السخرية السياسية العربية

وليد خالد أحمد حسن

 

أسئلة كثيرة تواجه من يحاول البحث عن تفسير هذه الطريقة الخاصة جداً للتعبير عن الرأي التي يسميها العرب (النكتة). وتندر الإجابات أو لا توجد بالمرة، ولكن تبقى النكتة، كثيفة، ساخرة، سريعة النفاذ، تغني الواحدة منها عن مقال كامل أو خطبة نقدية مطولة أو شروح مسهبة متغلغلة للمواقف، فهي في ذاتها موقف صاغه عقل جماعي مجهول بمفردات بسيطة نسيجها المفارقات المكثفة التي تنطق بها وقائع حياة كل يوم.

إنها حزب البسطاء ومنشورهم الذي نفذ بسخريته اللاذعة إلى الأعماق وصحيفتهم غير المكتوبة وسلاحهم في مواجهة ما يحيط بهم. فهم يلتقون جماعة من خلال النكتة ويروضون عبر عملية تخيل ذهنية عجيبة واقعاً لا يمكنهم احتماله ولا يستطيعون تغييره. ولأنهم يفهمون بغريزتهم ما يحدث، ولأنهم لا يستطيعون تدبيج المقالات والخطب والتحليلات التي تفسره، فإنهم يضحكون من واقعهم ومن عجزهم ومن أنفسهم.

النكتة أيضاً هي كلمة السر السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يتخاطب بها الذين لا يملكون وسيلة أخرى للتواصل بلا لقاء، وهي تصاغ جماعة، إذ لا فضل لمن وضعها في صورتها النهائية إلا بقدر فضل من جمع تعليقات متداولة بالفعل. وهي تتدفق كتيار ضاحك يبلور رأي المجتمع من غير أن يعرف أحد من أي شقوق هذا المجتمع يأتي، ولا أين يذوي ولكنه ما كان ليوجد وينتشر من الأصل لو لم يكن هناك إجماع صامت بالاتفاق على الآراء التي يحملها، إنها أسلوب خاص من أساليب التعبير، ثم إنه ينقل رأياً لا يمكن سماعه في مكان آخر بالأسلوب نفسه.

النكتة السياسية أو الظرف السياسي، حقل جديد من حقول البحث قلما فطن له العرب والظفر بمادة كافية له تصلح للتقييم والتحليل يفرض على الباحث القيام به بغربلة مجموعة ضخمة من النكات والنوادر والحكايات والأشعار التهكمية المنشورة في كثير من المؤلفات والمجاميع.

فالنكات والدعابات لم تدون يوماً في الوقت الذي أطلقت فيه. فليس لراويها المتأخر معتمد في استحضارها إلا الذاكرة، فهي لذلك خاضعة للتغيير المعتاد الذي يصيب الأدب المنقول شفهياً في تحوله من محدث إلى آخر. وذلك إن الرواة، كلا منهم، تبعاً لكفاءته وزمانه راحوا يروون ما وصل إليهم على هواهم بل يجرون في ما ينقلون من التعديل ما يحلو لهم بحرية لا تعرف الحدود.

إن النكتة السياسية أو الهزل السياسي مرحلة راقية من المزاح وظاهرة حديثة النشوء في تاريخ الإنسان. وذلك إن الظرف بالذات إنما هو أدب متأخر النشأة، سواء على مستواه الفردي أو على صعيده الجماعي.

إن الكتابة في موضوع النكتة السياسية أو الظرف السياسي في وطننا العربي مهمة محفوفة بالمخاطر. لكن خالد القشطيني مؤلف الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته، اتخذ قرار المجازفة في اقتحامها ولاسيما في اقتحام موضوع الحس الدعابي عند الرسول محمد (ص) وأئمة الإسلام الأبرار، ولم يجد القشطيني نفسه أمام تحد آخر لا يقل عن الأول رهبة، هو التحدث عن الدعابات السياسية التي نسجت حول الزعماء المعاصرين في وطننا العربي.

صحيح إن الإنسان حيوان ضاحك، إذ لا يستطيع غيره من المخلوقات أن يضحك ولكن الإنسان العربي لا يتداول النكتة السياسية كي يضحك فقط، إذ كم من النكات أقلقت حكاماً وأطلقت عناصرها من الأمن العام في محاولة للبحث عن مصادرها. فالنكتة العربية تكتسب في بعض صورها دور المؤشر بالغ الحساسية على حالة المزاج الاجتماعي إذ إنها الابنة الشرعية لهذا المزاج، فهي تولد سراً وتروج سراً فيما أجهزة الإعلام الرسمية تفرد صفحاتها الأولى للأخبار الرئاسية والصور الخاصة للقائد المبجل. وبقدر المفارقة تكون سخرية النكتة. ولأنها ذلك كله، فإن الحكام في كثير من الحالات يحرصون على سماعها حتى في الحالات التي يكونون هم أنفسهم موضوعها.

