مديحه عمر
ملغزات الحروف ومحركاتها النائية
عادل كامل
ريادة :*
بعشرين سنة، سبقت مديحه عمر جميل حمودي وشاكر حسن في دراسة وتدريس فن الرسم والفنون الجميلة. ولدت الفنانة في حلب عام 1908 وربما في عام 1906، وهي فترة سمحت لها بالإطلاع على ما كان يجري من تحديثات فنية خارج الفراغ الكبير الحاصل في بغداد حتى أوائل أربعينيات القرن الماضي. فانتسبت إلى دار المعلمات في بيروت، ثم ذهبت إلى استانبول وانتمت إلى المدرسة السلطانية، وكانت قد أرسلت في أول بعثة عراقية للبنات إلى إنكلترا والتحقت بكلية ( ماريا غري ) .. وعادت إلى العراق وعينت مديرة لمدرسة تطبيقات دار المعلمات، ثم عينت مديرة لدار المعلمات نفسها بالوكالة ودرست فيها فن الرسم ( 1933ـ 1935 )ـ وكان أكرم شكري قد سافر للدراسة عام 1931 ـ حيث ودرست أصول التدريس فيها.
إن دراستها في استانبول، بعد بيروت ، وقبل لندن، منحها فرصة للتعرف على أدق مرحلة فاصلة بين موروثات الإمبراطورية العثمانية وتركيا الحديثة. إنها مرحلة لم تدرس تأثيراتها في الفن العراقي؛ علما أن الرعيل الأول من الرسامين العراقيين كان قد تلقى معارفه هناك ( عبد القادر رسام /عاصم حافظ/ محمد صالح زكي/ الحاج محمد سليم ) ولكن مديحه عمر وجدت نفسها تعاصر فترة كانت تشهد مجموعة من التحولات لا على صعيد الفن فحسب ، وإنما على صعيد الامتداد الثقافي الأوربي نحو الشرق. وإذا كانت الفنانة غير مشغولة بما كان يحدث من تصادمات داخلية أو على الصعيد الاجتماعي والسياسي، فان المناخ التصادمي ونتائجه أثر في لاوعيها وجعلها لا تمتلك إلا أن تكون شاهدة على مفاهيم اندمجت فيها الجذور والموروثات بالحداثات المعاصرة. فلم تعد اللوحة عندها محض تسجيلات وثائقية لضفاف دجلة وأزقة بغداد، وإنما اتسعت نصوصها لأسئلة لن تجد اتساعا ً إلا لدى شاكر حسن وجميل حمودي بعد أكثر من عقد .. فكانت الفنانة تغامر ببناء نصوص تتنوع فيها الرؤية والمؤثرات والأشكال والرموز في محاولة للعثور على وحدة بين فضاءات مخيالها ورهافتها الشرقية المشحونة بعاطفة روحية. كانت تأثيرات استانبول قد تركت نزعة بصرية لاختيار أقدم الأشكال الحروفية في نصوصها الفنية، وهي نزعة ستظهر في عدد قليل من التجارب بعد ذلك بنصف قرن عند قتيبة الشيخ نوري مثلا .. حيث ظهرت الأشكال الهندسية المنتظمة كالدائرة والمثلث والخطوط المنحنية والمقعرة والمتموجة .. فقد غدا معمار اللوحة أكثر تمثلا ً لدراما ما كان يحدث من أفعال وردود أفعال واستجابة للمؤثرات الأوربية إزاء عادات اللاوعي وأنظمته الراسخة للأشكال التقليدية ذات الجذور الشعبية . فكان النص يتمسك بالحروف العربية عبر مناخات ما كانت ستتكون لولا السوريالية والحدود المتداخلة بين المنجزات الحضارية. ولم تكن مديحه عمر متأثرة بفنان تركي محدد ـ فموسعة الفن التركي لا تساعدنا في التعرف إلا على تجارب إنجازات لحداثات أوربا واثر [كمال اتتورك ] الساحق لا يغيب في هذا المجال على الفن ـ ولكنها مكثت تصوّر عالمها بالاستناد إلى أقدم من أسهم بتفكيك النص وإعادة تشكيله كنص يمتلك أنساقه البنائية والرمزية والجمالية المستقلة.
