نقطة نظام:

 

إضعاف النقابة إضعاف لقوة الطبقة العاملة

 

محمد الحنفي
 

sihanafi@gmail.com

 

                                                 
عندما تأسست الك.د.ش تأسست لتكون نقابة مبدئية ووحدوية، على مستوى التنظيم، وعلى مستوى صياغة المطالب، وعلى مستوى البرنامج المطلبي وصولا إلى جعل الطبقة العاملة قوة قادرة على قهر التشرذم و القضاء عليه حتى تستطيع الصمود لانتزاع المكاسب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية، والمحافظة على تلك المكاسب. إلا أن التحريف الذي تعرضت له الممارسة النقابية في إطار الك.د.ش حول الك.د.ش إلى مساحة للصراع الحزبوي، الشعبوي، الاسلاموي، بعيدا عن أدبيات الك.د.ش، و بعيدا عن المبادئ و بعيدا عن الأخلاق النضالية التي هي أخلاق الطبقة العاملة بالدرجة الأولى. و قد ترتب عن ذلك هذا النزيف الذي بدأ بالصراع على قيادة القطاعات، وعلى قيادة المركزية النقابية، وانتقل إلى إنشاء نقابات اعتبرها منشئوها "بديلة" للإطارات النقابية الكونفيدرالية لتتوج بإنشاء مركزية "بديلة" للك.د.ِش لينتقل الصراع بين النقابة المستولدة من جهة الك.د.ش وبين ك.د.ِش إلى الميدان. وهو ما يعتبر أكبر تشويش عرفته الطبقة العاملة. مما جعلها تفقد الثقة في النقابة المبدئية وتنساق وراء خطاب نقابوي ذي لباس إسلاموي يعمل ومنذ البداية على جعل الطبقة العاملة تفتقد بوصلة امتلاك الوعي الطبقي، ليحل محله الوعي الزائف الذي لعب ويلعب دورا في جعل الطبقة العاملة تهتم بالغيب بدل الاهتمام بالواقع. وتكسب الصراع مسحة "دينية" تجعل المعنيين بذلك الصراع ينسلخون عن انتمائهم الطبقي،  ويتحولون إلى مجرد كائنات مستنسخة من كائنات عصور الظلام كانت منسجمة مع نفسها. أما الكائنات المستنسخة عنها فتفقد ذلك الانسجام مع النفس وتعيش عصرها بعقلية الماضي التي لا تخدم إلا الجهة المستفيدة من الاستغلال. والذين يتحملون المسئولية في ذلك هم الذين عملوا على تغييب المبادئ الكنفيدرالية التي يمكن اعتبارها قنطرة لعبور الطبقة العاملة إلى جسد الك.د.ِش. والارتباط بها و النضال في إطارها. فالديمقراطية لم تعد واردة، والتقدمية أصبحت في خبر كان، والاستقلالية تحولت إلى تبعية لتكون النتيجة فقدان الجماهيرية، وتصير الك.د.ش. كباقي الإطارات الصورية التي تعج بها الساحة النقابية ليتساوى الانتماء إليها مع الانتماء إلى أية نقابة صورية أخرى مع أن تاريخها النضالي، وجسامة التضحيات التي قدمها مناضلوها المخلصون من اجل الطبقة العاملة في زمن كان يتلقى فيه من يقف وراء النقابة التي ترتدي لباسا "دينيا"، دعما لا محدودا من الطبقة الحاكمة حتى يقووا على محاربة الحركة الديمقراطية والتقدمية التي تعتبر ك.د.ش من أهم مكوناتها. والكارثة العظمى التي أصابت الطبقة العاملة ونظرا لغياب إعلام هادف، فإننا نجد أن الطبقة العاملة تنساق وراء من وقف وراء مقتل الشهيد عمر بنجلون القائد العمالي، والمناضل النقابي والديمقراطي الفذ. وهو انسياق يشكل مفارقة كبرى، وتحديا للعمل النقابي الصحيح كما كانت تقوده الك.د.ش. وكما يمكن أن تقوده مستقبلا إذا تخلصت من الأمراض التحريفية التي تسربت إلى صفوفها، واستعادت عافيتها.
لأن الك.د.ش هي الإطار النقابي الذي بني في عز ممارسة الصراع الطبقي الحقيقي وعلى أسس مبدئية، ولأنها هي الإطار الذي يستوعب كل الفصائل والتوجهات ولأنها قادت نضالات الشغيلة وبإخلاص في مراحل تاريخية معينة، ولأن العديد من المكاسب التي تحققت وستتحقق ستكون من إنجازها إذا تخلصت من الأمراض التحريفية التي أصبحت تتخل الممارسة اليومية للنقابيين والإطارات النقابية والمسئولين النقابيين. وبدون ذلك التخلص من الأمراض الحزبوية والشعبوية والبيروقراطية والإسلاموية تبقى الك.د.ش كباقي النقابات، لا تتميز عنها ولا تفضلها، ولا تستطيع أن تستعيد دورها، ولا يمكن أن تطور ذلك الدور.
ولجعل الك.د.ش تستعيد مجدها، وتتخلص من مظاهر التحريف، لا بد من:
1) استعادة الممارسة الديمقراطية الداخلية لضمان حل الخلافات والاختلافات القائمة في الإطارات القائمة بالطرق الديمقراطية التي تضمن حق إبداء الرأي، وحق التقرير، وحق المساهمة في التنفيذ، وحق اختيار الأجهزة ... الخ
2) الحرص على تقدمية النقابة على مستوى أدبيات الك.د.ش، وعلى مستوى الممارسة اليومية، لأنه بالتقدمية وحدها يمكن تسييج الك.دِش ضد الرجعية والفكر الرجعي والممارسة الرجعية المتخلفة التي أصبحنا نلاحظها في مقرات ك.د.ش. وفي تدخلات الأطر النقابية، وفي الممارسة في الساحة العمالية.

