المرأة المسئولة

-         المرأة والتحرر.

وبالعودة إلى الساردة بضمير المتكلم نجد أن حدود تشخيص الجهاز النفسي وإمكانية التغلغل فيه واردة، غير أن إمكانات الذاكرة وآليات الاسترجاع تبقى محدودة، وهذا ربما هو السبب الذي دفع الساردة إلى الاستعانة بالوصف  وتقطيع الأحداث في نقل ما تبقى من ذكرى وإحساس قديم لم تعد الذاكرة قادرة على استحضاره. تقول الساردة: «يوقظني صوت الموبايل. رسالة مسجلة من صديقة رائقة المزاج. نكتة بذيئة وصلتها حديثا. أضحك وأتمطى. أنهض من فراشي. أعد النسكافيه الثقيلة، أشغل التلفزيون، أبحث عن قناة الجزيرة، أحمد منصور يحرش بطر غالي في زاوية حرجة...»8

عندما نقارن بين محكي الأنا والأحداث، فإن حدود التناغم حاصلة؛ بمعنى أن هناك انسجاما يؤدي إلى تركيب وجهتي نظر الأنا الساردة(الحاضر) وأنا الحدث(الماضي)، وأكبر دليل على هذا التراكب أن وضعيات الساردة تتوافق مع الحياة بمختلف مكوناتها: الصديقة، الإعلام العربي، الشخصيات البارزة.... وعندما يأتي هذا المحكي الذاتي على هذا الشكل، وبتكثيف فعلي: أضحك، أشعل، أبحث، أبتاع... فإن إمكانات التعرف على الرجات النفسية للشخصية تبقى غير ملموسة لأنها مؤطرة بالتفاصيل والانطباعات البعيدة الغور، وبالحياة الدقيقة للأفكار والمشاعر الخاضعة للمجهر.

3- المحكي اللاشعوري

لقد استطاعت المجموعة أن تسرد كما من الرغبات والمخاوف الحبيسة في اللاشعور، والتي ظهرت في شكل صور سلوكية شاذة وخيالات باذخة، ولكن هل هي المعادل الطبيعي لشعور الشخصيات أم لا شعور الكاتبة؟

أطلق إنريكي أندرسون إمبرت على هذه المشاعر والأحاسيس النفسية التي تستغل في العمل القصصي بالعينة من التخمينات ذات الطابع النفسي التحليلي9 ، أما آن موريل ففضل تسميتها الأعراض10؛ لأنها جعلت من النص القصصي محل تشكيل وتشاكل رغبات لا شعورية. وقد لجأت المجموعة إلى استدعاء رغبات لاشعورية عن طريق التصوير أو ما عرف بالوصف الإبداعي11 المتحقق أساسا بالنقل والتكثيف، ففي النقل ترسل الشحنة العاطفية المقترنة بذهن الشخصية بتمثل مباشر، وفي التكثيف يتم اختزال الموقف في أسلوب مشوب  ببنيات فاعلة ذات حمولة عاطفية. تقول الساردة: « أغمض عيني، وأتحول سريعا إلى فرس سوداء جامحة. أركض في صحراء ممتدة، لا أبالي بالجفاف في حلقي، أواصل الركض، أدق حوافري بالأرض الملتهبة وأصهل من شدة الوجع. فيما تنقر صبية في مقتبل العمر كتفي كي تنبهني أن الجهاز قد توقف منذ وقت طويل»12

يدعونا هذا المقطع إلى لم شتات مؤشرات لا شعورية منضوية تحت مؤسسة الحلم؛ التشبه بالفرس الجامحة، الركض بسرعة، قساوة الفضاء، تم التوجع. هل نجزم تحت مسئولية فرويد عندما قال عن مسرحية هاملت:« بأن ما يتكشف لنا في هاملت إنما هو حياة الشاعر النفسانية وحسب، ,انه لابد أن حادثا واقعيا دفع بشكسبير إلى كتابة هاملت. وقد أثبت له هذه القضية جورج براندس في كتبه عن شكسبير. إذ أثبت أن تلك المسرحية قد ألفها صاحبها في سنة 1601 بعد وفاة والده»13