وستتابع مديحه عمر دراستها لتنال شهادة البكالوريوس من ( الكوركوران) وجامعة جورج واشنطن وشهادة شرف لإنتاجها الفني في عام 1947 في كلية الكوركوران للفنون الجميلة. وفي العام نفسه اشتركت بمعرض التصوير بالإصباغ المائية الذي أقامه الفنانون المتخصصون بالرسم المائي. وحتى عام 1988 أقامت ثمانية عشر معرضا ً شخصيا ًفي كل من بغداد والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا ولبنان والسودان. كما شاركت في عدد من المؤتمرات الطلابية والتربوية والفنية أيضا. ان عملها الذي لم تصاحبه شهرة إعلامية ونقدية ـ في العراق ـ لا يقلل من دورها الرائد لا بين الفنانات العربيات وإنما بين الرواد الذين تمكنوا من العثور على صيغ متوازنة بين الموروثات الحروفية والمعرفية العربية والصياغات التكنيكية للحداثات الأوربية. فضلا ً عن مثابرتها العنيدة في بناء تجاربها الفنية.
* في حدود التجربة
في كتابه ( الفن العراقي المعاصر ) كتب الفنان نزار سليم : ..استلفتت الخطوط العربية اهتمام السيدة مديحه عمر منذ طفولتها، تلك الخطوط المتشابكة على أبواب المساجد، المحيطة بالقباب والمآذن، كما سحرتها سقوف وجدران المنازل الدمشقية القديمة. وقد تبنت الأهمية الجوهرية للحروف العربية خلال دراستها في أمريكا، ووقفت على رحلة الخط العربي خلال العصور وعلى ما طرأ عليه من تغييرات كثيرة : ـ " ولقد أوحى إليّ ذلك أن الخط العربي الذي هو عبارة عن معان مجردة، والذي هو في جوهره رمزي، يجب الا ينظر إليه وكأنه مجرد أبعاد وأشكال هندسية. فان هذه النظرة في اعتقادي، من وجهة التصميم الفني تسيء إلى فردية كل حرف وتسلبه حيويته في التعبير وفرديته، وتمنع ان يكون تصميما ً فنيا ً. ذلك بان كل حرف من حروف الخط العربي فيه القابلية الكافية وله شخصية متحركة قادرة على أن تكون صوره مجردة، وفوق ذلك فان له تلك الصفة الفردية الظاهرة التي تساعد على صيغ كاملة تعطي معنى خاصا ً أو فكرة، أو تمثل حادثا ً جديدا ً أو قديما ً" وإذا كانت الفنانة قد أقرت بأسبقية استعمالها للحرف العربي، بالنص التالي " الذين قاموا باستخدام الحرف العربي، كانت بداياتهم بعيدة بمدة طويلة زمنيا ً" فهذا بالطبع، وعلى حد قولها لي قبل ربع قرن " لا يقلل من التجارب اللاحقة عند شاكر حسن وجميل حمودي ومحمد غني حكمت .. وغيرهم. لأن هذا الأسلوب الفني تحول إلى ظاهرة في الفن العربي المعاصر. كل فنان ينظر إليه من منظاره الخاص، ولأجل نتائج ذات مناخ منسجم يمتلك التنوع " .
إن نصوص مديحه عمر، عبر تجاربها الطويلة، لا يمكن إخضاعها لمدرسة فنية واحدة، فهي فنانة امتلكت ثروة غنية من المفردات الثقافية والتراثية .. خاصة هذا الذي استمدته من رحلاتها وحياتها في عشرات المدن الكبرى، العربية والأجنبية، واطلعت على تجارب معاصرة وقديمة، جعلها تتوسع في عملية استلهام الحرف..