     3) ضمان ارتباط الإطارات النقابية بفئات الشغيلة بصفة عامة، وبالطبقة العاملة بصفة خاصة من أجل المحافظة على جماهيرية النقابة عن طريق الإخلاص في الدفاع عن الشغيلة وعن الطبقة العاملة مهما كانت التضحيات التي تقدمها الك.د.ِش.

    4) الحرص على استقلالية النقابة لسد الطريق أمام أوجه التحريفية الحزبوية، أو الشعبوية أو البيروقراطية أو الاسلاموية التي يترتب عنها مصادرة نضالات الكادحين لصالح جهة معينة مما ينعكس سلبا على ارتباط الشغيلة بالك.د.ش.

    5) العمل على تحقيق الوحدة التنظيمية في إطار ك.د.ش والسعي إلى تحقيق الوحدة المطلبية، والنضالية بالتنسيق مع الإطارات النقابية التي تسعى إلى تحقيق نفس الأهداف النضالية.

وبذلك يمكن للجسد الكونفيدرالي أن يستعبد عافيته التي تعتبر ضرورية لقيام ك.د.ش برفع مستوى وعي العمال و أدائهم النقابي، و الارتباط بهم، و قيادة نضالاتهم المطلبية حتى تستطيع اكتساح المزيد من المواقع بدل فقدانها لصالح نقابة رجعية متخلفة تستغل الدين الإسلامي الحنيف وتؤدلجه، وتستغل تدني مستوى وعي العمال، والقهر الاقتصادي والاجتماعي والإداري الذي يعانون منه.

فهل يعمل المسؤولون الكونفيدراليون على إعادة النظر في مجمل الممارسة النقابية؟

هل يستعيدون مجد النضال الكونفيدرالي بإعادة الاعتبار إلى مبادئ العمل النقابي؟

هل يتخلون عن إنتاج الممارسات التحريفية التي تقف وراء النزيف الذي عرفته وتعرفه الك.د.ش؟

هل يتم وضع حد لمرض النرجسية التي تقف وراء اختزال العمل النقابي في شخص معين؟

إن العمل النقابي في إطار ك.د.ش هو عمل عنيد و ستتحطم أمامه كل أشكال التحريف مهما طال استولادها أو استنباتها، ولا بد أن تتجاوز ك.د.ش أزمتها وتستعيد مبادئها وضوابطها التنظيمية لتمارس عملا نقابيا معافى، وتتخلص الطبقة العاملة من التأثر بالعمل النقابي الحزبوي أو الشعبوي أو البيروقراطي أو الإسلاموي حتى تبقى سيدة نفسها في إطار ك.د.ِش وفي نضالاتها المطلبية، وفي اختيار من تراه أهلا لقيادتها وتلك العناوين العريضة للعمل النقابي الصحيح.

 

 

ابن جرير في 21/6/03

محمد الحنفي