إلى جانب الوصف الذي يخلق عالما منسجما ومتناسقا أحيانا، وبسبب كونه هو الذي يخلق المعنى في المقطع أعلاه ويثيره فإنه يتطور ويسعى إلى فرض نفسه وإلى تسيير الحركة الوصفية والارتقاء بها إلى مراتب الدافع النفسي الذي يحدو بالكاتبة لتحكي، وأن تصف أشخاصا في وضعيات مختلفة، وبتبئير على الخصوصية النسوية ذات الوعي الذكوري أحيانا. إذ ليس ثمة ما هو أقل تحديدا وأكثر تشتتا مما هو البحث في عوالم المرأة ودواخلها العميقة لكي تتمكن الكاتبة من قول أنا فإنها خبرت وتعرفت على نفسها وأعجبت بها واندهشت للنتائج الحياتية.

4- اللامحكي النسواني    

نقصد باللامحكي النسواني الوحدات غير السردية التي تندرج ضمن البناء العام للمجموعة، وقد جاءت على شكل خطاب استهلالي مقتبس من نصين. الأول هو لأندريه جيد من مسرحية أوديب. يقول فيه:« إن هذه السعادة آثمة عليك أن تحدث فيها صدعا»14أما الثاني فهو للشاعر محمود درويش من قصيدة هلين والمطر، ديوان لماذا تركت الحصان وحيدا. « يا له من أنين/ أنين الذئاب على جنسها»15

نعتقد مبدئيا كون هذه البنيات النصية الموازية لا تسهم في تطور أحداث القصص بشكل عام، ولا تتمتع بصفات سردية لأن الطاغي فيها هو الملمح الوصفي الباعث على نتيجة محددة دونما حكاية طارئة. إنها لا تسرد شيئا لكنها تساند السرد، وتكتسب هذه البنيات غير السردية  حظوتها في كونها مفاتيح تذكرنا بمرحلة انتقالية من التكثيف إلى التفصيل، ومن التأشير إلى إيضاح المعنى عبر الاستطرادات.

 فالمستشف من النصين الموازيين هو تلك الرغبة الآثمة في تأليف المآسي خاصة في مقتبس أندريه جيد، أو مسألة الخصوبة والمرأة، وأيضا اختصام الحضارات والحروب المدمرة من أجل شيء بسيط في مقتبس محمود درويش. مما جعل الرؤية العامة للقصص تسير هي الأخرى في اتجاه تجسيد الخطيئة ومدى إسهام التفاصيل التافهة في تدمير الحياة والإنسان، وقد تحقق ذلك عبر شاهدين الأول إنساني، والثاني تاريخي.

خلاصة

عندما نقرأ قصص بسمة النسور نحس أن الكاتبة تراكم لقطات الحياة ومشاهدها وتحكيها، ميسرة للمتلقي كوات تأملية غاية في التحكيك والتقنية والاشتغال. وهي تمدنا من خلال نصوصها بانفعالها الحكيم وتأثرها الفاعل والعميق بما صنعته الحياة بها وبما خبرته من الحياة نفسها.

الإحالات

1- بسمة النسور، مزيدا من الوحشة، درا الشروق للنشر والتوزيع- الأردن، الطبعة الأولى 2006.

2- نفسه، ص. 15.

3- Cohn, D, la transparence intérieur, modes de représentation de la vie psychique dans le roman, ed seuil Paris, 1981, p.138.

4- مزيدا من الوحشة، م م، ص. 27.

5- نفسه، ص. 46.

6- نفسه، ص. 29.

7- نفسه، الصفحات، 15-21-39-45-63-74-79.

8- نفسه، ص. 28.

9- إنريكي أندرسون إمبرت، القصة القصيرة النظرية والتقنية، ترجمة علي إبراهيم علي منوفي، المجلس الأعلى للثقافة- مصر، 2000، ص. 24.

10- آن موريل، النقد الأدبي: منهج، اتجاهات، قضايا، ترجمة إبراهيم أو لحيان ومحمد الزكراوي، المجلس الأعلى للثقافة، سلسلة آفاق الترجمة، 2008. ص.32.