فبإمكاننا الحديث عن عالمها الشعري الذي يقترب من تكوينات الحلم : العالم الفسيح المكون من أجزاء غريبة منظمة بدقة وبألوان ساحرة وبحركات تأبى السكون. في الوقت نفسه تحيلنا أعمالها إلى الحرف العربي القديم الذي يزين المساجد كوظيفة مباشرة والى الزخرفة التي استوحت منها نظام التكرار دون التمسك بالوحدات الهندسية المنتظمة، بل يتحول التكرار عندها إلى موسيقى لا تخلو من هاجس رومانسيا يذكرنا ببعض أعمال ( الدادا) وحتى ببعض أعمال السورياليين. إنها تنقلنا إلى عالم بعيد غير مرئي يقع في أقاصي الذاكرة أو على تخوم صحراء الحلم والبحار الأسطورية و تنقلنا إلى فضاء مزدحم بالرموز العفوية المأخوذة من مفردات البيئة والحياة اليومية المعاشة. ويمكننا القول إنها تخلق في نصوصها عالما جماليا ً اعتمد تفاعلات الخطوط وسحرها ومتضادات الكتل وخصوصية الألوان.. وذلك لخلق عالم مستقل يوحي باندهاش الفنانة بما تراه في البصريات لتحوله إلى عمل فني يحيلنا إلى الداخل .. ذلك لأنها سعت إلى أقصى ما تمتلكه تجليات الروح من جمال ودهشة واتزان وشعر وحب بلا حدود . فليست الحروف، في علاقاتها بمساحات اللوحة وعناصرها الأخرى، متماثلة.إنها لا تكررها وإنما تعقد معها علاقة كتلك التي كان جواد سليم يقيمها مع مفرداته البغدادية : الأهلة والنسوة والنقوش الفلكلورية.. فثمة إلفة تبلغ درجة العشق . فالعلاقة مع الأشكال ليست علاقة محاكاة، أو إعادة صياغة، وإنما علاقة إقامة. وقد كرست أعمالها، منذ البدء، للبحث عن خصائص الأشياء : الحروف والأشكال الرموز والإشارات في علاقاتها المتداخلة. فقد ذكرت لي : " اني لأرى أن كل حرف من الحروف العربية كصورة مجردة يؤدي معنى خاصا، وان تلك الحروف على اختلافها في التعبير تصبح مصدرا ً للإلهام؛ فحرف ( الياء) له شخصية جبارة تعبر عن معان ٍ كثيرة.. وحرف ( العين) الذي لا نظير له في الأبجدية الإنكليزية هو حرف قوي فعّال يتضمن في اللغة العربية معنيين مختلفين، فهو من جهة يعني الماء ومن جهة أخرى يعني العين التي يبصر بها الناس.. وأما حرف ( ل) فانه يعطي حركات رقيقة موسيقية.. أما وقد آمنت بذلك فقد جعلت من الحروف العربية قواعد لرسومي، فأخذت أدرج في تحويلها من أشكال سطحية بسيطة إلى صور للفكر متحركة معبرة. ومع أن فكرتي هذه مازالت في دور التجربة الا أنني قد اكتشفت أن في الحروف العربية إمكانيات تؤثر في سائر الناس من أرباب الفن وتجعلهم ينظرون إليها على أنها صور تتضمن معاني وأفكارا ً لا مجرد خطوط ملونة"
بين الأثر والنص : *
ربما كانت مديحه عمر، مثل فائق حسن، تعرف ما الذي ينبغي ان يكون عليه العمل الفني، لأنها كانت تشتغل في حدود الممكن : الاحتفاظ بالقواعد والسماح للمخيال بالذهاب أبعد من الواقع. بيد ان نموذجها لم يكن إلا مزيجا ً من حداثات أوربية وبقايا مخطوطات شعبية وأثرية تالفة، ولكنها عمليا ً حافظت على ضرب من التشفيرات التي منحت أشكالها الهندسية مرونة متوازنة مع حرية الأشكال الحروفية الشائعة والمنتشرة في واجهات المساجد والبيوت التراثية: مزاوجة دفعت بتجاربها للإفصاح عن مغزى وجود الفن كقيمة غير فائضة، إن لم يكن ـ الفن ـ مقترنا ً بالفنان. فالفنانة اشتغلت بصهر مصادرها، وراحت تنصص، فوق نصوص فقدت أشكالها، بما يجعل النص أثرا ً مستعادا ً. ولكن : ما الذي كانت تستعيده ؟ إن الدراما البنائية لنصوصها لا تغادر الإطار، ولا تفلت من حدود نشاطها الخيالي الخصب أيضا ً.. فهي شديدة التمسك ببناء أرضية دينامية ومتحركة .. فالحروف المعالجة لها حكايات تحكيها بما لا يمكن الإفصاح عنه، حتى عندما تحدثنا عن ليونة حرف أو رمزية الآخر . فاللغة لم تخترع للإرسال أو بصفتها جسرا ً بين حدود .. وإنما للإقامة ..! ألا تبدو البؤرة الذهبية ـ أو مركز اللوحة ـ قد توزعت ضمن حركة الحروف والخطوط والأشكال، بعد ان ألغت المركز التقليدي الذي حافظ عليه شاكر حسن كومضة ملغزة لبحث معرفي في خاماته الفنية..؟ ومن ثم، فإنها بالانتقال من العاطفي إلى المجرد، لا تغادر حقيقة أنها كانت ترسم ذاتها بأقصى حدود التخلي عن مفهوم الذات المنغلقة .. ففي أعمالها ضرب مشترك من التلقائية والتعقيد الهندسي، منح تجاربها هذا الذي يأتي بفعل حضورها في النص. فالرسامة تحكي، وتريد ان تمنح حروفها المصاغة بأسلوبها، ما تم كتمانه داخل الأشكال، لكنها لا تكف تنقلنا إلى مغزى النص وقد كف ان يكون أثرا ً، مع انها، في النص، تعمل عمل صانع المخطوطات، أو رسام المغارات، حيث اللاواعي لا يفلت من قوانين النص وتكنيكه. فالنص يكف ان يكون نصا ً مستقلا ً عن محركاته المختلفة كالسرد والأصوات والرهافات المستمدة من المشاهدة والتأمل، كي يتوحد عبر عملية دينامية تسمح للمشاهد بتقمص دور الرسامة في إعادة التأويل : هذا الذي لا يتوخى الشرح، بل، بالدرجة الأولى، إعادة رسم كيانه برمته بفعل انشغالات النص. ألم يقل ( فلوبير)، وهو يتحدث عن الأسلوب : أنا مدام بوفاربي ! لهذا لم تسمح للحداثة ان تلهو بها .. ولم تسمح لأنظمتها باقتلاع حكمة [ الإنبات] التي توقف عندها ( جيل تولوز) : فالإنبات لا يسمح ـ مع اتساع عمل المخيلة التوليدي ـ بمغادرة شروط التكوين وتجذرّه مع الأرض .. حيث وجدت مديحة عمر ذاتها ـ مهما ابتعدت عن مكوناتها ـ في صميم مشروعها الفني : السكن في نصوصها . ومثل هذا المشروع ـ الافتراضي ـ جعلها ـ مثل الطائر ـ لا يصنع عشا ً للسكن بل للمصير والتوحد. فالنصوص تبقى أكثر عناية بما للمكان من مركز جاذبية؛ المكان الذي يفقد حدوده بغياب سريته المعلنة، وبغياب خصائصه ورموزه. فالرسامة قلصت المسافة بينهما ـ بين داخلها وبين أشكالها درجة انها، مع نصها، حافظت على ما يريد الأثر ان يقوله عبر صياغته كخطاب في الحداثة المعاصرة. فهي لم تستعر أنظمة، ولم تستنسخها، ولكنها لم تلغ أو تحذفها بدافع التعالي، بل عملت بصمت [ بلبل] لا يفكر ابعد من جعل التغريد قضية أولية : مصيرا ً خارج الشك .. لأن [ البلبل ] لن يشتت تغريداته بعشوائية ما لأجل ان يكون نسرا ً ! . إن الفنانة الكبيرة مديحه عمر أخذت الكثير من مشاهد الصخور والغيوم والغابات والجدران ضمن منظور (عمودي وافقي) إلى جانب عملها بجعل الحروف العربية لا تستعمل للنطق بل للرقص والامتنان.. فثمة روافد تتوحد، وتتداخل، كما يمكن لعالم الجيولوجيا ان يخبرنا عن زمنه وقد غدا علامة لمكونات لا تكف ان تذهب ابعد من محركاتها المباشرة : ألم تتحدث، كعاشقة، وقد بلغت من العمر عتيا، بنبض الحروف العربية، الذي جعلها، لا تراهن كي تخسر، بل تعمل لربح لا يتعرض للزوال..!
