معلومات عن مجموعة القصصية الجديدة : " في انتظار الغريب " مع قصة " بغداد ، طهران ، ستوكهولم " .
صدرت المجموعة مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر \ بيروت ، وهي تتألف من 240 صفحة ، تضم 45 قصة موزعة على ثلاثة اقسام ، فضلا عن تمهيد مقتبس من رولان بارت ، بعنوان : مقاطع من خطاب عاشق .
ضمت المقدمة " الكتابة .. مواجهة للواقع وهروب منه " مقتطفات من كلمتين القاها بالنيابة عن الكاتب الشاعر الراحل شريف الربيعي والشاعر عبد الكريم كاصد في مهرجان القصة – غاليري الكوفة – لندن تموز 1996 \ 1997 .
تزين الغلاف الأول لوحة للفنان بيكاسو والغلاف الأخير يضم تقييمات موجزة لكتابات المؤلف محمود البياتي ، بأقلام : الروائية عالية ممدوح ، الروائية هادية حسين ، الروائية اعتدال رافع ، الشاعر عبد الكريم كاصد ، الناقدة يمنى العيد ، فضلا عن مقتبس من كلمة مجلة " الكتب الاجنبية " الصادرة في السويد ، جاء فيها : " للكاتب محمود البياتي قدرة فريدة في القبض على الأساسيات ، وهو يطرح اسئلته الوجودية بأسلوب آسر ، ويكتب قصصا تعد من الناحية الفنية بمصاف أفضل القصص المكتوبة باللغة العربية . ان لغته ثرية وموحية . "
وكان صدر لمحمود البياتي عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ايضا ، قبل سنتين ، رواية " رقص على الماء – احلام وعرة " ، وقبلها : اختراق حاجز الصوت ، جغرافية الروح ، ارتباك ، هذيان خلف كواليس المسرح ...
* عضو اتحاد الكتاب السويديين ، فاز بجائزة القصة العربية في مسابقة اجرتها مجلة " المسيرة " في بيروت عام 1984 ، اقام في براغ ( تشيكوسلوفاكيا ) منذ 1974 لأسباب سياسية . ثم انتقل
الى السويد عام 1991 ، ويعيش الآن في مدينة غوثنبرغ .
احدى قصص المجموعة : بغداد . طهران . ستوكهولم
محمود البياتي
ســلَّم قيس الباسبورت الى شرطة المطار طالباً اللجوء السياسي . اقتيد الى غرفة حقق فيها معه رجلان بمساعدة مترجم كردي . بعد ساعتين ارسلوه بالسيارة الى معسكر في ضواحي ستوكهولم . تعانق بحرارة مع اصدقاء عراقيين من بغداد , وابلغهم آخر نبأ :
- قررت الحكومة منع اتصال المعارضين في الخارج بأهلهم تلفونياً خشية تسرب المعلومات .
سأله احدهم :
- الم تتصل بأهلك من طهران ؟
- اتصلت , فهدموا بيتنا . كلما اتصل يهدمون بيتنا . لذلك رجوت عمي التاجر , يقيم في عمّان , ابلاغ الأهل اننا سنتحدث من الآن فصاعدا بالشفرة . اذا قلت " انا زهير " يعني ذلك انا قيس . واذا قلت " انا في بيتي الجديد " يعني ذلك انني وصلت ستوكهولم . اما " البيت العتيق " فيعني طهران .
اعجب الجميع بهذا الأجراء الاحترازي , وسمحوا أن يتلفن من عندهم ليزف بشرى سلامة الوصول . ردت امه العجوز :
- هلو ؟
تبسَّم وسألها بصوت مرتفع :
- كيف الحال ؟
جاوبت باحتراس :
- بخير. من يتكلم ؟
قال وهو يغالب الضحك :
- زهير .
سألت الأم بخوف :
- أي زهير ؟!
- زهير زهير .
تعرفتْ على صوته فصاحت :
- ابني قيس !
قطب الجبين ورد بنبرة ذات مغزى ليذكّرها بالاتفاق :
- لا . زهير زهير .
قالت بتلعثم :
- اعرف ابني . افتهمت . سيغمى عليَّ من الفرح .
سمعها تنادي الوالد بعجلة ( قيس , قيس على التلفون ) وتستأنف طرح الاسئلة :
- من اين تتكلم ؟
- من البيت الجديد .
- الحمد لله . متى ؟
- اليوم . قبل ساعات .
- واختك ؟
- هناك .
- اريد احكي معها . اين هي ؟
- هناك , بالبيت العتيق .
- لماذا ؟
- كان يجب ان انتقل وحدي اولاً .
بعد فترة صمت قصيرة سألت بشك :
- ألم تذكر لنا انكم ستتركون طهران سوية وتسافرون سوية الى السويد ؟
زعق بعصبية :
- ليس السويد . انا لست في السويد . واختي ليست في طهران .
- لا تخبلني يا قيس . اعوذ بالله من الشيطان الرجيم . انت الاّن قلت انك بالبيت الجديد .
- نعم , بالبيت الجديد . بالبيت الجديد .
- وماذا قلت انا يا ابني ؟
سكت قيس وهو يتطلع بحيرة في عيون رفاقه المستفهمة ، لا يدري كيف يخرج من الورطة . استفسرت الأم بقلق :
- لماذا سكت ؟
- لا شئ .
- قل لي بصراحة , ماذا حدث لأختك ؟
- لا شئ . انها بخير .
- لماذا بقت في طهران , فهّمني .
همس بغيظ :
- ليست في طهران . هي بالبيت العتيق , بالبيت العتيق .
همست امه ايضاً :
- ادري ابني . لم اخرف بعد . اتفقنا ان البيت العتيق يعني طهران , والجديد يعني السويد , اليس كذلك ؟
سمع والده يزجرها :
- اسكتي . لا تقولي ايران وسويد ، ولا قيس !
قهقهت الأم باعتذار :
- وي نسيت ! العفو ابني قيس ( قهقهت مرة اخرى ) اووي , العفو ابني , العفو.
ضحك الأبن وقال باستسلام :
- انتِ على حق ماما . انا قيس . والبيت الجديد ... ( زفر وتساءل ) ، كيف حالكم ؟
***