11- Jean Ricardou, la description : créatrice une source contre le sens, in problème du nouveau roman, ed seuil-Paris, 1967, p. 108-109.

12- مزيدا من الوحشة، م م، ص. 30.

13- آن موريل، النقد الأدبي: منهج، اتجاهات، قضايا، م م، ص.32.

14- مزيدا من الوحشة، م م، ص. 7.

15- مزيدا من الوحشة، م م، ص. 68.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في تلك الأثناء

بسمة النسور

مجموعات قصصية خمس، ونص مسرحي يتيم، و"تايكي" المجلة والبيت، وانهماك يومي بمشروع طموح لمجلة كرست حضورها كمنبر نوعي خاص بإبداعات المرأة، وحديقة بيت عماني دافئ يلتئم في أرجائها بين الحين والآخر جمع أكثر دفئا، كي يحتفي بمنجز مبدعات رسخن أنفسهن على الساحة كلاعبات أساسيات في مباراة الحياة القائمة على أحكام ليست عادلة بالضرورة. مبدعات انتزعن اعترافات ضمنية وأخرى صريحة بأهمية ما يقدمن من إنجازات متنوعة، أحدثن فرقا كبيرا في المعادلة، وأضفن بحضورهن الواثق الألق والحيوية والتدفق للمشهد الثقافي برمته، فصار بالإمكان الحديث بثقة أكبر عن حالة ثقافية أردنية عربية ضربت جذورها عميقا ونضجت كما "الأشجار على مهلها"، وطرحت غلالها ففاضت السلال بثمر كثير.

 

ماذا عن الكاتبة؟

انخراط وتورط مرهق أحيانا، لكنه ممتع وضروري دائما، بأنشطة لا تنتهي في عاصمة شبت عن الطوق، محتفلة بصباها المتجدد المتجسد في فعاليات تضج حيوية، سواء أكانت مهرجانات مسرح، أو أمسيات شعرية، أو أفلام جديرة بالمشاهدة، أو معارض تشكيلية، أو حفلات توقيع كتب لمبدعات ومبدعين لم يكفوا عن الحلم رغم كل شيء.

على مكتبي المختنق الغارق في الفوضى ثمة أكوام كتب مكدسة لم أكمل قراءتها، على أمل توفر لحظة صفو موعودة، وكذلك مخطوطات لزميلات وزملاء يعتقدون واهمين أن لرأيي أهمية ما!

وفي أدراج المكتب ذاته، المزدحم دوما، ثمة مسودات تقترح هذيانات لحمى مؤجلة تحاول اختراع إجابات لأسئلة لم تطرح بعد، وشخصيات قصصية تعيث في رأسي غواية، وتستحث قلمي لعودة عاجلة تمنحها شرعية القفز فوق الوحشة ومزيدها! وتطالبني بحنث وعد أبله قطعته على نفسي ذات لحظة سواد بالترجل عند مجموعة قصصية خامسة ونهائية، وتزين لي أن ثمة في المخيلة متسعا لمزيد من الجنون وتلح سعيا إلى ملاذ على ورق لم يعد شديد البياض.

فتح إلكتروني متأخر ، ولكن مبين، أتاح لشرفة الروح إطلالة سخية على عوالم أكثر تنوعا ورحابة، إذ تدفعني الشبكة يوميا للوقوع في حبائلها فاستغرق وأغيب بين خيوطها المتشابكة، ساعات طوالا وفق إحساس المحيطين بي ممن ابتلاهم الرب برفقتي والذين أعربوا عن شماتة كبرى حين ألزمني الطبيب بارتداء رقبة بلاستيكية قبيحة بديلا عن عنقي المتيبس، محذرا من مغبة "ديسك" وشيك لو أنني تماديت في غيي العنكبوتي.

