|
مسلة صيد الاسود (السومرية)
د.زهير صاحب ادى توسع المدن السومرية وزيادة عدد سكانها، وتعدد فعالياتها الاجتماعية، وتعقد تركيبة النظم الاجتماعية . الى ضرورة وجود السلطة المركزية التي تقود الفعاليات الاجتماعية، فنحن مدينون لهذا العصر بظهور شخصية الحاكم، باعتباره عنصر سطوة تنظيمية . وازاء هذا الاندفاع الذي لا يقاوم بتفضيل العمل الجماعي والتعاون الاجتماعي، حيث تكون العواطف المشتركة عامل توحيد. فكان على الفنان ذلك المبدع الاول ، ان يحمل مكنونات المجتمع بداخله وفي وعيه وادراكه. ويكون مشبعاً بروحيتها، يتبادل معها التاثر والتاثير بطريقة دينامية متفاعلة. فهذا التعبير عن (النفس) الذي يجد تجليه في اعمال التشكيل ، هو بمثابة دليل او مرجع تسترشد به الجماعة، ويصبح في النهاية ، حصيلة الفكر الحضاري الذي تخلفه الجماعة للاجيال اللاحقة. ومسلة صيد الاسود (الوركائية) منحوتة من كتلة من حجر البازلت الاسود اللون الصلب، ولها سطح حبيبي الملمس وارتفاعها 80سم ، ومحفوظة في المتحف العراقي حالياً . وهي في حالة غير جيدة من الحفظ ، فقد اقتطع الزمن بفعل تماديه ، اجزاء من حدودها الخارجية. ومع ذلك ما زال مشهدها واضح المعالم . والذي مُثل على وجه واحد بعد تسويته، ويتمثل بشكل رجلين يهاجمان عدداً من الاسود الشرسة، باستخدام الرماح والسهام، ولذلك عرفت المسلة بهذا الاسم (شكل 1). نشر الفنان احداث المشهد على سطح المسلة نشراً حراً، ففي الاعلى نرى رجلاً يغرز رمحاً في خاصرة اسد، وفي الاسفل يظهر رجلُ اخر، وهو يطلق سهاماً على اسدين جريحين لكنهما ما يزالان خطرين. ويضع كل من الرجلين على راسه غطاءً اشبه بالخوذة ولكل منهما شعر راس وذقن طويلان، ويرتدي كل منهما تنورة فضفاضة رُبطت وسط الجسم بحزام عريض (شكل 1). ومقارنة مع اناء الوركاء النذري (شكل 2) بصدد اليات سرد الحدث، وخصوصية تركيب السلسلة المدلولية، للابلاغ بدلالة التكوين عن الابعاد الزمنية للسرد. فقد تخلى الفنان عن نظام الحقول الافقية في عرض الموضوع. وقدم شخصياته في مثل هذه (الدراما) حرة من اية قيود هندسية ، فظهرت وكانها معلقة في الهواء، بدون خطوط او مواقع ارضية. انها محاولة بلوغ الكونية ، الكامنة في تهميش الامكنة والازمنة، كي يعرض النص ابلاغه في كل الازمنة، انها محاولة النص في ان ينفلت من حدوده التاريخية، ليعرض ذاته دون محدودية الارقام التاريخية ، باعتباره نشاطاً انسانياً ابداعياً مستساغاً في كل الازمنة. والامكنة، وهي هنا (كونية) ليست من عالمنا، وانما من عالم خلود كلكامش. ومقولة الفنان ، هي ان هناك حدثين يهيمنان على النص، وهما متفاوتان زمنياً. الاول منهما وهو الاسبق ومثل في الاعلى بحجم اصغر باعتبار ه بعيداً عن ذاكرة الفنان الآنية. في حين مثل الحدث (الآن) بحجم اكبر وقد احتل اكبر مساحة المشهد. انه نوع من التمسرح الزمني في اليات السرد، التي لا تعتمد الحكائية وابعادها الواقعية، وانما هي مركز اشعاع تنتظم حوله سائر عناصر التكوين بقيمة المادية والفكرية. ذلك ان القيم الشكلية تسري في روحية التكوين هذه، وهذا يحتم ضرورة الربط بين ما يدرك في اية لحظة ، وبما حدث قبلها وما سيحدث بعدها. ولعل من الاصوب تسمية هذه المسلة (بمسلة الصراع) بدلاً من مسلة الصيد. ذلك ان المشهد يوضح في بنيته العميقة، قوتين ، هما قوة (الوجود) المتمثلة (بالحاكم) وقوة (الفناء) المتمثلة (بالاسد). فالتعبير في المشهد التاريخي للمسلة ، لم يكن نسخاً لواقع مُعطى ، بل هو كشف لظواهر الحياة، بما فيها من قوى وميول ورغبات ومخاوف، تبثه اشكالُ فنية ذوات مدلولات رمزية ، وقد كانت بمثابة لغة متداولة، مكنت الفكر الانساني ، ان يوثق ما لديه من خبرات واحاسيس ذاتية او خارجية. فهذه الاشكال الرمزية قد اوّلت من