* الإقامة : جسور مغايرة :
وعلى الطرف الآخر من تجربة شاكر حسن، فان مديحه عمر لا تهدم نصوصها: لا تذهب نحو التفكيك . لقد سمحت لمخيالها أن يعيد تركيب الأشكال : الحروب وقد استحالت إلى إشارات وعلامات. بيد أن هذا الضبط لدراما النص، لا يحكي قصة قابلة للسرد، وإنما ينقلنا إلى الفعل في تواصله. إنها ـ من منظور انثويتها التوليدية ـ لا تتوقف عند ذروة، بل سمحت لتنويعات الخطوط ان تتلبس الفضاء السردي في ديناميته. ولكنها ـ ككل من استثمر مخياله واختار جانبا ً من جوانب التعبيرية ـ لم تخضع لوحاتها لغايات محددة. لقد أغوتها المرونة، وما تضمره الحروف العربية من طاقات ومعان وإيحاءات، فراحت، مع الأشكال في تنويعاتها، ترسم مشهدا ً جذابا ً يخلو من الزخرفة والترف والقطيعة مع المرئيات. فنصوصها ليست سوريالية وليست دعائية وليست جمالية في حدود القطيعة مع المحركات، وإنما سمحت ليدها بأداء فرائض القلب والعقل معا ً. فلم تغادر الفنانة، عبر رحلتها الطويلة، علاقتها بالموروث المشحون برموزه الغزيرة، ومفرداته اليومية،الواقعية، وإنما راحت تمنحه خصائصه الذاتية / الموضوعية كعلامات تتوازن مع تجارب الحداثة السائدة. فالسيدة التي واصلت، بعناد، تحقيق مشروعها الفني، مكثت تغنيه بالتنوع والإضافات. فهي، في هذا السياق، جعلت النص أرضية للإنبات. فراحت تعيد قراءة الأبجدية، وتراقب المتغيرات، كي تمنح تجاربها تلقائية شعرية وسحرية لا تغادر صخب الواقع، وتصدعاته. فقد سمحت لها رهافتها ببناء علاقات فنية بعيدا ً عن الأقنعة. فالنص يحكي حكايته،أينما ذهب وأينما استقر. فانشغالها بما تريد إيصاله للأخر، لم يتوقف عند سرد قصة ما من القصص، وإنما، كما في ألف ليلة وليلة، تكمل الليالي حكاية الكل المتحرك، الزاخر بمرايا، وأصداء، وخفايا، وملغزات محركات النص. صحيح إنها قد تقنعنا بما في العين أو النون من أصوات وقدرة على الإرسال، إلا أن نصوصها الحروفية، في هذا الهاجس، تحكي الذي لا يتوقف عند حد من الحدود. ألم تجد، ببساطة، ان عملية استلهام الحرف في النص التشكيلي، يعيدنا إلى فجر اليد التي أدت فرائض القلب، وليس استلهام الحروف محض بحث عن هوية في عالم يسعى لتحويل البشر إلى أرقام وأشياء، بلا خصائص، وإنما استجابة لنزعة تأملية تصوّر مغزى التجاور والحوار؟ وإن تاريخها الفني الطويل، لم يتجمد عند نص واحد أو أخير، وإنما راح يتجدد بغناه على صعيد الأشكال أو المخيال..
فهل سيتم، بعد أن تعرض متحف الرواد، للنهب، وبعد أن تعرضت أعمال جيل الرواد ومن جاء بعدهم للتغييب والمتاجرة، لأخذ مكانته في الذاكرة
إن أعمال الرائدة مديحه عمر، بمخيالها الاجتماعي ودراستها لموروثها الثقافي والشعبي، وتفحصها لمدلولات المكان وعلاماته، عملت ضد هذا المصير.. فكما زارت عشرات المدن الكبرى، وأقامت فيها لسنوات طويلة، وواصلت الرسم، إلا انها مكثت تحفر، فوق سطوح لوحاتها الحروفية، هذا الزمن كله، حكايات عنيدة، تنتظر الإصغاء.. وإعادة الرؤية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ولدت في حلب عام 1908
* انتسبت إلى دار المعلمات في بيروت، ثم ذهبت إلى استانبول وانتمت إلى المدرسة السلطانية.
* أرسلت في أول بعثة عراقية للبنات إلى انكلترا والتحقت بكلية "ماريا غري".
* عادت إلى العراق وعينت مديرة لمدرسة تطبيقات دار المعلمات، ثم عينت مديرة لدار المعلمات نفسها بالوكالة .
* عينت مديرة للثانوية المركزية للبنات. ثم رئيسة قسم الرسم والفن في دار المعلمات حتى آذار 1942
* نالت شهادة البكالوريوس في الكور كوران وجامعة جورج واشنطن وشهادة شرف لإنتاجها الفني في عام 1947، وقد اشتركت بمعرض التصوير بالإصباغ المائية الذي أقامه الفنانون المختصون بالتصوير بالإصباغ المائية في واشنطن.
* أقامت 18 معرضا ً شخصيا ً خلال الأعوام من 1950 ـ 1988 في كل من بغداد والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا ولبنان والسودان.