كما أتاحت لي الحياة، ومنذ مرحلة مبكرة، السفر إلى أقاصي الدنيا، واكتشاف بلاد بعيدة وثقافات مختلفة واشتباك إنساني حميم مع نماذج عديدة من البشر. كل ذلك جعلني أكثر تيقنا من درجة الشبه في كم الوجع والتوق والغربة والرغبة في ابتكار شروط مختلفة لصفقة الحياة، سيما بين تلك الأرواح المسكونة بهاجس الإبداع كيفما تبلبلت الألسن، وحيثما وقعت الجغرافيا، فإن الحلم يظل واحدا ووحيدا ومشتهى مثل رغيف كوني عجيب لا ينقص، ونحن نتقاسمه معا ونستزيد.

وتظل نفسي اللوامة الأمارة بالشك والارتياب، قائمة على رأس عملها، مواصلة جرد حساباتها، معيدة النظر في كل ما مضى  عاجزة عن الاطمئنان للأشياء بصورة مطلقة. وتظل الروح ذاتها على شفى قلق متأصل، قد يغفو لبرهة وجيزة مثل كائن خرافي بمئات العيون والأذرع، ليصحو أكثر تحفزا وإلحاحا، معتذرا عن ذلك الخلل الفني الطارئ، مواصلا دبيبه غير الخفي على جملتي العصبية بأكملها.

تتخفف روحي دوريا من حمولات فائضة، وتتخلص من عادات سيئة ليس التدخين أخطرها!  وتطفئ على نحو غامض خصومات مهترئة فقدت جاذبيتها، فتؤول الأحقاد كلها إلى زوال، وتنطلق حرة فتية، وقد استعادت بحزم ما تقدم من ألقها وما تأخر، تسترد ما سلب من نبضها زورا وبهتانا، على مدى سنين طوال، وتعزز يقينها بأناس نبلاء برهنت الأيام على أصالة أرواحهم المجبولة بدقيق الوفاء ومائه وخميرته أيضا!

بهجات صغيرة، لكن شديدة المفعول. مضادات حزن وخيبة بالغة التأثير تجود بها الدنيا على نحو مباغث، فيعود للأشياء مذاقها الأحلى من عسل مصفى بذلته ملكة النحل بكامل بهائها فداء لعشق ليس يسيرا.

ويغدو القلب أشد انصياعا من زهرة عباد شمس قطفها عاشق لحبيبة بعيدة، غير أنها لا تكف عن الشروق مثل شمس لم تنس يوما أنها كانت أما كثيرة الحنو، تصر على استبقاء رضيعها غافيا كذئب أليف رغم حتمية الغياب، في جوف سماء ذات زرقة باردة.

في كل تلك الأثناء، حيث يتراوح بين البهجة والشقاء، بين الاندفاع والنكوص، بين التوق والخيبة، بين اللهفة والسكون، بين الأبيض والأسود، بين الدهشة والملل... في تلك الأثناء بالضبط مضت سنوات كثيرة بلا هوادة، مخلفة في الروح شيئا يشبه الحكمة على ما أخشى.

 

عن الشهادة

اقترفت على مدى هذا العمر وفي مناسبات مختلفة شهادات أربع، هذه خامسها. ودائما كانت تنتابني مشاعر مختلطة وملتبسة حول الفكرة من أصلها، إذ أحبها وأضعف أمام غوايتها لأنها تنطوي على كم من الحميمية لن يوفرها شكل إبداعي آخر. هي، كذلك، بمثابة ذريعة محكمة تعطي المشروعية لتجليات الأنا التي يتردد معظمنا في إطلاق عقالها اجتنابا لتهمة الانضمام إلى أولئك المزهوين بذواتهم، المحتفين بها على مدار الساعة دون أسباب مؤجلة في معظم الأحيان، المشتغلين لدى أنفسهم مدراء أعمال وموظفي علاقات عامة مهمتهم الوحيدة الترويج لأنفسهم والسعي لإقناع الآخرين بأهمية تجاربهم غير الفذة، مما يعكس تدنيا حادة في الثقة بالذات تضعهم دائما في خط الدفاع!