اشكالها ومدلولاتها الطبيعية المالوفة، كي تصبح حرة من صيرورتها الطبيعية ، لتؤدي فعلها في نسق الفن ، بمدلولات مضافة ، للتعبير عن معتقدات الانسان ومخاوفه. واهمية هذه المسلة تكمن في نقطتين ، الاولى هي انها اقدم مسلة تذكارية في تاريخ الفن، والاخرى هي السبق الفكري الذي تتضمنه في محتواها. ذلك انها مثلت قوى الوجود، بوحدتين رمزيتين ، اولهما (الاسد) والذي تكاثرت اعداده في السهول السومرية ، فاصبح خطراً على حياة الانسان وممتلكاته . ففي ملحمة كلكامش يقول احد الرعاة السومريين: اخذ سلاحه وانطلق يُطارد الاسود، ليريح الرعاة في المساء , فاستطاع الرعاة ان يهجعوا في الليل مطمئنين، صار انكيدو حارسهم وناصرهم ، انه الرجل القوي والبطل الاوحد والوحدة الرمزية الاخرى في قراءة النص. هي البطل الحاكم، حامل قوى التذكير، حامي الحياة. والذي عليه ان يؤدي مثل هذه الممارسات الطقوسية ، لاثبات مؤهلاته كحاكم لدويلة المدينة، فالفعل هنا ليس هواية، او ممارسة لقضاء الوقت. انه فعل لتحقيق توازن الكوني . والذي استمر فعله في بنية الحضارة الرافدينية حتى العصر الاشوري. فالقصد من هذه الممارسات ، والتي هي بمثابة طقوس روحية ، هو اثارة العاطفة في الجماعة ، لتكون عنصراً مؤثراً في حياة المجتمع العملية. انها بمثابة اذكاء لعواطف معينة في سايكولوجيا الأشخاص ، والتي تُعد ضرورية ونافعة في سياق العمل المعيشي، فقد كررت الجماعة الانسانية على ارض سومر ، هذه العمليات عدة مرات، حتى وجدت بالتدريج (رمزاً) او وسيلة تعبير يتجسد بها هذا النشاط الجمعي. ولعل مثل هذه الرموز ، قد احتفظت في زمانها ومكانها ، بقيم دينية ودلالات تعبيرية ذات مفاهيم اجتماعية. لم يهتم الفكر الديني (السومري) بمظهرها الطبيعي كمفردات من العالم المرئي، بل يستدل فيها (افكاراً) كامنة خلف المظاهر، ساعياً الى تكوين منظومة رمزية، تحتفظ بدلالاتها في بنية المعتقدات الاجتماعية وبما يرضي حاجاته التعبيرية. يميل اسلوب تمثيل المفردات الرمزية في المشهد (شكل1)، الى التبسيط والاختزال وذلك بتمثيل الدائم والعام والخاضع لقوانين ثابتة، على حساب التفاصيل والجزئيات . ولعل ذلك يفسر الانتقال بالاشكال من صورها العرضية، الى اشكالها الجوهرية. وفي ذلك نوع من التسامي فوق مستوى الواقع لكشف المضمون الباطن للحقيقة. وبخصوصية (اسلوب) تبغي اختزال ما في الواقع الى رمزه الروحي ، بوساطة الجمع بين الصورة الطبيعية والمنهج الرمزي. ان وظيفة النص التشكيلي من خلال (الشفرة) التي يبثها، بوصفه وسيطاً ابلاغياً. والبيئة المكانية التي يشغلها، وحجم العمل النحتي، وخصوصية خامته الصلبة ولونها. كلها نظم علائقية تقدم مقولتها ، حول خصوصية الابداع في هذه المسلة الخالدة من الوركاء، عاصمة البطل كلكامش . وانها السحر الكائن في جذور الفكر الانساني، والذي يوحي في ذات الان، باحساس بالعجز ووعي بالقوة، تحسباً من احداث الوجود مع القدرة بالسيطرة عليها. وهو الجوهر الاصيل لهذا العمل الابداعي. واخر الامر ، ان من المهم التنويه اليه. هو تشابه مشهد مسلة الوركاء الحالية اواخر الالف الرابع قبل الميلاد. مع مشهد ما يعرف بمقبض سكين جبل العرق من الحضارة المصرية ، والذي يعود لذات الفترة الزمنية (شكل3). ذلك ان مشهد السكين المصري، يصور بطلاً اسطورياً ، يصارع اسدين، ويظهر تشابهاً قريباً بموضوعه، وسماته الفنية، مع مشهد مسلة الوركاء. وسواء اكان هذا التشابه ، قد نتجَ بفعل الاحتكاك الحضاري ومهما كان نوعه بين الحضارتين، او كان نتيجة للتشابه في طبيعة الفكر الحضاري ، والذي ابرز موضوعات متشابهة في فجر الحضارتين العراقية والمصرية. فان مثل هذا الامر ، جدير بان نشير اليه، بوصفه اشكالية حضارية ، تنتظر الاكتشافات الجديدة ، لايجاد حلول لها.
|