لقد تعرضت السياسة العربية منذ فجر التاريخ العربي حتى اليوم إلى النقد بأساليب مختلفة تتباين من عصر إلى عصر ومن بلد إلى بلد واعتمدت المباشرة أحياناً والتبطين والتلميح أحياناً أخرى، وكانت كلها تصب في خانة كشف سلبيات السياسيين وولاة الأمر بهدف الإصلاح السياسي والاجتماعي كما كان بعضها نكات تنفس عن حالة الكبت فيما كان البعض الآخر يدخل في مجال الفكاهة لقتل الوقت وتسلية الجمهور.

الكتاب وضعه بالإنكليزية مؤلفه الذي اشتهر بكتاباته الساخرة وأبحاثه السياسية والأدبية. أما لماذا وضعه بالإنكليزية ليترجمه له إلى العربية كاتب عربي آخر قدم إضافات إلى النصوص الأصلية أضفى عليها طرافة فوق طرافتها، فيبرره المؤلف بشعوره بعظمة ثروتنا الأدبية في ميدان الفكاهة والظرف وبجهل الغربيين التام تقريباً لهذه الثروة. مع إن المؤلف يعترف بأن الغربيين يعتبرون الفكاهة وروح النكتة شيئاً أساسياً من أشياء الحضارة والفن والأدب ودليلاً على النضج وسماحة الخلق والميل إلى السلام والقدرة على التفاهم العقلاني وبرهاناً على الثقة بالنفس بينما يرى إن الفكاهة والنكات والتعليقات لا تزيد عن الكثيرين من العرب على كونها مزاحاً عابثاً ومضيعة للوقت وتعرضاً بالناس وتحدياً للتراث والدين، علماً بأن الغربيين يقولون بأن العرب لا يتصفون بروح النكتة وليس لهم أدب فكاهي و مسرح كوميدي. وفسر بعضهم انعدام الكوميديا في الأدب العربي بأنه وليد احتقار المرأة عند العرب.

ومن هنا، يرى المؤلف إن لجوئه إلى اللغة الإنكليزية، إبراز هذا الجانب من الشخصية العربية والتراث العربي للغربيين، وكذلك نظرة الاحتقار التي أخذ الغربيون ينظرون بها إلى أوضاعنا السائدة وضرورة إثبات إن هذه الأوضاع تلقى من الجماهير العربية نفس نظرة الاحتقار والإدانة، وإن التنكيت نفسه الذي يمارسه المواطن العربي على حكومته وحكامه هو تعبير حي عن هذه الإدانة وسخرية من تصرفات بعض القادة والسياسيين.

الفكاهات والنكات والنوادر التي يوردها الكتاب بعضها متداول معروف في الشارع العربي المعاصر أو شائع من خلال كتب كبار الأدباء العرب عبر التاريخ كالجاحظ وابن المقفع. ففي أحد فصول الكتاب ركز المؤلف على حب العربي للمرح لاسيما الكلامي منه، حيث ترك لنا تراثاً حرياً بأن ينقل إلى الأجيال التالية، ويحيا في مناخاتها... ففي مثل عربي قديم:- إن الرجال لفي سجن إلى أن يغمرهم الظرف. والمؤرخون يوردون نماذج كثيرة من النكات العربية القديمة يروون بعضها عن النبي (ص) نفسه. فالرسول (ص) ربما كان الوحيد بين الأنبياء ممن عرضت في سيرتهم نماذج من النوادر وأرباب الظرف. وهو أمر متوقع من شخص موهوب بحس شعري مرهف - على حد قول المؤلف-.

إن الرجل الفكه لا يملكه الغضب - والكلام لا زال للمؤلف- والنبي (ص) لم يعرف عنه مطلقاً إنه انفعل ففقد أعصابه مع كل ما تحمله من التحديات والإساءات. وقد كان ينعم بكثير من الانفتاح والتسامح والتساهل وسعة الصدر. وكان من شأنه المزاح مع صحابته، يضحك لنوادرهم ويوصي المؤمنين بالمزاح. قال لهم:- روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت. وفي حديث آخر جمع بين الظرف والفلسفة، قال:- أنا أمزح ولا أقول غير الحق.

لقد روى ابن قتيبة كيف إن النبي (ص) بقي يضحك سنة كاملة لإحدى نوادر نعمان المزاح عندما باع بدوياً رجلاً من الأحرار كعبد. والمؤرخون يصفون النبي (ص) في مناسبات كثيرة يضحك من كل قلبه وبكل جوارحه حتى تظهر ثناياه.

ولقد تجلى روح الظرف عند العديدين من صحابة محمد (ص) المقربين، كان أبرزهم عثمان بن عفان (رض). فقد روي إن النبي كرمه بطريقة فريدة إذ قال:- يدخل عثمان الجنة ضاحكاً لأنه كان يضحكني. أما كيف أضحكه؟ فربما كان مما روي من إن النبي رآه يأكل تمراً وفي إحدى عينيه رمد، فصاح به:- أتأكل التمر وأنت أرمد؟! فأجاب عثمان:- أنا آكله من الجانب الآخر.