وفي الوقت نفسه أضيق بالشهادة ولا أتحمس لكتابتها. وما إقدامي على ارتكابها إلا استجابة لضغط ليس بقليل ..... ورغم ما يتحتم علي الاعتراف بارتباكي إزاء كتابة شهادة أخرى سوف تضطرني إلى قول الحقيقة، الحقيقة بأكملها ولا شيء سوى الحقيقة، من غير زيادة أو نقصان.

وينبغي أن أسجل تحفظي على هذه الصيغة المعتمدة كونيا، لأن من اقترحها هو شخص فقير المخيلة ابتداء، لأنه ارتضى تلك التسوية البائسة التي تفترض أن للحقيقة وجها واحدا، ما أن ندق خزان الذاكرة حتى تنهال دفعة واحدة!

وأقر، نهاية، أنني قرعت جدران خزانات كثيرة في الروح، حتى اقترب من لحظة صدق خالصة، أتوق إليها دوما، غير أني لا أصل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نماذج من قصص بسمة النسور

 

علاقة

 

كل ليلة يجلس الموت على حافة سريرها. يمسّد خصلات شعرها. يحكم وضع الغطاء على جسدها. يضع قبلة المساء على جبينها. يدندن بأغنية تتحدّث كلماتها عن اللهفة إلى اللقاء، ويرقبها بإشفاق وهي تتكّوم مثل جنين عائم في مياه الرحم بانتظار لحظة الولادة!.

 

ثغاء

 

الجزّار البارع الذي يحرص على سن سكاكينه كل صباح ، كان على يقين بأن مهمته نبيلة ، وأن ذبح  الشياه واحدة من حقائق الحياة التي لا تحتمل الجدل، غير أن الثغاء المجروح يؤكد أن للشياه رأيا آخر!.

 

استلاب

 

حين استقر العصفور على النافذة المقابلة ، نافضا ريشه المبتل ومتطلعا بفضول نحو حجرة الرجل المتسمر أمام شاشة الكمبيوتر التي ظلت تظهر عبارة (أنقر هنا) ، أدرك الرجل ذاته أن العصفور أكثر فطنة منه لأنه لن ينقر إلا حيث يحلو له!.

 

عواء

 

استغرب جميع الأعضاء سلوك السيدة رئيسة جمعية الرفق بالحيوان حين أشاحت بوجهها عن الكلب الصغير الذي كان محبوبا منهم جميعا. وحين اتخذوا  قرارا بالإجماع بتنحيتها عن المنصب الذي شغلته طويلا ما لم تعد النظرة في طريقة تعاملها مع الكلب ، لم تعبا  بتهديدهم ، وظلت مصرة على عدم السماح له بالاقتراب ، ﻷن عواءه أصبح مبتذلا!.

 

أجنحة

ظل يقنع نفسه بأن وجوده داخل تلك الزنزانة هو اختيار محض ، وأنه ليس سجينا بالمعنى الحرفي للكلمة ، لذا رفض محاولات الجميع إبداء التعاطف معه ، مؤكدا  لهم أنه أكثر  حرية من نسر طليق ، ولم يفكر في التمتع ببعض المزايا التي تمنحها إدارة السجن للمساجين غير المشاكسين.

 

بعثرة

 

طالما تباهى بمقدرته الاستثنائية على التخطيط بدهاء ، مما أتاح له تحقيق أهدافه مهما بلغت صعوبتها. اعتاد تقسيم روحه بدقة متناهية إلى أجزاء متساوية ، ونيل رضا الجميع في نهاية الأمر.

الرجل ذاته ، حطم كل موازينه الدقيقة منذ أحب تلك المرأة التي عرفت كيف تلملم أشلاءه المبعثرة في كل الأرجاء!.

 

أمنيات

 

في الليلة ذاتها حلمت الأم التي أوشكت على فراق وحيدها بأن  المطار أغلق إلى إشعار آخر.

وحين ودعها في الصباح ، حلمت بأنها تحولت إلى حقيبة سفر،

وعندما غاب ، حلمت بأنها سوف تحيا مائة سنة أخرى!.

