أنغام محمد جواد أموري

رمزية الفن ولغزه العنيد

 

عادل كامل

 

     قبل أن يكتسب الفن سمة العلم، إلى جانب اكثر العلوم صلة بالمختبر والتجارب العملية، مكث جزءا ً من أعمال (المخيال) في تأمل مظاهر الوجود، وفهمها، والسيطرة عليها.

     وإذا كان من الصعب وضع زمن لظهور أولى الانشغالات بالأصوات، والألوان، فان آثار الأصابع، بالطين وعلى الجدران، تحكي تلك الوحدة بين عمل الحواس المباشر، وما تتضمنه من فعاليات مازالت تعمل بدوافع المخيال والرغبات العنيدة.

     أنغام أموري، أتيح لها أن تتلقى أولى دروس لذائذ الإصغاء، وطرق التذوق، والمعرفة، بتلقي هذه المعرفة من لدن والدها الموهوب في مجالات الموسيقى والغناء والحساسية في تعامله مع مكونات الحياة. لكن أنغام اختارت فن الرسم، بدل الموسيقى وفنون الأصوات. ففي الرسم، لم تعوض ما كان سيتاح لها أن تفعله في الموسيقى، بل ستندمج في تجربتها البصرية، كأصوات انتظمت عبر خطاب العناصر التشكيلية.

     فمنذ أكملت دراستها للفن في معهد الفنون الجميلة، بشعور تلقائي، تركت أصابعها تدوّن أقدم أبجدية للرسم: الرقص. فهي تكرر، في نصوصها، هذه المشاهد: نسوة، وفي الغالب، فتيات، وبنات صغيرات، يشكلن حلقات دائرية، ونصف دائرية، أظهرت شغفا ًبما يفعلن. انها ترجعنا إلى عصور الصيد الأولى، عصر البرية، والفضاءات المفتوحة، قبل أن تنغلق المدن بالجدران، وتحول سكانها إلى علامات مغلقة بالأقفاص، وما يتوازن مع شعارات الرفاهية والشفافية. فأنغام لا ترسم ما تراه، وما يحدث من حولها، بل تركته، كي تسمح لذاكرتها بالخلي عن عالم (العقلاء) كي تترك ذاكرة الطفولة تصور علاقة بناتها ونسائها بالطبيعة، تمثلا ً لسحر كاد يزول، لولا أن تلك العصور صاغته بما يخالف منطق الاعتقاد بموت الماضي. فالبدائيون ليسو كائنات متوحشة، ومنشغلة بالولائم البشرية، كما هو حال الإنسان(العاقل): الذي يحلم باحتلال الفضاء، بعد أن ترك بصمات دماره في الأرض. انها لا ترسم كي تكتب، بل لتعزف، كي تؤدي عناصر الفن ( الألوان/ الخطوط/ ملامس الخامات/ والفراغات..الخ) ما تؤديه عناصر الموسيقى: الوحدة. إن هذا الهاجس بالعلاقة، بين الناس والطيعة، ليست إلا فطرة الوجود الجمعي، لا للناس، بل للأنواع كافة. وأنغام، في إعادة صياغة مشاهد السحر، تسمح لنا برؤية عالم خال ٍ من القسوة، والظلم. فالرقص ليس ترفا ً، بل طقسا ً لما سيؤديه الناس عبر حلقات الذكر، وعادات الطقوس المختلفة عند الشعوب. فأشكالها البشرية، المزينة بالعلامات الهندسية، تتوازن مع الأشكال الحرة معادلة بينهما في علاقتهما مع الطبيعة. لأنهما، عبر الاختلاف، يؤكدان مبدأ التأمل، والتوليف أو التركيب. انها واحده من شعارات المتصوف، قبل صياغة هذا النظام، حيث العلاقة لا تتقاطع بوحدة الإنسان نحو الطبيعة، أو من الطبيعة إلى الإنسان. كما أن اختيارها، للبنات والنسوة، ليس إلا استعارة لعصر كونته الآلهة الأم: عصر ما قبل أن تغدو الملكية عاملا ً للتصادم حد الابادة. فالموسيقى، كالرسم، في بعدها الجمالي، لا يمجدان الا الثراء الروحي، في عالم تتوازن فيه المعطيات، وأنغام، وقد تركت خيالها طليقا ً، تشذب أشكالها، حد التجريد. لان الرسم، عندها، لا يتخلى عن رمزيته. فالأشكال لا تحكي قصة، وإنما تسعى أن تجعلها حياة ممتدة من الماضي إلينا. فالدافع النفعي يكاد يختفي بعد أن غدا علامة امتلاء، وامتنان. ففي رسوماتها الأقرب إلى المنحوتات الناتئة، يكون الفن، قد أعادنا إلى وجود غائب، عبر الفعل السحري له: الألوان والنقوش والنسوة، كلها، تتجمع في رسومات نفذت بتلقائية، لكن، بما يجعل الفن يمتلك ما لم يقله، ليس تكرارا ً لأزمنة مندرسة، أو ستذهب مع الريح وتستحيل إلى ذبذبات، بل إلى وجود يكاد يدحض حتمية الزوال!

 

ـ ولدت في عام 1958.

ـ درست الفن في معهد الفنون الجميلة ـ بغداد 1981

ـ شاركت في المعارض الجمعية داخل العراق وخارجه.

ـ عضو جمعية ونقابة الفنانين العراقيين.

ـ عضو الرابطة العراقية الامارتية الثقافية الفنية.