بيد إن عثمان نفسه وقع ضحية لمقلب من منكت هو نعيمان الأنصاري منكت الرسول. يروي البيهقي في المحاسن والمساوئ إن نعيمان مر بـ مخزمة بن نوفل الأزهري، وكان رجلاً ضريراً فسأله هذا أن يقوده إلى مكان يستطيع أن يبول فيه، فأخذه إلى مكان في المسجد وما كاد يهم بقضاء حاجته حتى صاح به الناس (يا أبا المسود إنك في المسجد). فسأل من جاء به إلى ذلك المكان فقالوا له إنه نعيمان، فقال:- والله لأضربنه بعصاي هذه إن وجدته. وكان أن أتاه نعيمان وقال له:- يا أبو المسود هل لك في نعيمان فأجاب نعم. فأخذه إلى حيث كان عثمان وهو خليفة فانهال عليه ضرباً بعصاه.

ومما تناوله كتابنا، نوادر لأشهر ظرفاء العالم الإسلامي، جحا، الذي حظي على شعبية تاريخية كبيرة. ونوادره أصبحت جزءاً من تاريخ الوطن العربي الشعبي مكتوباً ومروياً، وقدر لها أن تصبح مصدر إلهام أحياناً في حقل السياسة المعاصرة. ويمثل جحا كذلك شخصية العاقل الذي يصبح مجنوناً أو يتظاهر بالجنون ليستطيع التعامل مع عالم مجنون، وليبدو جحا أحياناً أخرى خبيثاً ووقحاً كما تشير هذه الحكاية:-

رافق جحا مرة الوالي إلى الحمام فسأله الوالي وليس عليه سوى المنشفة..

-        كم تقدر إنني أساوي ؟

-        خمسين ديناراً

-        ويحك، إن منشفتي وحدها تساوي هذا المبلغ

-        أعلم ذلك، وعليه بنيت تقديري

وحكاية أخرى تقول:- لا حظ تيمورلنك إن حكام المسلمين يسمون أنفسهم المتوكل على الله والمعتصم بالله والمستنصر بالله، فسأله أن يقترح عليه اسماً يستعمله فقال جحا أعوذ بالله.

ومما تناوله كتابنا من نكات وسخرية ما كان يقال عن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي كان حريصاً على سماع النكات التي يتبادلها المصريون، خصوصاً تلك التي تتعلق به شخصياً حتى إنه طلب علناً في إحدى خطبه - وكان ذلك في الشهور التي أعقبت هزيمة 1967- أن يخفف الشعب المصري قليلاً من تنكيتهم على النظام ورموزه. لكن المصريين لم يتوقفوا عن التنكيت لا في فترة عبد الناصر ولا في غيرها من الفترات، والسبب في ذلك يرجع فيما يبدو إلى أن حالة الذهول من المفارقة بينما كان الناس يسمعونه عن قدرة بلادهم العسكرية وبين الحجم الكبير للهزيمة، أطلق تياراً من النكتة السوداء التي حملت نقداً عميقاً للذات وللنظام ولكل ما قيل قبل الهزيمة.

ومما يحكى بهذا الخصوص، إن جمال عبد الناصر كان يعلم كل ما يقال عنه من نكات وسخرية ويتحمله، لكنه اغتاظ مرة من إفراط أحد الظرفاء في تلفيق الدعابات غير المستحبة فطلب إحضاره إليه وأخذ يعاتبه ويسرد على مسامعه بعض ما قاله عنه، وختم عتابه بقوله:- تتذكر ولا شك إنني انتخبت رئيساً بتسعة وتسعين بالمئة من أصوات الناخبين، فقال الظريف مقاطعاً - أقسم بالله إن هذه النكتة ليست من صنعي.

ومما يرويه الكتاب أيضاً - إن عبد الله السلال الرجل الذي خلع ملك اليمن وأنشأ الجمهورية اليمنية أقام نفسه رئيساً عليها، قصد إلى القاهرة للمعالجة من داء البواسير، وقد دخل إحدى مستشفيات القاهرة المتطورة حيث عولج بالكي الكهربائي. وعندما سأله أحد معارفه كيف كانت الجلسة العلاجية، أجاب - اختبار جديد، فقد دخلت الكهرباء دبري قبل أن تدخل جمهورية اليمن.

في كل الحالات، الكتاب جهد قيم بذله المؤلف والمترجم، كما إنه ذا قيمة خاصة ونكهة مميزة، لأنه محاولة جدية تفتقر إليها مكتبتنا العربية، وإن لم يكن المضمون وثائقياً مسلماً بصحته. ونرجو أن يكون المؤلف قد حقق هدفه القومي من وراء وضع كتابه بالإنكليزية فيتفهم الغربيون إن العرب مارسوا فن السخرية السياسية منذ فجر الإسلام حتى اليوم، وإن كان نجاح هذه الممارسة يتفاوت بين عصر وعصر ومجتمع وآخر.

 

 

§         الكتاب :-

خالد القشطيني – السخرية السياسية العربية، ترجمة – كمال اليازجي، ط2، لندن، دار الساقي، 1992، 215 صفحة.