 

وقت

 

المرة التي أكد لها الأطباء أن السرطان اكتسح جسدها ،عجلت في

شك حبات الحرز في ثوب زفاف ابنتها، الذي كانت تعده على مهل!.

 

إصرار

 

خانها ذكاؤها الذي كان كافيا لتدرك انه لم يعد يحبها كالسابق،

فظلت متشبثة بذراعه ، وهما في طريقهما إلى القبر!.

 

تأجيل

 

حين استجمعت السيدة المتعبة شجاعتها ، وهمت بالرحيل، انكسر

 كعب حذائها العالي ، فأجلت قرارها وهي تعرف أنها سوف تواصل

 التأجيل إلى الأبد ، طالما لم تملك الجرأة بعد للرحيل حافية القدمين!.

 

نكران

 

أنت لا تحزم حقائبك في هذه اللحظة بالذات. لم تقم بالحجز لدى وكالة

السياحة والسفر ، وجواز سفرك لا يتضمن تأشيرة خروج جديدة. أنت لم

 تضمني قائلا : سوف أشتاق إليك. وأنا لم أدار دمعي قائلة :

لا تطل الغياب.

وأنت لم ترد بخبث: لا أحد يدري.

لم  تستقل السيارة المتوجهة إلى المطار. لم أتشبث بك في محاولة

 أخيرة لاستبقائك. لم اهمس باستسلام : سوف انتظرك. لم تقل وداعا.

 لم تلوح لي من بعيد. وأنا لم أعد أدراجي وحيدة!.

 

أدوار

 

هو : يواصل ارتكاب الخطايا.

هي : تواص الغفران.

 

صفقة

 

قال بلهجة رصينة : ينبغي أن ينتهي كل هذا ، لم أعد أحتمل، دعينا

 نفترق كأصدقاء ، قبل أن يداهم قصتنا الخراب.

ردت ببراءة : هل يعني هذا أنك لن تصحبني إلى الرقص هذا المساء؟!.

 

* عن مجموعة: مزيدا من الوحشة، بسمة النسور. دار الشروق، ط 1،عمان/ الأردن 2006م.

 

 

قامة

 

 لم ينجح الأقزام في الوصول إلى قامة الأميرة فارعة الطول

فاتخذوا قراراً جماعياً بالعمل على إقناعها

أنها أيضاً قزمة ضئيلة الحجم

لذلك فهي منهمكة على الدوام بشؤون التدبير المنزلي

من أجل نيل رضا أشقائها السبعة!

 

نداء

من قال إنّ الذئب في الحكاية لم يكن سوى ذئبة مجروحة بالفقدان...

ظلت تعوي في أقاصي الغابة،

حتى هرعت من أحد البيوت صبية ترتدي  معطف صوف قاني الحمرة

متّذرعة بسلّة كعك سيء الصنع.. من أجل أن تلبي النداء!

 

 نوم

الجميلة النائمة، لم تكن نائمة تماماً

 اذ اكتسحت الجسد المسجى برودة قاسية

لكن الأمير كان بالغ السذاجة

 لدرجة أنه تخّيل أن قبلة بائسة

كفيلة بأن تصلح الأمر!

 

هجمة

الساحرة الشريرة

التي تستجوب المرآة كل صباح

لم تكن سوى إمرأة مذعورة

من هجمة السنين!

 

 

أغنيات

 

صمتٌ كثير في الحجرة المظلمة

غير أنّ الأغنيات مازالت تهدر

 في رأس المرأة التي أعلن الطبيب وفاتها للتو

 

قيد

 

مثقلة، مثخنة، مستباحة، ومخذولة

 ورغم كل ذلك، كان المطلوب منها أن تقّيد العمر الذي مضى،

 ضد مجهول !!!! !

 

مأزق

طوفان، ولا أثر لفلك نوح

 كيف ننجو ؟!

 

ترويدة

 

حين توشك شمسك على البزوغ،

تكون شمسي قد غفت في حضن الغياب 

كيف نضبط الأزمنة يا صغيرتي

 

* عن مجموعة القصص القصيرة جدا المنشورة هذا العام (2008م) بجريدة القدس العربي اللندنية.